الرقاق والأخلاق والآداب, العلم والدعوة والجهاد
أخلاق عامة, القتال والجهاد
عبد الباري بن عوض الثبيتي
المدينة المنورة
المسجد النبوي
1 ـ معاني كلمة رجل في اللغة. 2 ـ معاني كلمة رجل في القرآن. 3 ـ رجولة عمر رضي الله عنه. 4 ـ صفة الرجولة. 5 ـ الرجل الحق. 6 ـ خطورة تغير الفطرة. 7 ـ ضرر وسائل التربية المستوردة. 8 ـ أطفال الحجارة. 9 ـ سكوت الغرب عن جرائم اليهود. 10 ـ واجب المسلمين نحود القدس.
أما بعد:
فاتقوا الله حق التقوى، قال تعالى: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?تَّقُواْ ?للَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران: 102] .
قال تعالى: مّنَ ?لْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَـ?هَدُواْ ?للَّهَ عَلَيْهِ [الأحزاب: 23] ، وقال تعالى: رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـ?رَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ?للَّهِ وَإِقَامِ ?لصَّلَو?ةِ وَإِيتَاء ?لزَّكَو?ةِ يَخَـ?فُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ?لْقُلُوبُ وَ?لأَبْصَـ?رُ [النور: 37] .
مادة: (رجل) تدل بأصل وضعها في اللغة على طائفة كبيرة من المعاني، غير الذكورة المقابلة للأنوثة في بني الإنسان، تقول العرب في المفاضلة بين الاثنين وتفوُّق أحدهما على صاحبه: أرجل الرجلين، وللدلالة على القدرة على التصدي للأحداث: رجل الساعة، وفي ختام المباهاة بالشرف والثناء تقول: هو من رجالات قومه.
وعند ورودها في القرآن تضيف مع دلالتها على النوع معاني أخرى تسمو بالنوع إلى السمو والامتياز. استعمل القرآن (رجالًا) وصفًا للمصطفَيْن الأخيار فقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا نُّوحِى إِلَيْهِمْ [يوسف: 109] ، والوصف بالرجولة في بعض المواطن تعريفٌ مقصودٌ يُوحي بمقومات هذه الصفة من جرأة على الحق ومناصرة للقائمين عليه، قال تعالى: وَجَاء رَجُلٌ مّنْ أَقْصَى ?لْمَدِينَةِ يَسْعَى? قَالَ ي?مُوسَى? إِنَّ ?لْمَلاَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَ?خْرُجْ إِنّى لَكَ مِنَ ?لنَّـ?صِحِينَ [القصص: 20] ، وقال سبحانه: وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـ?نَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبّىَ ?للَّهُ [غافر: 28] وقد كان النبي يتطلع إلى الرجولة التي تناصره وتعتز بها دعوته، ويسألها ربه فيقول: (( اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك، بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب ) )، قال الراوي وكان أحبهما إليه عمر. أخرجه الترمذي [1] .
يتطلع إلى معالم الرجولة التي تؤثر في نشر الدعوة وإعزاز الإسلام. كان إسلام عمر حدثًا كبيرًا، وُجدت رجولته في اللحظة الأولى من إسلامه، فبعد أن كان المسلمون لا يجرؤون على الجهر بدينهم جهروا به، قال ابن مسعود: (ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر) أخرجه البخاري [2] .
لم تكن رجولة عمر في قوة بدنه، ولا في فروسيته، ففي قريش من هو أقوى منه، ولكن رجولته كانت في إيمانه القوي، ونفسه الكبيرة التي تبعث على التقدير والإكبار. هاجر الصحابة خفية، أما عمر فقد تقلد سيفه ومضى إلى الكعبة فطاف وصلى في المقام، وأعلن هجرته على الملأ وقال لهم: (من أراد أن تثكله أمه ويُيتِّم ولدَه ويُرمل زوجته فليتبعني وراء هذا الوادي) [3] ، فما تبعه منهم أحد. يضع عمر البرامج لتعليم الرجولة فيقول: (علموا أولادكم الرماية والسباحة وركوب الخيل، وروُّوهم ما يُجَمِّل من الشِّعر) [4] .
الرجولة مطلب يسعى للتجمل بخصائصها أصحاب الهمم، ويسمو بمعانيها الرجال الجادون، وهي صفة أساسية، فالناس إذا فقدوا أخلاق الرجولة صاروا أشباه الرجال، غثاءً كغثاء السيل. الرجولة تُرسَّخ بعقيدة قوية، وتهذَّب بتربية صحيحة، وتنمَّى بقدوة حسنة. ميزان الرجولة عند عامة الناس هو ميزان مادي فقط، فمن كان جميل المظهر مكتمل القوى كثير المال فهو الرجل الطيب. ولكن ميزان الرجال في شريعة الإسلام من كانت أعماله فاضلة، وأخلاقه حسنة، مرَّ رجل على رسول الله فقال: (( ما تقولون في هذا؟ ) )قالوا: حري إن خطب أن يُنكح، وإن شفع أن يشفَّع، وإن قال أن يُستمع، قال: ثم سكت، فمر رجل من فقراء المسلمين فقال: (( ما تقولون في هذا؟ ) )قالوا: حري إن خطب أن لا يُنكح، وإن شفع ألا يشفَّع، وإن قال أن لا يستمع، فقال رسول الله: (( هذا خير من ملء الأرض مثل هذا ) )أخرجه البخاري [5] .
الرجال ـ عباد الله ـ لا يقاسون بضخامة أجسادهم، وبهاء صورهم، فعن علي بن أبي طالب قال: أمر النبي ابن مسعود، فصعد على شجرة، أمره أن يأتيه منها بشيء، فنظر أصحابه إلى ساق عبد الله بن مسعود حين صعد الشجرة، فضحكوا من حموشة ساقيه، فقال رسول الله: (( ما تضحكون؟! لرجل عبد الله أثقل في الميزان يوم القيامة من أحد ) )أخرجه أحمد [6] .
الرجولة الحقة رأيٌ سديد، وكلمة طيبة، ومروءة وشهامة، وتعاون وتضامن، الرجولة تحمل المسئولية في الذب عن التوحيد والنصح في الله، قال تعالى: وَجَاء رَجُلٌ مّنْ أَقْصَى ?لْمَدِينَةِ يَسْعَى? قَالَ ي?مُوسَى? إِنَّ ?لْمَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَ?خْرُجْ إِنّى لَكَ مِنَ ?لنَّـ?صِحِينَ [القصص: 20] .
الرجولة قوة في القول، وصدع بالحق، وتحذير من المخالفة من أمر الله مع حرص وفطنة، قال تعالى: وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـ?نَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبّىَ ?للَّهُ وَقَدْ جَاءكُمْ بِ?لْبَيّنَـ?تِ مِن رَّبّكُمْ [غافر: 28] . الرجولة صمود أمام الملهيات، واستعلاء على المغريات حذرًا من يوم عصيب، قال تعالى: رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـ?رَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ?للَّهِ وَإِقَامِ ?لصَّلَو?ةِ وَإِيتَاء ?لزَّكَو?ةِ يَخَـ?فُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ?لْقُلُوبُ وَ?لأَبْصَـ?رُ [النور: 37] .
الرجل الحق يصدق في عهده، ويفي بوعده، ويثبت على الطريق، قال تعالى: مّنَ ?لْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَـ?هَدُواْ ?للَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَى? نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا [الأحزاب: 23] . ليس من الرجال الذين نعنيهم أولئك الذين يعبُّون من الشهوات، أو الغارقون في الملذات، الذين قعدوا عن معاني الغايات، وأعرضوا عن خالق الأرض والسموات، وليسوا أولئك الذين ضخمت أجسادهم وقد خلت من قول الحكمة ألسنتهم، وسداد الرأي عقولهم، هؤلاء الرجال أشباه رجال لا ننشدهم، بل نبغي الذين عناهم القرآن في قوله: ?لَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى? ?لأرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَـ?هِلُونَ قَالُواْ سَلاَمًا وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَـ?مًا