فقه
الصلاة
غازي بن مرشد العتيبي
الجموم
الجامع الكبير
1-أهمية الصلاة. 2- حكم تارك لصلاة. 3- تفشي ظاهرة ترك الصلاة. 4- مسؤولية المجتمع في الدعوة إلى الصلاة. 5- وسائل عملية للدعوة إلى الصلاة.
أيها الناس، إن الله عز وجل جعل للإسلام عمودًا يقوم عليه، وميزانًا يفرّق به بين المسلم والكافر، وأساسًا للموالاة والمعاداة والحب والبغض، إنه الصلوات الخمس المفروضة، من جاء بهن فهو المسلم، ومن تركها فليس له في الإسلام حظّ ولا نصيب، بل يعتبر مرتدًا عن الإسلام، مارقًا من الدين، يجب عليه أن يرجع له وينزعَ عن الكفر، وإلا فقد حل دمه وماله، كما جاء في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود أن النبي قال: (( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة ) ).
واستمعوا ـ أيها المؤمنون ـ إلى هذه النصوص العظيمة التي تدلّ أبلغَ دلالة على كفر تارك الصلاة وردته عن الإسلام:
يقول الله عز وجل: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ [التوبة: 11] . فإن هذه الآية الكريمة تدل على أنهم إن لم يفعلوا ذلك فليسوا إخوانًا لنا؛ والأخوة الإيمانية ـ يا عباد الله ـ لا تنتفي إلا إذا انتفى الإسلام.
ويقول عز وجل: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنْ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر: 38-48] ، فقد جعل الله الناس في هذه الآية قسمين: القسم الأول أصحابُ يمين، وهم الذين على صلاتهم يحافظون، مع ما يتصفون به من العقائد الصحيحة والأخلاق الفاضلة، وهؤلاء في جنات الخلد العالية، يتنعمون بأنواع النعيم المقيم. والقسم الآخر: مجرمون، قد أضاعوا الصلاة، واتصفوا بالأخلاق الذميمة والعقائد الفاسدة، وهؤلاء في سقر، يتمنون أن يشفع لهم أحد، ولكنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين.
وقد جاء في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله يقول: (( إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة ) )، وروى الإمام أحمد وغيره عن بريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله: (( العهد الذين بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر ) ).
وقد أجمع الصحابة رضي الله عنهم على كفر تارك الصلاة، يقول أبو هريرة: كان أصحاب رسول الله لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة.
أيها المسلمون، إن من يترك الصلاة أشدّ كفرًا من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا؛ لأنه مرتد عن الإسلام، ولهذا لا يجوز أن يزوّج امرأة مسلمة تؤمن بالله واليوم الآخر، ولا يرث ولا يورث؛ لقوله: (( لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم ) )، ولا يُغسل إذا مات، ولا يُكفن، ولا يُصلّى عليه، ولا يُدعى له بالمغفرة، ولا يثبت له شيء من حقوق المسلم على المسلم.
ومع أهمية إقامة الصلاة في الإسلام وخطر إضاعتها والتفريط فيها إلا أننا نرى ـ ويا للأسف ـ بعض من ولدوا في ديار الإسلام ودرسوا تعاليمه وقامت عليهم الحجة واتضحت لهم المحجة قد أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات، وقطعوا الصلة التي بينهم وبين الله عز وجل.
والسؤال الذي يفرض نفسه: هل يتحمل المجتمع المسلم مسؤولية عند الله عز وجل في الدعوة إلى الصلاة؟ وما الوسائل العملية للدعوة إليها؟
إن المجتمع ـ أيها المسلمون ـ يتحمل مسؤولية عظمى وأمانة ثقيلة في الدعوة إلى الصلاة والحث على إقامتها، وإذا تخلى المجتمع عن مسؤوليته فسوف يكثر التاركون للصلاة، وتشيع الفحشاء، وينتشر المنكر، ويكثر الخبث، وتحبس الأمطار، وتنزل العقوبات العامة من الأمراض الخطيرة والمصائب العظيمة والكوارث المفجعة، وسوف يسلط الأشرار على الأخيار، وسوف يدعو الصالحون فلا يستجاب دعاؤهم.
وهذا كتاب الله تعالى وسنة نبيه بين أيدينا يدلان على ذلك وينطقان به، يقول الله تعالى: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [الأعراف: 165] ، فأخبر الله أنه أنجى الذين ينهون عن السوء والمعصية، أما الذين لا ينهون عن ذلك فهم ظالمون فاسقون هالكون.
وقد جاء في حديث زينب رضي الله عنها في الصحيحين أنها قالت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: (( نعم إذا كثر الخبث ) )، وفي حديث حذيفة عند الإمام أحمد وغيره: (( والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن أن يبعث الله عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم ) ).
بل إن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسباب حلول لعنة الله عز وجل، ومن أعظم المعروف إقامة الصلاة، ومن أعظم المنكر تركها، يقول الله عز وجل: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة: 78، 79] .
ألا فاتقوا الله أيها المؤمنون، واجتنبوا أسباب سخط الله وعقابه، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاةُ والدعوةُ إليها، وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران: 104] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...
الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وجعلنا من خير أمة أخرجت للأنام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من قالها وعمل بها له دار السلام، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله خير من صلى وصام، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الكرام، ومن سار على نهجه واستقام.
أما بعد: فاتقوا الله أيها المؤمنون، واعلموا أن هناك وسائل عملية للدعوة إلى الصلوات المفروضة، ومنها:
1-النصيحة الفردية لتارك الصلاة، بوعظه وتنبيهه من غفلته، وتذكيره بخطر ما هو مقيم عليه، وكم من شخص ـ يا عباد الله ـ قد كان على شفا جرفٍ هارٍ فأنقذه الله من النار بنصيحة خالصةٍ وكلماتٍ صادقة، ورده الله إليه ردًا جميلًا.
2-ومن هذه الوسائل: الزيارة الجماعية لتارك الصلاة، وحثُّه عليها، وترغيبُه فيها، وترهيبه من تركها.
3-ومنها: عدم الصلاة على تارك الصلاة إذا مات، وعدم تغسيله وتكفينه؛ وذلك حتى يكون زاجرًا لغيره عن ترك الصلاة.
4-ومن هذه الوسائل: إرسال رسائل الجوال المشتملة على الوعظ والتخويف إليه، وإهداءُ الأشرطةِ النافعةِ له. وإذا أصرّ على ترك الصلاة بعد دعوته إليها بالحكمة والموعظة الحسنة فإنه يهجر حسبةً لله عز وجل، فلا يدعى إلى مناسبة، ولا تجاب له دعوة؛ لأنه محادٌّ لله ورسوله. إن اليهودي والنصراني تجوز إجابة دعوته كما كان يصنع ذلك النبي ، أما تارك الصلاة فلا تجاب له دعوة؛ لأنه مرتد عن الإسلام، ناكص على عقبيه.
5-ومن الوسائل النافعة: الدعاء لتارك الصلاة بالهداية إليها والدخول في الإسلام، ولا سيما من الوالدين، وقد دعا النبي لبعض المشركين بالهداية، فقال: (( اللهم أيد الإسلام بأحد العمرين ) )يعني عمر بنَ الخطاب وعمْرو بن هشام، فاختار الله لذلك عمر بن الخطاب، وصار بعد ذلك أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الراشدين، ودعا لقبيلة دوس وهم قوم أبي هريرة فقال: (( اللهم اهد دوسًا ) )، فجاؤوا مسلمين لله طائعين.
فاتقوا الله أيها المؤمنون، وأنقذوا هؤلاء من النار، بل أنقذوا أنفسكم من غضب الله وعقابه، فإن النبي يقول في الحديث الذي رواه أحمد وغيره: (( إن الناس إذا رأوا المنكر بينهم فلم ينكروه يوشك أن يعمهم الله بعقابٍ منه ) )، وتذكروا فضل الدعوة للإسلام فإن ربكم عز وجل يقول: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ [فصلت: 33] ، ونبيكم يقول: (( ولأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حُمْر النَّعَم ) )، ويقول أيضًا: (( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل من عمل به إلى يوم القيامة ) ).
ألا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه...