الرقاق والأخلاق والآداب
الجنة والنار
مصطفى ابن سعدة
مليانة
السلام
1-الفوز بالجنة أكبر فوز. 2- الاجتهاد في طلب الجنة. 3- الدنيا دار امتحان. 4- الاستعداد للقاء الله.
أيها المسلمون، اجتهدوا في طاعة الله سبحانه، وتنافسوا على الخير ورضوانه، وتسابقوا إلى جنة ربكم عز وجل، وأديموا وحافظوا على صالح العمل، واتقوا الله: وَمَن يَتَّقِ ?للَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ذَلِكَ أَمْرُ ?للَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَن يَتَّقِ ?للَّهَ يُكَفّرْ عَنْهُ سَيّئَـ?تِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا [الطلاق:4، 5] ، وأطيعوا الله ورسوله: وَمَن يُطِعِ ?للَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:71] .
إنه الفوز بالجنة الذي ليس هناك فوز أكبر وأعظم وأفضل وأهم منه، إنه الفوز بالجنة الذي ينبغي أن يحرص عليه كلّ عبد يريد الخير والنجاة لنفسه يوم القيامة، فإذا لم يكتب له الفوز فهذا يعني أنه من الخاسرين، الذين يكون مأواهم السعير وبئس المصير.
الفوز العظيم والعيش الطيب الكريم يوم الحشر والحساب والعرض والعقاب والحياة الناعمة والسعادة الدائمة لمن وفقه الله عز وجل إلى دخول الجنة وكان من أهلها، قال تعالى: إِنَّ هَـ?ذَا لَهُوَ ?لْفَوْزُ ?لْعَظِيمُ لِمِثْلِ هَـ?ذَا فَلْيَعْمَلِ ?لْعَـ?مِلُونَ أَذ?لِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ ?لزَّقُّومِ [الصافات:60-62] .
فعليك ـ أيها العبد ـ أن تسعى وتجتهد وتعمل وتجدّ لتحصيل مرضاة الله، ولتكون ـ إن شاء الله تعالى ـ في الآخرة ممن أنعم الله عليهم ورضي عنهم، قال تعالى: إِنَّ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ?لصَّـ?لِحَـ?تِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ ?لْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ جَنَّـ?تُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا ?لأَنْهَـ?رُ خَـ?لِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رّضِىَ ?للَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ [البينة:7، 8] .
وكما تفكر ـ أيها المسلم ـ في مستقبلك في الدنيا، وتريد أن تنال الشهادة العليا، وتفوز بالمناصب الأولى، ويكون مستقبلك زاهرًا منيرًا، ومشرقًا كبيرًا، ففكّر أيضًا في مستقبل الآخرة، واعمل لتكون أيضًا من الناجحين والفائزين برضوان ربّ العالمين، فالناس حينها صنفان: ناجحون سعداء وخاسرون أشقياء، قال تعالى: يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ فَأَمَّا ?لَّذِينَ شَقُواْ فَفِى ?لنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ [هود:105، 106] ، ومن تأمل كتاب الله عز وجل وجد آيات كثيرة في مواضع من سور عديدة تبين للناس حقيقة هامة أنَّ الخلق في الدنيا هم في امتحان واختبار، ونتائج هذا الاختبار ستظهر يوم القيامة، والفوز فيه هو الفوز العظيم الذي جاء ذكره كثيرًا في كتاب الله الكريم، من الآيات قوله تعالى: وَعَدَ ?للَّهُ ?لْمُؤْمِنِينَ وَ?لْمُؤْمِنَـ?تِ جَنَّـ?تٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ?لأنْهَـ?رُ خَـ?لِدِينَ فِيهَا وَمَسَـ?كِنَ طَيّبَةً فِى جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْو?نٌ مّنَ ?للَّهِ أَكْبَرُ ذ?لِكَ هُوَ ?لْفَوْزُ ?لْعَظِيمُ [التوبة:72] ، فمن أراد الفوز أطاع الله ورسوله، قال تعالى: وَمَن يُطِعِ ?للَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّـ?تٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ?لأنْهَرُ خَـ?لِدِينَ فِيهَا وَذ?لِكَ ?لْفَوْزُ ?لْعَظِيمُ [النساء:13] ، وثبت عنه في الحديث: (( كل أمتي يدخل الجنة إلا من أبى ) )، قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟! قال: (( من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني دخل النار ) ). وقد أخبر أمته بقيمة الفوز بالجنة وعظمته، أخرج البخاري عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله (( موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها ) )، موضع سوط أي: مكان صغير.
الحمد لله ربّ العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وقيوم السماوات والأرضين، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا وقائدنا وقدوتنا محمدًا عبده ورسوله، العبد المصطفى، والنبي المرتضى، والرسول المجتبى، صلى الله عليه وآله وصحبه أولي الخير والنهى، ومن اقتفى آثارهم وبطريقتهم اهتدى.
وبعد: أيها المسلمون، إن لقاء الله حق، إن الجنة حق، وإن النار حق، فاستعدوا للقاء الله عز وجل، واعملوا بعمل أهل الجنة من أداء الحقوق والواجبات، وحبّ الخير وعمل الصالحات، واجتنبوا واحذروا عمل أهل النار من المنكر والمحرمات، والمعاصي والكبائر الموبقات، اسألوا الله الجنة، وسلوه من فضله، كما كان يسأل ذلك رسول الله وعباد الله الصالحون، والفوز بالجنة لا يدرك ـ أيها المسلمون ـ إلا بالعمل والتقى، قال تعالى: وَتِلْكَ ?لْجَنَّةُ ?لَّتِى أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ لَكُمْ فِيهَا فَـ?كِهَةٌ كَثِيرَةٌ مّنْهَا تَأْكُلُونَ ، وقال تعالى: وَمَنْ أَرَادَ ?لآخِرَةَ وَسَعَى? لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا [الإسراء:19] ، وستظهر يوم القيامة، والفوز فيه هو الفوز العظيم الذي جاء ذكره كثيرًا في كتاب الله، من هذه الآيات قوله تعالى: وَمَن يُؤْمِن بِ?للَّهِ وَيَعْمَلْ صَـ?لِحًا يُكَفّرْ عَنْهُ سَيّئَـ?تِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّـ?تٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ?لأَنْهَـ?رُ خَـ?لِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ ?لْفَوْزُ ?لْعَظِيمُ [التغابن:9] ، وقال تعالى: يَوْمَ تَرَى ?لْمُؤْمِنِينَ وَ?لْمُؤْمِنَـ?تِ يَسْعَى? نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـ?نِهِم بُشْرَاكُمُ ?لْيَوْمَ جَنَّـ?تٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ?لأَنْهَـ?رُ خَـ?لِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ ?لْفَوْزُ ?لْعَظِيمُ [الحديد:12] ، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمته بقيمة الفوز بالجنة وعظمته.
ها أنت ـ أيها العبد ـ إذا أقبلتَ على امتحان في الدنيا وتريد الفوز به أخذته مأخذ الجدّ، وسهرتَ وتعبت، وعملت واجتهدت لتظفر بالفوز وتحقّق النجاح، وإذا لم يكتب الله لك النجاح أصابك الهمّ والغم، فكيف بك نائم ساه غافل لاه عن الاجتهاد لامتحان الآخرة والفوز به؟! أكثر من اهتمامك بفوز الآخرة الذي هو فوز عظيم فوزٌ بالجنة دار الكرامة والنعيم والمقام الحسن ورضا الله العزيز الحكيم، أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعد الجدري رضي الله عنه أن النبي قال: (( إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك؟! فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟! فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا ) ).
اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، اللهم تب علينا واغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما يقرب إليها من قول وعمل، اللهم إنا نسألك توبةً نصوحًا وتوبة قبل الموت وراحة بعد الموت، ونسألك الجنة ونعوذ بك من النار، اللهم أجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، اللهم ارحم ضعفنا وقوّ إيماننا، وثبت حجتنا ورجح ميزاننا، اللهم ألف على البر قلوبنا، واجمع شملنا ووحد كلمتنا واحفظ أمتنا وبلادنا، اللهم اجعل بلدنا آمنًا مطمئنًا طيبًا مباركًا سخاء رخاء زاهرًا مزدهرًا وسائر بلاد المسلمين، اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على أفضل رسلك وخاتم أنبيائك محمد وآله وصحبه أجمعين، وألحقنا بالصالحين برحمتك يا أرحم الراحمين.