فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 5777

صلوا أرحامكم 1

الأسرة والمجتمع

الأرحام

صالح بن عبد الله بن حميد

مكة المكرمة

المسجد الحرام

اقتران الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك بالإحسان إلى الوالدين والأقربين - من هم الأرحام ؟-

فضل صلة الرحم وأثرها بين الناس - صورة الصلة وكيفيتها - تقطيع الأرحام من الكبائر

وعقوبته معجلة - ليس من صلة الرحم التعاون على الظلم والباطل

أما بعد:

فاتقوا الله أيها المؤمنون: اتقوه وأخلصوا له العبادة، اتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام.

يَأَيُّهَا ?لنَّاسُ ?تَّقُواْ رَبَّكُمُ ?لَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ و?حِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء [النساء:1] .

خلقكم من نفس واحدة، فالرب واحد، والأصل واحد. أسرة واحدة انبث منها الرجال والنساء ليلتقوا في وشيجة واحدة، ويتصلوا برحم واحدة. من هذا المنطلق تقوم تكاليف التكافل والتراحم.

فأسرة الإنسان وقرابته يا عباد الله هم عدته وسنده، وهم أصله وقوته.

يقول علي رضي الله عنه: (أولئك هم عشيرتك، بهم تصول وتطول، وهم العدة عند الشدة، أكرم كريمهم، وعد سقيمهم، ويسر على معسرهم،ولا يكن أهلك أشقى الخلق بك) .

أيها الإخوة في الله: ما أمر الله بتوحيده، وما نهى عن الإشراك به إلا وقرن ذلك بالإحسان إلى الوالدين والأقربين.

اقرءوا إن شئتم: وَ?عْبُدُواْ ?للَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِ?لْو?لِدَيْنِ إِحْسَـ?نًا وَبِذِى ?لْقُرْبَى? وَ?لْيَتَـ?مَى? وَ?لْمَسَـ?كِينِ وَ?لْجَارِ ذِى ?لْقُرْبَى? وَ?لْجَارِ ?لْجُنُبِ وَ?لصَّـ?حِبِ بِ?لجَنْبِ وَ?بْنِ ?لسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـ?نُكُمْ إِنَّ ?للَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا [النساء:36] .

وَقَضَى? رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّـ?هُ وَبِ?لْو?لِدَيْنِ إِحْسَـ?نًا [الإسراء:23] .

ثم قال سبحانه: وَءاتِ ذَا ?لْقُرْبَى? حَقَّهُ وَ?لْمِسْكِينَ وَ?بْنَ ?لسَّبِيلِ [الإسراء:26] .

أيها المؤمنون: إن صلة الأرحام حق لكل من يمت إليك بصلة نسب أو قرابة. وكلما كان أقرب كان حقه ألزم وأوجب: (( أمك وأباك ثم أدناك أدناك ) ).

وطريق القيام بحق الأقارب والأرحام فشو المودة، واتساع الصدور، وسلامة القلوب.

إن أعظم ما امتن الله به على الزوجين اللذين هما أصل الأسرة ونواتها، أن جعل المودة والرحمة بينهما وَمِنْ ءايَـ?تِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْو?جًا لّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم:21] .

إن أساس التواصل والرباط الموثق هو التواد والتراحم، وإذا فقد ذلك تقطعت الأوصال، واستشرى الفساد، وحقت لعنة الله عياذًا بالله: وَ?لَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ?للَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَـ?قِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ ?للَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى ?لأرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ ?للَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوء ?لدَّارِ [الرعد:25] .

إن صلة الرحم بركة في الأرزاق، وتوفيق في الحياة، ويكتب الله بها العزة والمنعة، وتمتلئ القلوب بها إجلالا وهيبة.

أخرج الإمام أحمد وابن ماجه - ورواة أحمد ثقات - عن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا: (( .. وصلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان الأعمار ) ) [1] .

وروى البزار بإسناد جيد والحاكم عن علي رضي الله عنه قال: (من سره أن يمد له في عمره ويوسع له في رزقه ويدفع عنه ميتة السوء فليتق الله وليصل رحمه) [2] .

وفي صحيح البخاري مرفوعًا: (( من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أجله فليصل رحمه ) ) [3] .

وفي الخبر: (( صلة الرحم محبة في الأهل، ومثراة في المال، ومنسأة في الأثر ) ) [4] أي زيادة في المال والعمر وبركة فيهما.

بصلة الأرحام تقوى المودة، وتزيد المحبة، وتتوثق عرى القرابة، وتزول العداوة والشحناء، ويحن ذو الرحم إلى أهله.

ولتعلموا رحمكم الله أن صلة الرحم والإحسان إلى الأقربين ذات مجالات واسعة ودروب شتى: فمن بشاشة عند اللقاء، ولين في المعاملة.. إلى طيب في القول، وطلاقة في الوجه. إنها زيارات وصلات، وتفقد واستفسارات، مكالمة ومراسلة، إحسان إلى المحتاج، وبذل للمعروف، وتبادل في الهدايا. ينضم إلى ذلك غض عن الهفوات، وعفو عن الزلات، وإقالة للعثرات. عدل وإنصاف، واجتهاد في الدعاء بالتوفيق والصلاح.

وأصدق من ذلك وأعظم مداومة الصلة ولو قطعوا، والمبادرة بالمغفرة إذا أخطأوا، والإحسان إليهم ولو أساءوا.

إن مقابلة الإحسان بالإحسان مكافأة ومجازاة، ولكن الصلة الواصلة بينت في قول نبيكم محمد: (( ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها ) ) [5] .

وجاء رجل إلى النبي فقال له: يا رسول الله: إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عليهم ويجهلون علي. فقال عليه الصلاة والسلام: (( لئن كان كما تقول فكأنما تسفهم المل(أي تطعمهم الرماد الحار في أفواههم) ولا يزال معك من الله ظهير مادمت على ذلك )) [6] .

ومع كل ذلك أيها المؤمنون ومع هذه الآيات والأحاديث فإن في الناس من تموت عواطفه، ويزيغ عن الرشد فؤاده، فلا يلتفت إلى أهل، ولا يسأل عن قريب.

إن العار والشنار، فيمن منحه الله جاهًا وأحسن له رزقًا، ثم يتنكر لأقاربه أو يتعالى عليهم. بل قد يترفع أن ينتسب إليهم فضلا عن أن يشملهم بمعروفه ويمد لهم يد إحسانه.

وإن قطيعة الرحم شؤم وخراب، وسبب للعنة وعمى البصر والبصيرة: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى ?لأرْضِ وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ أَوْلَئِكَ ?لَّذِينَ لَعَنَهُمُ ?للَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى? أَبْصَـ?رَهُمْ [محمد:22-23] .

إن تقطيع الأرحام من أعظم كبائر الذنوب، وعقوبتها معجلة في الدنيا قبل الآخرة.

أخرج أبو داود والترمذي وصححه الحاكم عن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي قال: (( ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم ) ) [7] .

وروى الإمام أحمد والبخاري في الأدب المفرد - ورواة أحمد ثقات - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( إن أعمال بني آدم تعرض كل عشية خميس ليلة الجمعة فلا يقبل عمل قاطع رحم ) ) [8] .

ونقل عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان جالسًا بعد الصبح في حلقة فقال: (أنشد الله قاطع الرحم لما قام عنا، فإنا نريد أن ندعو ربنا، وإن أبوب السماء مرتجة - أي مغلقة - دون قاطع الرحم) [9] .

أيها الإخوة: إن أسرع الخير ثوابًا البر وصلة الرحم، وأسرع الشر عقوبة البغي وقطيعة الرحم، ومع هذا ترى في بعض من قل نصيبهم من الخير يسارع في قطع صلاته بأقاربه لأدنى سبب؛ إما لكلمة سمعها، أو شيئًا صغيرًا رآه، وما درى أنه بهذا قد يجر إلى نفسه وأهله العداوة والجفاء، فيستحقون اللعنة وزوال النعمة وسوء العاقبة: وَ?لَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ?للَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَـ?قِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ ?للَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى ?لأرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ ?للَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوء ?لدَّارِ [الرعد:25] .

