التوحيد, الرقاق والأخلاق والآداب
أعمال القلوب, الألوهية
صالح بن عبد الله بن حميد
مكة المكرمة
المسجد الحرام
طلب الرزق غريزة عند كل الأحياء - مزالق السعي وراء الكسب والرزق ,والمخرج من ذلك-
أهمية التوكل وبواعثه ومصادره وفضله - حقيقة التوكل والفرق بينه وبين التواكل وهديه صلى
الله عليه وسلم في ذلك - حاجة الدعاة إلى التوكل - كيف يقوى التوكل ويصح
أما بعد: فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله عز وجل، فاتقوه رحمكم الله، واعتصموا بحبله حقَّ الاعتصام، واستمسكوا بالعروة الوثقى التي ليس لها انفصام. حبل الله الإقرار بتوحيده، وأداء فرائضه، وإقامة حدوده، والتصديق بوعده ووعيده؛ وَمَا ءاتَـ?كُمُ ?لرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَـ?كُمْ عَنْهُ فَ?نتَهُواْ [الحشر:7] .
أيها المسلمون: طلب الرزق غريزةٌ عند كل الأحياء، فما إن تَبدوَ بوادرُ الصباح حتى يستعد الفلاحون والتجار، وأصحاب الصنائع والحرف، وأرباب الوظائف والإدارات، يستعدون للدخول في كدحٍ طويلٍ كي يحرز كلُّ امرئٍ منهم قوته وقوت عياله.
وهذا الكدح الطويل والسعي الحثيث محكٌّ قاسٍ للأخلاق والمسالك، والثبات واليقين، والطمأنينة والرضى.
إن اللهف على تأمين العيش، واللهاث من أجل سدِّ أفواه الصغار والضعاف قد يلجئ بعض النفوس إلى الختل والتلون، والكذب والحيف، والتدليس والغش. وربما وُجد ضعاف يتملقون أقوياء، وأذلاء يذوبون في أعتاب كُبراء.
إن إلحاح الرغبة في طلب الكفاف أو طلب الثراء مع وعورة الطريق، وطول المراحل والمنازل في هذه الحياة، وشعور المرء بالحاجة إلى ناصرٍ ومؤنسٍ مع ما قد يلاقي من أعداء ومتربصين؛ كل ذلك قد يدفع إلى اللؤم والذلة وسلوك المسالك الملتوية.
ولكن دين الإسلام يأبى ثم يأبى أن يكون الكدح وراء الرزق مزلقةً لهذه الآثام كلِّها، وينهى ويكره أن يلجأ المسلم أبدًا إلى غشٍ أو ذلٍَ أو ضيم ليجتلب به ما يشاء من حطامٍ.
وفي سدِّ هذا الطريق يقول عليه الصلاة والسلام: (( لا يحملنكم استبطاء الرزق أن تأخذوا بمعصية الله فإن الله لا ينال ما عنده إلا بطاعته ) ) [1] .
إذن ما هو المخرج؟ وما هو الحل من هذه المعضلة التي يعيشها فئامٌ من الناس على ظهر هذه البسيطة؟ يتهارشون ويأكل بعضهم بعضًا، ويظلم بعضهم بعضًا؟؟ وفي عصرنا شاهدٌ كبيرٌ وأنموذج ماثلٌ على هذه الصورة المزرية!!.
اسمعوا إلى هذا الحديث من نبيكم محمد ؛ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: (( لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا ) ) [2] .
وابن مسعود رضي الله عنه يقول: إن من ضعف اليقين أن ترضيَ الناس بسخط الله وأن تحمدهم على رزق الله، لا يجرُّه حرصُ حريصٍ ولا ترده كراهية كاره، وإن الله بقسطه وعدله جعل الرَّوْحَ والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهمَّ والحزن في الشك والسخط.
أيها الإخوة: إنه التوكل على الله. التوكل شعورٌ ويقينٌ بعظمة الله وربوبيته وهيمنته على الحياة والوجود والأفلاك والأكوان. فكل ذلك محكومٌ بحوله وقوته سبحانه.
التوكل قطع القلب عن العلائق، ورفض التعلق بالخلائق، وإعلان الافتقار إلى محوِّل الأحوال ومقدِّر الأقدار لا إله إلا هو. إنه صدق اعتماد القلب على الله عز وجل في استجلاب المصالح ودفع المضار ولا ينفع ذا الجد منه الجد.
التوكل صدقٌ وإيمانٌ، وسكينةٌ واطمئنان، ثقةٌ بالله في الله، وأملٌ يصحب العمل، وعزيمةٌ لا ينطفئ وهجُها مهما ترادفت المتاعب. بالتوكل تُرفع كبوات البؤس، وتُزجر نزوات الطمع. لا يكبح شَرَهَ الأغنياء ولا يرفع ذل الفقراء سوى التوكل الصادق على الحي الذي لا يموت.
يقول سعيد بن جبير رحمه الله: التوكل على الله جماع الإيمان. المتوكل على الله ذو يقظةٍ فكريةٍ عاليةٍ ونفسٍ مؤمنةٍ موقنةٍ. قال بعض الصالحين: متى رضيت بالله وكيلًا وجدت إلى كل خير سبيلًا.
وقال بعض السلف: بحسبك من التوسل إليه أن يعلم من قلبك حسن توكلك عليه.
التوكل إيمان بالغيب بعد استنفاد الوسائل المشروعة في عالم الشهادة. تسليم لله بعد أداء كل ما يرتبط بالنفس من مطلوباتٍ وواجباتٍ.
أيها الإخوة: وأول بواعث التوكل ومصادره توحيد الله وإفراده بالعبادة؛ فالرب المعبود سبحانه: له الأسماء الحسنى والصفات العلى: ?للَّهُ خَـ?لِقُ كُلّ شَىْء وَهُوَ عَلَى? كُلّ شَىْء وَكِيلٌ