الرقاق والأخلاق والآداب
أعمال القلوب
عبد الحليم توميات
رايس حميدو
عمر بن الخطاب
1-الأعمار مطيتنا إلى الآخرة. 2- من الناس من يحاسب نفسه ومنهم المفرط الغافل. 3- دعوة لمحاسبة النفس. 4- السلف يحاسبون أنفسهم.
أما بعد: فحياكم الله أيها الآباء والأمهات الفضلاء، وأيها الإخوة والأخوات النبلاء، طبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلًا، وأسأل الله تعالى الذي جمعنا في هذا اليوم المبارك على طاعته أن يجمعنا مع الحبيب المصطفى في دار كرامته.
فهذا عيد جديد، صادفه عام ميلادي جديد، عيد أهلّ علينا، وعام اقترب إلينا، طوينا عامًا قبله مع ذكريات تثير الجراح والأفراح والآلام والآمال في آن واحد، شهر رمضان ودّعناه، وعام بكامله طويناه، عيد جديد أحييناه وشهر كريم دفناه، الأيام تجري، والأشهر تسرع وراءها، وتسحب معها السنين والأعمار، تُطوى حياة جيل بعد جيل، إلى أن نقف كموقفنا هذا بين يدي الجليل، فيسألنا عن الكثير والقليل، مصداقًا لقوله تعالى: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة:7، 8] ، واستمعوا إلى لقمان الحكيم وهو يعظ ابنه قائلًا: (أي بني، إنك من يوم نزلت إلى الدنيا استدبرت الدنيا واستقبلت الآخرة، فأنت إلى دار تذهب إليها أقرب من دار ترحل عنها) .
وها هو العبد الصالح توبة بن الصمة، كان من أشد الناس محاسبة لنفسه، عندما بلغ الستين من عمره عدّ أيامه فوجدها تزيد على واحد وعشرين ألف يوم، ففزع وصرخ صرخة قائلًا:"يا ويلاه يا ويلاه، ألقى الله بواحد وعشرين ألف ذنب، فكيف وفي اليوم الواحد آلاف الذنوب؟!"ـ مرتين ـ.
والناس في هذا العيد ومع إقبال العام الجديد صنفان:
صنف يحاسب نفسه حساب الشريك الشحيح، ويسألها عن سبب فرحتها بهذا العيد، ويذكرها بأن العيد ليس بلبس الجديد وأكل الثريد، وإنما العيد هو لمن قام بطاعة رب العبيد. يحمد الله تعالى أنه انتصر على نفسه، واكتسب الأجر والثواب في شهر هو أعظم شهر عند الله، واغتنم الفرصة فيه فقدم خيرا. وحق له أن يفرح بعبادة ربه الواحد الأحد الذي ينعم عليه ليل نهار وصباح مساء.
وصنف ظفرت به نفسه وانتصرت عليه، فأمرته بالشهوات والنزوات، وألهته عن عبادة رب الأرض والسموات، فما أشد ألمه، وما أكبر ندمه، فلم الفرح وقد ذاق مر الهزيمة؟! ولم السرور وقد فاتته الفرصة العظيمة؟!
عام مضى، فأبعدنا من الدنيا عامًا، وقربنا من الآخرة عامًا، فأحببت أن نقف اليوم وقفة صدق نحاسب فيها أنفسنا قبل أن نحاسب أمام الذي لا تخفى عليه خافية، قال عمر بن الخطاب: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، وتزينوا للعرض الأكبر، يوم لا تخفى منكم خافية، فإنما يخف الحساب يوم القيامة عمن حاسب نفسه في الدنيا) .
حاسبوا أنفسكم اليوم، فإن اليوم عمل، وغدا حساب ولا عمل، ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?تَّقُواْ ?للَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَ?تَّقُواْ ?للَّهَ إِنَّ ?للَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر:18] .
خاطب نفسك وتحدث معها، وذكرها بالله، فالمؤمن الصادق هو من يحاسب نفسه على كل شيء، إن ارتطم رأسه بالباب سأل نفسه: لماذا؟ لعله ذنب عجل الله عقوبته. وإن رأى أولاده في انحلال وانحراف اتهم نفسه قبل كل شيء.
يا نفس إن العمر هو رأس مالي، فإن فني العمر فني رأس المال.
يا نفس لقد أمهلني الله تعالى إلى هذا اليوم الذي يفرح له الناس، فلو توفيت قبله لتمنيت الرجوع لتعملي صالحًا، فاعملي صالحًا ما دمت على الأرض، قبل أن تدفني تحتها وتصرخين قائلة: رَبّ ?رْجِعُونِ لَعَلّى أَعْمَلُ صَـ?لِحًا فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون:100] ، فيأتيه الجواب كالصفعة: كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا [المؤمنون:100] ، كلمة لا وزن لها ولا عبرة لها.
ويحك يا نفس إن كنت قد تجرأت على الله، وعصيته وأنت تظنين أنه لا يراك فما أكفرك.
ويحك يا نفس إن كنت قد تجرأت على الله وعصيته وأنت تظنين أنه يراك فما أقل حياءك من الله.
ويحك يا نفس أجعلت الله أهون الناظرين إليك.
وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان
فاستح من نظر الإله وقل لها: إن الذي خلق الظلام يراني
إذا خلوت الدهر يومًا فلا تقل: خلوت ولكن قل: عليّ رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما تخفيه عنه يغيب
لهونا لعمرو الله حتى تتابعت ذنوب على آثارهن ذنوب
فيا ليت أن الله يغفر ما مضى ويأذن لنا في توبة فنتوب
ويحك يا نفس هل وحدت الله المجيد؟ هل أخلصت له التوحيد؟ هل توكلت عليه حق التوكل؟ هل استعنت بالله وحده في كل شيء؟
يا نفس هل حافظت على الصلوات كما أمر رب الأرض والسموات؟
يا نفس هل حافظت على طاعة الرحمن في هذا الشهر شهر رمضان؟
يا نفس هل أديت زكاة مالك؟ هل تتحدثين شوقًا إلى زيارة بيت الله الغفور كما تتحدثين لهفًا عن زيارة بلاد الكفر والفجور؟
يا نفس هل قمت بواجب الوالدين كما أمر ببرّهما رب المشرقين والمغربين؟
ويحك يا نفس هل صدقت الوعد ووفيت العهد؟
ويحك يا نفس هل حزنت على مُصاب إخوانك في بقاع الأرض، وما يجتاحها من دمار على أيدي الملاحدة والكفار؟
ويحك يا نفس هل تلوت كتاب الله وتلذذت به كما يتلذذ أصحاب الغناء بغنائهم؟
ويحك يا نفس كيف يطيب لك سماع مزمار الشيطان وتغفلين عن سماع القرآن؟
النفس تنشط للقبيح وكم تنام عن الحسن
يا نفس ويحك ما الذي يرضيك في دنيا العفن
أولى بنا سكب الدموع وأن نتحلى بالحزن
أولى بنا أن نرعوي أولى بنا لُبس الكفن
أولى بنا قتل الهوى والصبر في هذا الزمن
فأمامنا سفر بعيد بعده يأتي السّكن
إما إلى نار الجحيم أو الجنانٍ جنان عدن
ويحك يا نفس إلى متى تعصين، وعلى الله تتجرئين؟ ويحك يا نفس كأنك لا تؤمنين بيوم الحساب!! وكأنك لا تعلمين ما عند الله من العذاب!!
أما تخافين من الموت؟! أما تخافين من النار والأغلال والأهوال؟! أما تخافين من أن تحجبي عن النظر إلى الواحد الكبير المتعال؟!
يا نفس قد أزف الرحيل وأظله الخطب الجليل
فتأهبي لله يا نفس لا يلعب بك الأمل الطويل
فلتنزلن بمنزل ينسى الخليل به الخليل
قُرِن الفناء بنا جميعًا فلا يبقى العزيز ولا الذليل
حاسبوا أنفسكم ـ عباد الله ـ من الآن، فإنه قد يخطئ المحاسبون في الدنيا، ولكن الله لا يغيب عنه شيء، لاَّ يَضِلُّ رَبّى وَلاَ يَنسَى [طه:52] .
وانظروا إلى من هم أفضل منا مرتبة، وأكثر منا عبادة، كيف كانوا يخافون يوم الحساب.
فها هو رسول الله يتلو عليه عبد الله بن مسعود قوله تعالى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى? هَؤُلاء شَهِيدًا يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ?لرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى? بِهِمُ ?لأرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ ?للَّهَ حَدِيثًا [النساء:41، 42] ، فبكى رسول الله لهول المطلع يوم البعث.
وها هو الرجل الصالح يزيد الرّقاشي يبكي يومًا قائلًا:"ويحك يا يزيد، من الذي يصلّي عنك بعد الموت؟ من الذي يصوم عنك بعد الموت؟ من يعبد عنك ربك بعد الموت؟ أيها الناس ألا تبكون وتنوحون على أنفسكم؟! كيف حاله من الموت طالبه، والقبر بيته، والتراب فراشه، والدود أنيسه، وينتظره بعد كل ذلك الفزع الأكبر؟!"ثم غشي عليه.
وها هو الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز يبكي فتبكي زوجته فاطمة لبكائه، ويبكي الخدم لبكائهما، وكأن في البيت جنازة، فقالت فاطمة: يا أمير المؤمنين، بأبي أنت وأمي، ما الذي أبكاك؟ قال: (يا فاطمة ذكرت منصرف القوم بين يدي الله تعالى، فريق في الجنة وفريق في السعير، ولا أدري من أي الفريقين أنا) .
وها هو محمد بن المنكدر يصلي ليلًا ويبكي بكاءً شديدًا، حتى لا يقوى على الكلام، فخاف عليه أهله، وظنوا أنه هالك لا محالة، فهرعوا إلى صديقه أبي حازم الأعرج لعله يواسيه ويخفف عنه، فلما دخل عليه قال: ما بك يا أخي؟ ما الذي فعل بك هذا؟ فقال:"يا أبا حازم، مرت بي آية في كتاب الله فعلت بي ما ترى"، قال: ما هي؟ قال:"قوله تعالى: وَبَدَا لَهُمْ مّنَ ?للَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47] ، يظن الإنسان نفسه ناجيًا وهو هالك"، فجلس أبو حازم يبكي لبكاء صاحبه.
فحان الوقت ـ عباد الله ـ لأن نعود إلى الله ونجدد حياتنا معه تعالى، ونعاهده على البقاء تحت طاعته ما استطعنا، والله يقبل التوبة عن عباده، ويبدل الله سيئاتهم حسنات.
فقد تصبح الدنيا لإبليس شيعة ونحن لغير الله لا نتشيع
فأين إذًا عهد قطعناه لربنا بأنا له دون البرية خُضَّع؟!
والحمد لله رب العالمين.
لم ترد.