ولقد أوصى زين العابدين علي بن الحسين ابنه رضي الله عنهم أجمعين فقال: (لا تصاحب قاطع رحم؛ فإني وجدته ملعونًا في كتاب الله في ثلاثة مواضع) .

فاتقوا الله وصلوا أرحامكم، فأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض. قدموا لهم الخير ولو جفوا، وصلوهم وإن قطعوا، يدم الله عليكم بركاته، ويبسط لكم في الأرزاق، ويبارك في الأعمار.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِنَّ ?للَّهَ يَأْمُرُ بِ?لْعَدْلِ وَ?لإْحْسَانِ وَإِيتَآء ذِى ?لْقُرْبَى? وَيَنْهَى? عَنِ ?لْفَحْشَاء وَ?لْمُنْكَرِ وَ?لْبَغْى يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90] .

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وبسنة نبيه محمد ، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

[1] أخرجه احمد (6/159) ، وقال الحافظ ابن حجر: سند رجاله ثقات. انظر الفتح (10/429) .

[2] أخرجه احمد (1/143) ، والحاكم (4/160) وسكت عنه وتابعه الذهبي. وقال الهيثمي: رواه عبد الله بن أحمد والبزار والطبراني في الأوسط ورجال البزار رجال الصحيح غير عاصم بن حمزة وهو ثقة. انظر مجمع الزوائد (8/152) .

[3] أخرجه البخاري (10/429-ح5986) ، ومسلم (4/1982-ح2557) بلفظ: (( وينسأ له في أثره ) ).

[4] أخرجه أحمد (2/374) ، والترمذي (4/309) وقال: حديث غريب وأشار الحافظ ابن حجر إلى تحسين الترمذي له. انظر الفتح (10/429) ، والطبراني في الكبير (18/98-ح176) ، وعزاه الهيثمي إليه وقال: رجاله موثقون. انظر المجمع (1/193،8/153) ، والحاكم (4/161) وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.

[5] أخرجه البخاري (10/437-ح5991) .

[6] أخرجه مسلم (4/1982-ح2558) .

[7] أخرجه احمد (5/38) ، وأبو داود (4/276-ح4902) ، وابن ماجه (2/1408-ح4211) ، والبيهقي في السنن الكبرى (10/234) ، والترمذي (4/573-ح2511) وقال: حديث حسن صحيح، والحاكم (4/356) وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.

[8] أخرجه أحمد (2/484) وقال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله ثقات. انظر مجمع الزوائد (8/151) ، والبخاري في الأدب المفرد (ص32،33-ح61) .

4 رواه الطبراني ورجاله الصحيح إلا أن الأعمش لم يدرك ابن مسعود. انظر مجمع الزوائد (8/151) .

الحمد لله حمدًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد في الآخرة والأولى، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله بعثه بالرحمة والهدى، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الأصفياء وأصحابه النجباء والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فاتقوا الله أيها المؤمنون، واعلموا أن حق القريب رحم موصولة، وحسنات مبذولة، وهفوات محمولة، وأعذار مقبولة. وكما قيل: لا تقطع القريب وإن أساء فإن المرء لا يأكل لحمه لو جاع.

أيها المؤمنون: لئن كانت صلة الرحم تعني الإحسان إلى المحتاج، ورفع الظلم عن المظلوم، والمساعدة على وصول الحق. فليس من صلة الرحم المناصرة على الباطل والعون على الظلم والبغي والعدوان، فما هذا إلا الحمية الجاهلية الممقوتة، تفشو بها العداوة، وينشر بها الفساد، وتتقطع بها الأرحام.

ولن يكون البغي والعدوان طريقًا إلى الحق، أو سبيلا إلى العدل والخير. فاعرفوا الحق وميزوه عن الباطل، ولا تأخذكم العزة بالإثم، واستقيموا على أمر ربكم. أطعموا الطعام وأفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت