فهرس الكتاب

الصفحة 722 من 5777

سعيد بن عامر رضي الله عنه

سيرة وتاريخ

تراجم

محمد النمر

الطائف

الهويش

-منزلة الصحابة رضي الله عنهم ومكانتهم وضرورة تعليم الأبناء سيرتهم - سعيد بن عامر

وموقفه من مصرع خبيب وأثر ذلك فيه - منزلة سعيد بن عامر عند أبي بكر وعمر -

ولاية سعيد على حمص وموقف أهلها منه

أما بعد:

فيا عباد الله: ثروة الأمة الحقيقية في أبنائها عندما يكونوا أوفياء لقيمها أمناء على مقدراتها ولن يكون كذلك إلا إذا تعهدتهم تربية تعتمد أول ما تعتمد على كتاب الله وسنة رسوله ثم تجعلهم يعيشون مع سير من رباهم رسول الله فيثعبون من تلكم السير العطرة التي زكاها الله عز وجل وشهد لها نبيه بالخيرية يقول تبارك وتعالى: لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم ، والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه ، ويقول رسول الله: (( الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه ) ).

قال أبو زرعة الرازي: إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول حق، والقرآن حق وما جاء به حق وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة.

فعلى الأمة أن تجعل من سير سلفها مادة تربية لأبنائها علهم يتأثرون بهم ويسيرون على طريقهم بدلا من أن يجعلوا من التافهين نماذج يترسمون خطاهم ويقلدونهم في كل ما يصدر عنهم. فما أجدر الأب والمربي أن يقرأ على أبنائه أو يقص عليهم من هذه السير العطرة الثابتة النافعة بإذن الله تعالى.

من أمثال قصة سعيد بن عامر الجمحي ذلكم الفتى الذي خرج إلى التنعيم ليشهد مصرع خبيب بن عدي أحد أصحاب النبي بعد أن ظفرت به قريش غدرا، رأى سعيد خبيبًا وهو يقدم إلى خشبة الصلب، وسمع صوته الثابت الهادئ يقول: إن شئتم أن تتركوني أركع ركعتين قبل مصرعي فافعلوا، ثم نظر إليه وهو يستقبل الكعبة ويصلي ركعتين يا لحسنيهما ويا لتمامهما ثم رآه وهو يقبل على زعماء القوم ويقول: والله لولا أن تظنوا أني أطلت الصلاة جزعا من الموت لاستكثرت من الصلاة، ثم شهد سعيد قومه وهم يمثلون بخبيب وهم يقولون له: أتحب أن يكون محمد مكانك وأنت ناج، فيقول والدماء تنزف منه، والله ما أحب أن أكون آمنا وادعا في أهلي وولدي، وأن محمدا يوخز بشوكة.

ثم يبصر سعيد بن عامر خبيبا يرفع بصره إلى السماء ويقول: اللهم أحصهم عددا وأقتلهم بددًا ولا تغادر منهم أحدا.

كان سعيد يرى خبيبا إذا نام، ويراه بخياله وهو مستيقظ ويتصوره أمامه وهو يصلي ركعتيه الهادئتين المطمئنتين أمام خشبة الصلب، ويسمع رنين صوته في أذنيه وهو يدعو على قريش، فيخشى أن تصعقه صاعقة أو تخر عليه صخرة من السماء.

لقد علّم خبيب سعيدًا ما لم يكن يعلم من قبل: علمه أن الحياة الحقة عقيدة وجهاد في سبيل العقيدة حتى الموت، وعلمه أن الإيمان الحق يفعل الأعاجيب، وعلمه أن الرجل الذي يحبه أصحابه كل هذا الحب إنما هو نبي مؤيد من السماء، عند ذلك شرح الله صدر سعيد إلى الإسلام فقام في ملأ من الناس وأعلن براءته من آثام قريش وأوزارها وخلعه لأصنامها وأوثانها ودخوله في دين الله. ثم يهاجر سعيد ويلزم رسول الله فيشهد معه خيبر وما بعدها ثم يظل سيفا مسلولًا في أيدي خليفتي رسول الله أبي بكر وعمر، وعاش مثلا فريدا فذا للمؤمن الذي اشترى الآخرة بالدنيا، وآثر مرضاة الله وثوابه على سائر رغبات النفس وشهوات الجسد.

كان خليفتا رسول الله يعرفان لسعيد بن عامر صدقه وتقواه ويستمعان إلى نصحه، دخل على عمر في أول خلافته فقال: يا عمر أوصيك أن تخشى الله في الناس، ولا تخشى الناس في الله، وألا يخالف قولك فعلك، فإن خير القول ما صدقه العمل، يا عمر: أقم وجهك لمن ولاك الله أمره من بعيد المسلمين وقريبهم، وأحب لهم ما تحب لنفسك وأهل بيتك، واكره لهم ما تكره لنفسك وأهل بيتك وخض الغمرات إلى الحق ولا تخف في الله لومة لائم. فقال عمر: ومن يستطيع ذلك يا سعيد، فقال: يستطيعه رجل مثلك ممن ولاهم الله أمر أمة محمد وليس بينه وبين الله أحد.

أيها الإخوة المؤمنون: هل كان هذا القول من سعيد لعمر كلامًا يبيعه سعيد على غيره ؟ كلا.

دعا عمر سعيدا فقال: يا سعيد إنا مولوك على أهل حمص، فقال: يا عمر نشدتك الله ألا تفتني، فغضب عمر وقال: ويحكم وضعتم هذا الأمر في عنقي ثم تخليتم عني، والله لا أدعك، ثم ولاه على حمص وقال: ألا نفرض لك رزقا قال: وما أفعل يا أمير المؤمنين، فإن عطائي من بيت المال يزيد على حاجتي، ثم مضى إلى حمص، ويزور عمر بلاد الشام فلما نزل بحمص لقيه أهلها للسلام عليه فقال: كيف وجدتم أميركم، فشكوه إليه وذكروا أربعا من أفعاله، فجمع عمر بينهم وبين سعيد وسألهم فقالوا: لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار فقال: ما تقول يا سعيد، فسكت قليلا ثم قال: والله إني كنت أكره أن أقول لك، أما وإنه لابد منه، فإنه ليس لأهلي خادم فأقوم في كل صباح فأعجن لهم عجينهم ثم أتريث قليلا حتى يختمر ثم أخبزه لهم ثم أتوضأ وأخرج للناس، فقال عمر: وما تشكون منه أيضا، قالوا: إنه لا يجيب أحدا بليل، قال: وما تقول يا سعيد، قال: إني والله كنت أكره أن أعلن هذا أيضا، فأنا قد جعلت النهار لهم والليل لله عز وجل قال: وما تشكون منه أيضا، قالوا: إنه لا يخرج إلينا يوما في الشهر، قال: وما هذا يا سعيد، قال: ليس لي خادم يا أمير المؤمنين، وليس عندي ثياب.

غير التي علي فأنا أغسلها في الشهر مرة وأنتظرها حتى تجف ثم أخرج إليهم في آخر النهار، ثم قال: وما تشكون منه أيضا، قالوا: تصيبه من حين لآخر غشية فيغيب عمن في مجلسه، فقلت: وما هذا يا سعيد، فقال: شهدت مصرع خبيب بن عدي وأنا مشرك ورأيت قريشا تقطع جسده وهي تقول: أتحب أن يكون محمد مكانك، فيقول: والله ما أحب أن أكون...

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت