الأسرة والمجتمع, الرقاق والأخلاق والآداب
الأبناء, الفتن
عاصم بن لقمان يونس الحكيم
جدة
جامع جعفر الطيار
1-الابتلاء يكون في الخير والشر. 2- المال يكون نقمة وابتلاء. 3- الأولاد نعمة وشقاء.
أما بعد: إن الدنيا دار عمل وابتلاء، والآخرة دارُ محاسبة وجزاء، ففي الدنيا بحسب أعمالنا يتحدد فريق كل منا، ففريق في الجنة وفريق في السعير، والابتلاء والامتحان والاختبار كلها كلمات بمعنى متقارب، والابتلاء قد اقترن في أذهان أكثر المسلمين بالأمور السيئة على النفس، كالمرض والفقر والعذاب، لكنه حقيقة يكون أيضا بالأمور المحببة والتي تعجب النفس، كالصحة والعافية والمال، يقول الله تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:35] .
فقد يبتلي الله عبدا بالفقر أو المرض، فيصبر ذلك العبد ليكفر عن سيئاته في الدنيا وليرفع من درجاته في الآخرة، كما قال النبي: (( ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة ) ). وقد يبتلي الله تعالى عبدا بالمال والولد، يقول تعالى: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [التغابن:15] .
فالمؤمن ـ عباد الله ـ ينجح بتوفيق الله له في هذا الاختبار الذي يرسب فيه كثير من الناس، ذلك أن الله تعالى إذا ابتلاه ورزقه المال شكر اللهَ تعالى أن وسع له في رزقه وصان وجهه عن سؤال الناس، فتراه ينفق شُكْرًا وامتنانًا وعِرفانًا في مرضاة الله، ويتجنب إنفاق المال فيما يُغضب الله. وأما إذا رزقه الولد فإنه يشكر الله تعالى ويستعين به عز وجل في تربية ذلك الولد، لينشأ عالمًا أو داعيةً إلى الله أو مجاهدًا في سبيله، أو على أقل تقدير عضوا نافعًا في مجتمعه، ويجعل هم وفكر أولاده من ذكور وإناث منصبا على خدمة الإسلام والمسلمين وإعلاء كلمة الدين.
عباد الله، إن فتنة المال والولد فتنة عظيمة، والواقع يشهد أن أكثر المسلمين قد فشلوا في هذا الاختبار نسأل الله العافية.
إن الله تعالى قد وصف الكفار والمنافقين في كتابه الكريم بأنهم أهل الدنيا والنعيم، فقال: ذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ [المزمل:11] ، وقال تعالى عن المكذبين أصحاب الشمال: إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ [الواقعة:45] ، ووصف الله تعالى الإنسان بأنه يطغى إذا كثر ماله وحلاله فقال: كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق:6، 7] .
فالغالب أن المال يكون نقمة وابتلاء، وسببا للطغيان إن لم يتحلّ العبد بتقوى الله ومخافته، وإن لم يؤد حق الله في تلك النعمة، فأنت ترى بعض من أنعم الله عليهم بالمال لا ينفقونه في الغالب في مرضاته، فمنهم من ينفق عشرات الآلاف في سفر إلى الخارج ليعود هو وأبناؤه بآثام كثيرة وتأثُّر وإعجاب بالغرب الكافر، ومنهم من ينفق المبلغ نفسه أو أكثر منه في فرح فاجر، يستجلب إليه المغنين والمغنيات الفاسقين والفاسقات، ليُغْضِب الله تعالى وهو لا يبالي، ويدعو إلى فرحه وجهاء القوم ويترك الفقراء والمساكين من قرابته ومعارفه للفروق الاجتماعية التي بين الفريقين، وصدق النبي إذ يقول: (( شر الطعام طعام الوليمة؛ يمنعها من يأتيها، ويدعى إليها من يأباها ) ). ومنهم من ينفق مئات الألوف على سيارة أو ساعة، ورحم الله عمر بن عبد العزيز عندما علم أن ابنا له اشترى خاتما بألف درهم فكتب له:"قد بلغني أنك اشتريت فصا بألف درهم، فإذا بلغك كتابي فبع الفصّ وأشبع به ألف جائع، واشتر خاتما بدرهمين، واجعل نقشه: رحم الله امرؤا عرف قدر نفسه". فأين عمر رحمه الله ممن يشتري ساعة بستين ألف أو يفصل ثوبا بألفي ريال؟! أما ما ينفقه الناس في تعمير بيوتهم والبذخ الذي يصرفونه في المظاهر الكاذبة من أجل إرضاء الناس ولكي يحوزوا على إعجابهم وانبهارهم فالحديث عنه يطول ويدمي القلوب، ورحم الله امرؤا عرف قدر نفسه فأنزلها منزلها.
وأستغفر الله.
أما بعد: إن الولد ـ عباد الله ـ أيضا من الفتنة والابتلاء والاختبار الذي فشل فيه الكثيرون، فنحن نعلمهم في أحسن المدارس الدنيوية، ونلبسهم أفخر الثياب وأغلاها، ونطعمهم أجود الطعام، ونقتني لهم الألعاب الإلكترونية الغالية، وربما أرسلناهم في الإجازات إلى الخارج ليكتسبوا لغة أجنبية أو ليتعلموا ثقافات جديدة، ولكننا للأسف الشديد أهملنا أهم الأمور وهو ما أمرنا الله تعالى به إذ يقول عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6] ، فكثير من أولاد المسلمين اليوم مِن أردأ الناس خُلُقا ودينا، تراهم في كلّ شارع وسوق، لا يوقّرون كبيرا، ولا يعرفون لجار حقّه، ولا تكاد تراهم في بيت من بيوت الله تعالى. يُروى أن هشام بن عبد الملك افتقَد ابنا له في صلاة الجمعة ذات يوم، فأرسل إليه فقال الولد معتذرا: إن بغلتي استعصت عليّ، فقال له: أما استطعت أن تأتي ماشيا؟! فحرمه من الركوب إلى الجمعة شهرا كاملا. فأين أنتم يا أولياء الأمور من هذا؟! وهلا حرمتم أبناءكم من الأمور التي تحجزهم وتؤخرهم عن صلاة الجماعة؟!
إن أكثر شباب اليوم حسن الملبس والمظهر الخارجي، قد ينظر الجاهل إليهم فينبهر من غناهم ويسرّ لمنظرهم، فيقول كما قال السابقون: يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [القصص:79] ، أما المؤمنون فيقولون: وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ [القصص:80] .
فاتق الله ـ يا عبد الله ـ في مالك وولدك؛ لأن الله تعالى قادر على أن يعذبك بها في الدنيا، وذلك بأن يكون المال والولد لك مصدر قلق وهم وإزعاج، فلا تدري كيف تحافظ على ما عندك من مال وكيف تنميه، ولا تدري متى يعود ابنك إلى البيت إن خرج مع رفاقه، وهل يعود يا ترى سالما، وكم من مهمل مفرّط تخرج ابنته مع صويحباتها، فلا يعرف مع من ولا إلى أين، اتصلت به هيئة الأمر بالمعروف لاستلام ابنته والعياذ بالله، وصدق الله تعالى إذ يقول عن المنافقين وأشباههم: فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:55] . لقد خسر وخاب من جمع مالا وعدده يحسب أن ماله أخلده، لقد خسر وخاب لأنه يُسأل عن ماله: من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ ويُسأل عن أبنائه وبناته: على أي دين وملة رباهم وأنشأهم؟
فاتقوا الله عباد الله، فإن لكم ربا أنتم ملاقوه، وسيسألكم عن كل صغيرة وكبيرة، أحصاه الله ونسوه.
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم...