فهرس الكتاب

الصفحة 3789 من 5777

ذكر الموت وما بعده

الرقاق والأخلاق والآداب

الموت والحشر

فرج بن حسن البوسيفي

بنغازي

الأرقم بن أبي الأرقم

1-السبيل لتذكر الموت. 2- من عجائب الدنيا. 3- حال الناس مع الموت. 4- وجوب الاستعداد للموت والحذر من الغفلة عنه.

أحسن مثال للتفكر في الموت أن تذكر أحد أقاربك أو أصدقائك من الذين مضوا، وتذكر موتهم ومصارعهم تحت التراب، تذكر صورهم في مناصبهم وأحوالهم، وتأمل كيف محا التراب الآن حسن صورهم، وكيف تبددت أجزاؤهم في قبورهم، وكيف أرملوا نساءهم، وأيتموا أولادهم، وخلت منهم مساجدهم ومجالسهم، وانقطعت آثارهم.

فيا سبحان الله! إذا تذكرت فلانًا من الناس ونشاطه وتردّده وتأمّله للعيش والبقاء ونسيانه للموت وانخداعه بمواتاة الأسباب وركونه إلى القوة والشباب وميله إلى الضحك واللهو وغفلته عما بين يديه من الموت الذريع والهلاك السريع، فسبحان الله! كم كان يتردد بقدميه، والآن تهدمت رجلاه ومفاصله، وكم كان ينطق وقد أكل الدود لسانه، وكم كان يضحك وقد أكل التراب أسنانه، وكم كان يدبر لنفسه ما لا يحتاج إليه إلى عشر سنين وفي وقت لم يكن بينه وبين الموت إلا شهر وهو غافل عما يراد به، حتى جاءه الموت في وقت لم يحتسبه، فانكشف له صورة ملك الموت، وقرع سمعه النداء، إما بالجنة أو النار، ما حدث لغيرنا من مصيبة الموت ـ عباد الله ـ سيمرّ عليه جميعنا، كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [الأنبياء:35] ، نسأل الله الحليم الكريم أن تكون على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله مع حسن الختام.

إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء، وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح، وخذ من حياتك لموتك، ومن صحتك لسقمك، فإنك ـ يا عبد الله ـ لا تدري ما اسمك غدًا، مثل ابن آدم وإلى جنبه تسع وتسعون منية، إن أخطأته المنايا وقع في الهرم، يهرم ابن آدم ويبقى معه اثنتان: الحرص والأمل، الحرص على المال والحرص على العمر، نجا أول هذه الأمة باليقين والزهد، ويهلك آخر هذه الأمة بالبخل والأمل، والأمل المذموم تمني عدم الموت مع التقصير في الطاعات، دنيا تمنع خير الآخرة، وحياة تمنع خير الممات، وأمل يمنع خير العمل.

من عجائب الدنيا مؤمِّل الدنيا والموت يطلبه، وغافل عن الله واقع في الحرام وليس يغفل عنه، الدنيا حلم، والآخرة يقظة، والمتوسط بينهما الموت، سائق الموت عليه السلام لا تمنعه ثروة مالك ولا كثرة احتشادك، إذا نزل الموت فلست إلى دنياك بعائد، ولا في حسناتك بزائد.

يا نفس، إذا نزل بك الموت حوّلك من دار مهلتك إلى دار إقامتك وجزاء أعمالك، فتصير في قرار باطن الأرض بعد ظاهرها، فيأتيك منكر ونكير فيقعدانك وينتهرانك، فإن يكن الله معك فلا يأس ولا وحشة ولا فاقة، وإن يكن غير ذلك فأعاذني الله وإياكم من سوء المصرع وضيق المضجع، ثم تبلغك صيحة الحشر ونفخ الصور وقيام الجبار لفصل قضاء الخلائق وخلاء الأرض من أهلها والسماوات من سكانها، فباحت الأسرار، وسعرت النار، ووضعت الموازين، وجيء بالنبيين والشهداء، وقضي بينهم بالحق، وقيل: الحمد لله رب العالمين، فكم من مفتضح ومستور، وكم من هالك وناج، وكم من معذب ومرحوم.

في كل يوم تشيعون غاديا ورائحًا إلى الله عز وجل، قد قضى نحبه، وانقطع أمله، فتضعونه في بطن صدع من الأرض غير موسد ولا ممهد، قد خلع الأسباب، وفارق الأحباب، وواجه الحساب، من خاف الوعيد قصر عليه البعيد، ومن طال أمله من أجل التوبة وتمادى في هتك ستره ضعف عمله، وكل ما هو آت قريب، إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [الأنعام:134] ، مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ [العنكبوت:5] ، وإن كل شيء يشغلك عن ربك فهو عليك مشؤوم.

إني أخاطب نفسي والحاضرين: إنما هي أرزاق مقسومة لآجل محتومة، وما ندم عليه أهل القبور أهل الدنيا عليه يقتتلون، وفيه يتنافسون، وعليه عند القضاة يختصمون.

المخرج من غفلتنا عَمَّا يراد بنا أن نغتنم لحظات العمر في طاعة الله، (( اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك ) )، وقال: (( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ ) ).

التؤدة والتأني في كل شيء خير إلا في أعمال الخير للآخرة، وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى [طه:84] . سعادتك في أنفاسك، لو حبست عنك انقطعت أعمالك الصالحة، نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا [مريم:84] ، إنما يعد الله لنا الأنفاس، آخر نفس خروج النفس، آخر العدد فراق الأهل، آخر العدد آخر النفَس فالانتقال إلى تلك الدار.

من أيقن أن أنفاسه معدودة فجدير به أن يحرص على اغتنامها في الطاعات وأن لا تمر في الخطيئات، ومن تاب تاب الله عليه، فإن الشيطان يزين المعصية ليرتكبها الإنسان، حتى تهجم عليه منيته وهو غافل عن الله، أعاذني الله وإياكم من شر إبليس وجنوده.

أذكّر نفسي الغافلة وأنصح لكم أن نذكر الموت وأن نستعد له، أكثروا من ذكر هادم اللذات، فإن أعقل المسلمين وأكيسهم أكثرهم للموت ذكرًا وأحسنهم لما بعده، استعداد الكيس العاقل من ذات نفسه، من حاسب نفسه على تقصيرها وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني. ذكر الموت ينغص اللذة الحاضرة، ويمنع تمنيها في المستقبل، ويزهد فيها، كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [الأنبياء:35] ، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ [الملك:2] ، ليبلوكم أيكم أكثر للموت ذكرًا، وله أحسن استعدادًا، ومنه خوفًا وحذرًا، فإنه من مات قامت قيامته.

اذكر الموت هادم اللذات، وتجهز لمصرع سوف يأتي، مصيبة الموت ليس لها سن معلوم، ولا زمن معلوم، ولا مرض معلوم، وهذه الحكمة الإلهية في إخفائه؛ ليكون المؤمن مستعدًا له في كل لحظة، وهذا سبيل لإصلاح العمل.

حري بمن الموت طالبه والقبر بيته والتراب فراشه والدود أنيسه والفزع الأكبر منتظره أن يقلع عن عصيان مولاه.

نصيبك مما يجمع الدهر كله رداءان تلوى فيهما وحنوط

هي القناعة لا تبغي بها بدلًا فيها النعيم وفيها راحة البدن

انظر لمن ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير القطن والكفن

إن قومًا ألهتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا وما لهم حسنة، يقول أحدهم: إني أحسن الظن بربي، وكذب، لو أحسن الظن لأحسن العمل، وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ [فصلت:23] ، فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ [لقمان:33] . الغرة بالله أن يتمادى الرجل بالمعصية ويتمنى على الله المغفرة، والعجب ممن يصبح يؤمل الدنيا بطول العمل، ويتمنى على الله الأماني بسوء الفعل.

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت