فهرس الكتاب

الصفحة 3798 من 5777

المؤمنون إخوة

الرقاق والأخلاق والآداب

الآداب والحقوق العامة

فرج بن حسن البوسيفي

بنغازي

الأرقم بن أبي الأرقم

1-الأمة الإسلامية أمة واحدة. 2- حق المسلم على المسلم. 3- ضوابط وفوائد من حديث الهَجْر. 4- حرص الإسلام على نشر المودة والمحبة بين المسلمين. 5- هدي النبي في العفو والصفح. 6- آثار الغضب وعلاجه.

قال الله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10] ، وقال: (( مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى ) ).

المسلمون أمة واحدة وإن تباعدت ديارهم وتباينت ألوانهم واختلفت ألسنتهم، يجمعهم القرآن، ويوحّد أهدافهم الإسلام، ربهم واحد، ودينهم واحد، ونبيهم واحد، وقبلتهم واحدة، هدفهم إعلاء كلمة الله وإعزاز دينه، شعارهم الأخوة الصادقة والمودة الخالصة، أخوّة الإيمان ورابطة الإسلام.

على هذا كان المسلمون الأوّلون، يُسرّون إذا أصاب إخوانَهم في أي مكان من الدنيا خيرٌ، ويحزنون إذا أصابهم شرٌّ، وسرورهم وحزنهم لم يكن كلامًا ولا بكاءً، وإنما كان عملًا وإغاثةً وتلبيةً للنداء، فإذا سمع المسلم أن إخوانه المؤمنين في دولة مسلمة تسومهم دولة ظالمة سوء العذاب تقتل رجالهم وتستبيح أعراضهم سارع إلى نجدتهم، وعمل على نصرهم وإهلاك عدوّهم، وهذه هي أخوة الإسلام، ومن لم يهتمّ بأمر المسلمين فليس منهم.

إن من حقّ المسلم على أخيه المسلم أن يفرّج كربته، ويغيث لهفته، ويقضي حاجته، ويلبّي دعوته، يحبّ له من الخير ما يحبّه لنفسه، ويقدّم له الخير بيمينه، ويدفع عنه الشرّ والأذى بشماله. من حق المسلم على أخيه المسلم أن يحفظ سرّه، ويستر عيبه، ويعوده إذا مرض، ويشيّع جنازته إذا مات، ويحفظ عرضه إذا سافر، وينصره إذا ظُلِم، وينصحه إذا اعْوَجّ، (( ومن كان في حاجة أخيه المؤمن، كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة فرّج الله عنه بها كربة من كُرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة ) )، وقال: (( و لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) )، وقال: (( لا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام ) ).

إن علاقة المسلم بأخيه المسلم يجب أن تكون علاقة مودة وحبّ ووئام؛ ليعيش الكلّ في مجتمع لا عداوة فيه ولا خصام، والإسلام حريص كل الحرص على ترابط القلوب وائتلاف الأرواح، ولذا حرّم أن يخاصم المسلمُ أخاه ويهجره فوق ثلاث ليال، بحيث إذا تلاقيا في مجلس أو طريق أعرض كل واحد منهما عن صاحبه فلم يكلمه أو يسلم عليه؛ لأن هذا ينافي الأخوّة التي سُداها ولُحْمتها المحبّة والمودّة.

وأشار هذا الحديث إلى إباحة الهجر لمدة ثلاث ليال فقط، مراعاة لطبيعة الإنسان ورحمة به، فالإنسان وقت الخصام يهيج الغضب في نفسه، ويصعب عليه أن يعود إلى من خاصمه، فإذا مرّت هذه المدة سكن غضبه، وهدأت نفسه، وبدأ ينسى إساءة أخيه له، وقد يجد عذرًا لأخيه في إساءته له، فيسهل عليه أن يعود إلى صاحبه، وينسى ما كان منه، ويصفح عنه، فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [الشورى:40] .

وقد بين النبي أن أفضل المتخاصمين وأحسنهما خلقًا وأكرمهما نفسًا من يرجع عن الخصام، ويسامح أخاه إذا قابله في مجلس أو طريق، ويبدؤه بالتحية والمصافحة والسلام، وينسى خصامه وإساءته؛ لأن هذا يدل على صفاء النفس وطهارة القلب، يقول النبي: (( لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا ) )، والسرّ في نهي النبي عن استمرار الخصام أنه قد يدفع كلاًّ من المتخاصمين إلى التفكير في تدبير الشرّ لصاحبه وإيذائه، وربما اتّسع النزاع، وامتد إلى أسرة كل منهما، وبذلك تنقطع الروابط بين المسلمين، وتنفصم عُرى الأُلفة بين المؤمنين.

إن الإسلام حريصٌ على أن تكون الرابطة بين أتباعه رابطة مودة وسلام، حتى يتعاونوا في سبيل الخير، ولا ينصرفوا إلى الشر، أو يدبّر بعضهم الشر لبعض، فإن ذلك يدعو إلى الفُرْقة والضعف، وقد نهانا الله عن الفُرْقة والتنازع، فقال عز من قائل: وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال:46] .

وهذا ترغيب للمسلمين في التسامح والإسراع إلى إنهاء النزاع والخصام بين المسلمين أفرادًا وجماعات، الذي يؤدي إلى إضعافهم وتفريقهم واضطراب حياتهم، وأن المجتمع السعيد هو المجتمع الذي يسوده الودّ والصفاء، ويطهّر من أسباب الفرقة والخصام، خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف:199] ، مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ [الفتح:29] .

وفتح رسول الله مكة، ودخلها نهارًا بعد أن أُخرِج منها ليلًا، وحطّم الأصنام بيده، ووقف أهل مكة أمامه يرقبون العقاب الذي سينزله بهم رسول الله جزاءَ ما قدّموه له من إيذاء لا يتحمّله إلا أهل العَزَمَات القويّة، إلا أنه قال لهم: (( ما تظنون أني فاعل بكم؟ ) )قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم، فقال لهم: (( اذهبوا فأنتم الطلقاء ) ).

وسيرة رسول الله تفيض إشراقًا بمواقف العفو والحلم، تُعدّ نماذج لمن ينشد معالي الأمور، ومعالم لمن يطلب حياة الشرف والمروءة. قال أعرابي لرسول الله وهو يقسم الغنائم: اعدل، فإن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله، فلم يزد في جوابه أن بيّن له ما جَهِله، ووعظ نفسه وذكّرها بما قال له، ثم قال له: (( ويحك، فمن يعدل إن لم أعدل؟! خِبْتُ وخسرتُ إن لم أعدل ) )، ونهى أصحابه أن يقتلوه حين همّ بعضهم بذلك.

إن الرسول الكريم لم تأخذه الدّهشة من قول الأعرابي؛ لأنه يعرف أن في طبيعة الناس صنفًا منهم مَرَدَ على الجفوة في التعبير والإسراع بالشرّ.

ليس الإنسان القويّ هو الذي أوتي حظًّا من قوة في يديه أو في سلامة جسده، بل القوى حقًّا هو الذي ينظر إلى هفوات الناس على أنها فورة عارضة، فيتغاضى عنها، فقد سأل نبيُنا أصحابَه بقوله: (( ما تعدّون الصُّرَعَة فيكم؟ ) )قالوا: الذي لا تصرعه الرجال، قال: (( لا، ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب ) ).

جاء رجل لرسول الله وقال له: أوصني ولا تكثر علي لعلّي لا أنسى، قال: (( لا تغضب ) ). وطلب الرجل من النبي الوصية فقال: اعهد إليّ، قال: (( لا تسبّنّ أحدًا ) )، قال: فما سببتُ بعده حرًّا ولا عبدًا ولا بعيرًا ولا شاة، قال: (( لا تحقرنّ شيئًا من المعروف ) )، ثم قال: (( وإن امرؤ شتمك وعيّرك بما لم يعلم منك فلا تعيّره بما تعلم فيه، فإنما وبال ذلك عليه ) ).

لقد بيّن ذلك كلَّه ربُنا تعالى في قوله: وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:134] .

يقول الأحنف بن قيس: (ما آذاني أحد إلا أخذت في أمره بإحدى ثلاث: إن كان فوقي عرفت له فضله، وإن كان مثلي تفضّلت عليه، وإن كان دوني أكرمت نفسي عنه) .

وَما قَتَلَ الأَحرارَ كَالعَفوِ عَنهُمُ وَمَن لَكَ بِالحُرِّ الَّذي يَحفَظُ اليَدا

إِذا أَنتَ أَكرَمتَ الكَريمَ مَلَكتَهُ وَإِن أَنتَ أَكرَمتَ اللَئيمَ تَمَرَّدا

وَوَضعُ النَدى في مَوضِعِ السَيفِ بِالعُلا مُضِرٌّ كَوَضعِ السَيفِ في مَوضِعِ النَدى

وفعل الخير لا يضيع عند الناس الذين يعرفون الفضل لذويه، وتأسرهم الكلمة الطيبة والعفو، والإنسان منا في حياته يلاقي كثيرًا مما يؤلمه، ويسمع كثيرًا مما يؤذيه، ولو ترك كل واحد نفسه وشأنها لتردّ الإساءة بمثلها لعشنا في صراع دائم مع الناس، وما استقام نظام المجتمع إلا إذا صلحت العلاقات الاجتماعية التي تربط بين المواطنين.

فالإنسان في بيته ومع أسرته قد يرى ما يغضبه، ومطلوب منه شرعًا وإنسانية أن يكون واسع الصدر، يسارع إلى الحلم قبل أن يسارع إلى الانتقام، وبذلك تظلّ أسرته متحابّة متماسكة، ومن أخطأ اليوم فقد يصلح خطأه في الغد، ويندم على ما قدّم من إساءة، والإنسان في عمله في الموقع الذي هيّئ له سواء أكان موظفًا في وظيفته أم صانعًا في مصنعه أم تاجرًا في متجره يخالط غيره من الناس، ويتعامل مع كثير من أبناء وطنه، وقد يُستغضب ويرى ما يسوؤه، فعليه أن يضع بدل الإساءة إحسانًا، ومكان الغضب عفوًا وحلمًا، وصدق الله العظيم إذ يقول: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:34، 35] .

إن الإسلام يريدنا مجتمع حبّ وودّ ومودّة وخير وفضل وإحسان، مجتمعًا متماسك البنيان متوحّد الصفوف والأهداف. إن الإسلام دين الفضل والمسامحة والإغضاء عن أخطاء الآخرين، فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد:22، 23] .

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت