العلم والدعوة والجهاد
العلم الشرعي
عبد الحكيم بن محمد الطيب عبلاوي
بوزريعة
الناصرية
1-أعظم المصائب. 2- غفلة الأمة عن خطورة موت العالم. 3- الأمة بين المعالي والسفاسف. 4- أهمية أعمال القلوب. 5- فضل العلماء وعظم المصيبة بفقدهم. 6- وفاة الشيخ عبد القادر الأرنؤوط. 7- جهاد الشيخ في دعوته. 8- أعظم ميزات الشيخ رحمه الله تعالى.
عباد الله، إنّ المصائب التي تصيب الأمّةَ كثيرة، إلا أن أعظم المصائب هي المصائب التي لا تشعُر بها الأمّة أو أكثرها، وإنّ منها موتَ العالم.
ما أتعس حالَ هذه الأمّة: يموت فيها الْمُغنِّي الفاسق الفاجر فتُستَنفر الحكوماتُ والشّعوب، ويصاب اللاّعب التّافه في ملَعب الكرَةِ فترى أثرَ ذلك في الناس خوفًا عليه أن لا يعود إلى الملعَب، وتتوعّك الممّثلة الساقطة أو الرّاقصة الخليعة فإذا وعكتُها حديث القنواتِ والجرائدِ والمجلاّت، حتى يخيَّل للناس أن مرضَ هؤلاء فيه هلاك العالَم، وأنّ نهايتَهم هي نهاية الدنيا.
ألا إنّ الله يحبّ معاليَ الأمور ويكرَه سفاسفها، وإنّ أمتنا جعلت معاليَ أمورِها سفاسفَ وقشورًا وغُلوًّا وتطرّفًا، وصيَّرت سفاسفَ الأمور معاليَ ومُثُلا، فأين تقع من حبِّ الله ومِن إعزاز الله لها ومِن نصرِه إياها وهي مولَعَة بما يكرَه الله وَيَمقت عليه، معرِضةٌ عمّا يحبّه ويرضَى عنه، لولا فِئةٌ من المؤمنين الصادقين الذين يحمِلون همّ هذه الأمّة وحدهم، ويشعرون دون الأمة بآلامها ويتطلّعون لآمالها.
أيها المسلمون، إنه لأمر يسير أن يُعرِض المسلم عن هذه السّفاسف والتّفاهات ويُخلِيَ قلبَه منها، وأن يَملأ قلبه بما هو أنفعُ له في دينه ودنياه، لا يُكلّفه ذلك عناءً في جسمه ولا يرزؤه دِرهما من جيبِه، ومع ذلك ترى أكثر الناس عنه معرضون.
أيها المسلم، اعلم أنّ هذا الأمر ـ مع يسره وقلة مؤنته ـ هو عظيم الشأن جليل القدر عند الله تعالى، ذلك أنه من أعمال القلوب التي هي أساس الأعمال وأصلُها، فهي أشرف أعمال المرء وأنفعها، ولذا كانت أعظمَها عند الله أجرا وأجزلها ثوابا، وحسبك أن أعظم أركان الإسلام، بل أعظم ما في هذا الدين على الإطلاق شهادةُ أن لا إله إلا الله وأنّ محمدا رسول الله، وهو عمل قلبيّ قبل أن يكون لفظةً باللّسان، وحسبك أن أشرفَ أعمال الإيمان الإخلاصُ لله تعالى، وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5] ، ثم سائر ما يتفرّع عن تعظيم الربّ جل وعلا من خوفِه ورجائه والإنابة إليه والتوكل عليه وحبه والحبّ فيه... كلّها أعمال قلبية، وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين.
من المصائب العظيمة التي لا تشعُر بها الأمّة ـ ولا يريد لها أعداؤها أن تشعرَ بها ـ موتُ العالِم، فلا يدري المؤمن في أيِّ مصيبتَيْها يُعزِّيها: أفي موتِ عالِمها أم في موتِ شعورِها وإحساسها؟!
أخي المسلم، إياك أن تكون ممن يتألّم وتذهب نفسه حسراتٍ لانهزام فريقِ كرةِ القدم ولا يأبه لموت العالِم الربّاني. فإن أصابك مِن هذا الداء شيء فتعالَ أحدّثْك حديثا عسَى الله أن ينفعني وإيّاك به، فتحيا قلوبنا من مواتها وتستيقظ أنفسنا من غفلتها.
أخي المسلم، إنّ موتَ العالِم هو بعضُ موتِ العالَم، إن ذهاب العالِم هو ذهابُ بعضِ الحياة مِن هذا الكون، إنّ قبضَ العالِم هو انطِفاءٌ لبعض النورِ الذي تستنير به هذه الأرض المظلِمة بالظلم والباطل والمنكر. وإذ أنت جزءٌ من هذا العالَم فموت العالِم هو بعض موتِكَ أو موتُ بعضِك، وهو ذهاب بعضِ حياتك ونورِك.
أيها المسلمون، لقد كانت الأرضُ ميتَة مظلِمة مكفهرّةَ الوجه فأنزل الله تعالى وحيَه إلى عبده ورسوله، فأحيا به القلوبَ وأنار به جنَبَات الأرض، وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى:52] ، فسمّاه الله روحا لأنه حياةُ الأرض كما أنّ الروح بها حياةُ الأبدان، وسماه نورا لأنه أضاء الدّروب الحالكة للبشريّة. وقال عزّ من قائل: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:122] .
ثم بلّغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما أُوحِي إليه من ربّه خيرَ بلاغ، وأدّى ما ائتُمِن عليه أحسنَ أداء حتى أتاه اليقين.
ولما كانت هذه الأمةُ أمةً مباركة لا ينقطِع الخير فيها فقد جعل الله لرسوله ميراثًا هو العلمُ الذي علّمه إياه، وجعل له ورثةً هم العلماء من أمّتِه إلى يوم القيامة، يتوارَث الخالف عن السّالف هذا الميراثَ إلى أن تقوم الساعة.
فأوّل من وِرث عنه العلمَ صلى الله عليه وآله وسلم أصحابُه رضوان الله عليهم، فأخذوا منه بأوفرِ حظٍّ، ثم أدّوه إلى التابعين كما ورِثوه، وأدّاه التابعون إلى تابعيهم كذلك، وهكذا ما زال هذا الميراثُ المبارك يحمِله من كلِّ خلفٍ عدولُه حتى يؤدّوه إلى مَن بعدهم، ينفون عنه تحريفَ الغالين وتأويلَ الجاهلين وانتحال المبطِلين، يُحيون به الأفئدةَ والقلوب، وينيرون به المسالكَ والدروب، ويفتحون به أعينًا عميًا وآذانا صمّا وقلوبًا غُلفا، فما أحسنَ أثرَهم في الناس، وما أسوَأ أثرِ الناس فيهم، إلاّ من رحم ربّك وقليل ما هم.
فهذه منزلةُ العالم أيها المسلم، فاعرف له قدرَه، وعظِّم من شأنه وارفَعه كما رفعه الله تعالى القائل: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [المجادلة:11] .
واعلم أن من تعظيم شأنِ العالِم اغتنامَ حياته قبل موتِه، بأن تنتفعَ مِن عِلمه، وتقتبسَ من نوره، وتأخذَ من هديه وسَمته، وإنّ من تعظيم شأنه أن تذكرَه بخير ما فيه، وأن تدعوَ له وتستغفرَ له في حياته وبعدَ موته.
عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: (( مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضَاءً لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ، وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ. إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ ) )رواه أحمد والترمذي وابن ماجه.
أيها المسلم، إن أعظم مصيبة حلّت بالمسلمين هي موتُ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإن أعظم مصيبة تصيبهم بعد فقدِ نبيهم هو فقدُ ورثة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلذلك لا يستوِي موت العالم وموتُ غيره، كما لا تستوي حياة العالم وحياةُ غيره.
فموتُ أهلِ الأرض طرًّا ومَن فيها جميعًا بموتةِ العالِم
فهذا قدر العالم عند الله وعندَ المخلوقين، في أهل السماوات وأهل الأرض، عند الملائكة وعند البهائم العجماء، كلهم يعرفون فضلَه وعلوَّ منزلته، لم يتخلِف منهم إلا بعض بني الإنسان إنه كان ظلوما جهولا، فإياك أن تكونه فتكون من النادمين وفي الآخرة من الخاسرين.
أيها المسلمون ، أما شَعَرتم أنكم رُزِئتم في واحد من ورثةِ نبيكم ؟ أما شعرتم أنكم أُصِبتم في عالِم مِن علماء هذه الأمة الربانيّين العاملين؟ أما شعرتم أنكم فقَدتم الشيخَ عبد القادر الأرناؤوط عليه رحمة الله الواسعة؟ أمَا شعرتم أنّ مصباحا من مصابيح الشام المرابِطة المجاهدة قد انطفأ نورُه؟ فأعظَمَ الله الأجرَ لأهل الشام، بل أعظَمَ الله الأجرَ والثوابَ لجميع بلادِ الإسلام، اللهم أجِرنا في مصيبتنا واخلُفنا خيرًا منها.
إِنَّ رُزءَ الإِسلامِ بِالحافِظِ العا لِمِ أَمسى مِن أَعظَم الأَرزاءِ
في ضحى يوم الجمعة الرابع عشر من شهر شوال من هذه السنة 1425هـ قَبض الله تعالى هذا العالم العامِلَ المجاهدَ في سبيل الله بالعِلم والدّعوة، بلسانه وقلَمه، المرابط على ثغر الشّام، فنسأل الله تعالى أن يرحمه برحمتِه الواسعة وأن يدخلَه الجنة ويسكنَه الفردوس الأعلى مع الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
وإنا لنرجو له أن يكون من الشهداء إذ قبض يوم الجمعة، أَخْرَجَ حُمَيْدٌ فِي تَرْغِيبِهِ عَنْ إِيَاسِ بنِ بكيرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: (( مَنْ مَاتَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ كُتِبَ لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ وَوُقِيَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ ) ).
أيها المسلمون، إن مُدَّعِي اتباع السلَف في هذا الزمان كُثر، لكن الصادق الْموفَّق منهم أقلّ من ذلك، وإنّ المشتغلين بحديث رسول الله وسنّته في هذا الأزمان يزدادون، لكن العامِلين بها الداعين إليها الصابرين على الأذى فيها أقلّ من ذلك بكثير.
وإنا نشهَد لله شهادةً نعلم أنَّا نُسأل عنها يومَ القيامة أنّ الشيخ عبد القادر الأرناؤوط رحمه الله تعالى كان من هؤلاء الفِئةِ القليلة العالمين بسنة رسول الله العاملين بها الصابرين على الأذى في سبيل الدعوة إليها. نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدا، وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين.
إنه لا يُمكن للمرءِ أن يعلم قدرَ الرجل حتى يعلم: أين عاش؟ ومتى عاش؟ ومن واجه في دعوته؟ فكما قال تعالى: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [الحديد:10] ، فكذلك لا يستوي عند الله في الأجرِ ولا عند الناس في التقديرِ من نشأ بين أهل السنّة المعظِّمين لها الملتَزِمين بها الدّاعين إليها، ومَن نشأ بين قومٍ السنةُ عندهم مهجورَة محارَبَة والبدعَة فاشيةٌ غالِبة، من أظهَر بينهم سنّةً نُبِز بأبشع الألقاب وحُدج بالأعيُن، يكاد الناس يزلِقونه بأبصارهم، فإن صبر عليها عُدَّ معانِدًا، وإن دعا إليها عُدّ مارِقًا، وصيح به أنْ من بدّل دينه فاقتلوه، وضُيِّق عليه في رِزقه، وأوذي في نفسِه وعرضِه. وفي مثل هذه البيئة نشَأ الشيخ عبد القادر الأرناؤوط رحمه الله تعالى، لكن الله حبَّب إليه سبيلَ السلَف الأوّلين من الصحابةِ والتابعين لهم بإحسان، وقيّض الله له أمثالَ الشيخ بهجة البيطار العالم السلفيّ وغيرَه من المتّبعين سبيلَ السلف الصالحين أرشدوه ووجّهوه، فحرص على السنّة والحديث عِلمًا وعملا ودعوةً، فلقِي من ذلك ما يلقاه أهل الحقّ من أهل الباطل وأتباعِهم في كلّ زمان وفي كلّ مكان.
لكن أجدر ما يعظم به الشيخ رحمه الله تعالى في أعين المؤالفين والمخالفين في دعوته أمران:
أولهما: صبرُه على دعوةِ قومِه ومرابطته في بلادِ الشام طولَ حياته، لم يغادرها إلى غيرها من البلاد، مؤثِرا الأذى في سبيل الله على الراحة والعافِية، ولقد كان يسَعه أن يتبوّأ ـ بما جمع من علمٍ وبما بلغه من رتبة سامية وسمعة طيبة عند أهل العلم ـ مكتبًا من مكاتب التّحقيق في بعض بلاد الإسلام، فيغدق عليه المال، ويرتاح من مواجهة أعداء السنة المتربَصين به في وَطَنه، لكنه آثر سبيل أولي العزم من الدعاة الصادقين، فمكث في قومه يدعوهم إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة ويجادلهم بالتي هي أحسَن حتى أتاه اليقين، فرحمه الله تعالى رحمة واسعة ونوّر قبرَه وأثابه الجنّة خالدًا فيها.
وأمّا الأمر الثاني: فهو ما حباه الله به من دَماثَة خُلُق وصبرٍ على المخالف والجاهل والسّفيه، حتى شهِد له بذلك القريب والبعيد والموافِق والمفارق، إلى تواضعٍ للحقّ، يقبله من كلّ من جاء به صغيرًا كان أو كبيرا، مؤالِفا أو مخالفا، لا يأنَف أن يرجعَ إلى الصواب حين يصوّبه تلميذه، ولا يستنكِف أن يُذعِنَ للحق حين يبيّنه له محاوِره أو مناظِره، وكان رحمه الله تعالى ليّنَ الجانب رفيقًا في دعوته حتى هدى الله على يدَيه خلقًا كثيرا، ونفع الله به بلادَ الشام نفعًا عظيما. ولقد كان من عباراته اللطيفة رحمه الله:"نحن لا نريد سلفيّةً تنطَح، ولا صوفيّة تشطَح، ولكن نريد من ينصَح، من غير أن يمدَحَ أو يقدَح".
لو لم يكن في الشيخ سوى هاتين الفضيلتَين لكان حقيقًا بكلّ تقدير وجديرا بكلّ توقير، إذ هما من نوادِرِ الفضائِل في هذه الأزمان، فالله المستعان وعليه وحدَه التّكلان.