فهرس الكتاب

الصفحة 5091 من 5777

بناء الشخصية بين الإسلام ووسائل الإعلام

الأسرة والمجتمع, العلم والدعوة والجهاد

الإعلام, التربية والتزكية, قضايا الأسرة

مرسال بن عبد الله المحمادي

جدة

جامع ابن تيمية

1-شخصية المسلم. 2- بناء الشخصية بين الماضي والحاضر. 3- مقارنة بين الإسلام والإعلام في بناء الشخصية. 4- الإعلم الإسلامي الهادف.

أيها المسلمون، إن من أفضل ما يكتسبه المرء في حياته الشخصية المتميزة، الشخصية المتوازنة، الشخصية المثالية، الشخصية التي يكون صاحبها مثلًا لكل من يراه.

أيها المسلمون، وإلى عهد قريب كان البيت هو الذي يشكّل شخصية أفراده، وكان المجتمع صغيرًا، عبارة عب بيت ومسجد ومدرسة، فكان هذا المثلّث هو الذي يشكّل شخصية أفراد المجتمع، وفي مجتمع مثل مجتمعنا كان هذا المثلّث يقتبس ما يبثّه للفرد من الكتاب والسنة ومن الآداب الإسلامية السامية، أما اليوم فقد دخلت بعض العوامل الخارجية والتي لها دور في التوجيه المنحرف، مع العلم أن الانحراف كان موجودًا منذ قديم الزمان، ولكنه تطوّر واتخذ أشكالًا أكثر إغراءً وتشويقًا، وقديمًا كان الانحراف محدودًا في بعض الأفراد ولكن المجتمع بعمومه كان متوجهًا بطبيعته للأخلاق الفاضلة، فكان الحيّ الواحد مثل الأسرة الواحدة، كلّ منهم يوجّه من شاء من أفراد الحيّ، أما اليوم فالبعض لا يستطيع أن يوجّه أبناءه فضلًا عن أبناء الحي. وفي السنوات القليلة الماضية ازدهرت التقنية وامتلأ العالم بها حتى دخل التطوّر كلَّ بيت واختلط الحابل بالنابل، حتى أفلت زمام القيادة من بعض الآباء والأمهات، فلم يعودوا يملكون نصح أبنائهم، والسبب هو أن الإعلام قد تولى زمام القيادة وبناء شخصيات الناس.

أيها الناس، كونوا معي في هذه المقارنة السريعة بين الإسلام والإعلام في بناء الشخصيات:

أراد الإسلام أن يبني شخصية الإنسان ليكون عبدًا لله وحده، وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56] ، والإعلام يهدف إلى أن يشتت قلوب الناس ليكونوا عبيدًا لكل شيء إلا الله، يهدف الإعلام من بثّ برامج الانحلال إلى أن يلهَث المسلم وراء كلّ طرق الإغراء التي تجعل الإنسان عبدًا للشهوات، وصدق الله إذ يقول: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا [النساء: 27] . نعم، إن كثيرًا مما يعرض في الإعلام يجعل الناس يميلون ميلًا عظيمًا عن الدين وعن الخلق، يميلون إلى تلك البرامج الخليعة والرقصات التي تهزّ الحجر القويّ فكيف بالقلب الضعيف؟! إن الفرد اليوم ينتقل بين دول العالم وهو في غرفته بلا رقيب إلاّ الله، فيحدث الصراع داخل النفس بين الخوف من الله وبين نزغات الهوى والشيطان، فمن أي الفرقين أنت؟!

أيها الناس، أراد الإسلام للفتاة أن تكون عفيفةً ممتلئةً بالحياء، حتى الكلام فتنة لها، فإذا أرادت أن تخاطب الرجال الأجانب فعليها أن تبتعد عن الليونة في الكلام، قال تعالى: فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب: 32] . أما الإعلام فعلّمها أن تقول للمذيع: كيف حالك يا حبيبي؟! وأنت أكثر مذيع أحبه. فأين الآباء والأمهات عن هؤلاء البنات؟! هؤلاء البنات بنات من؟! هل هنّ بنات اليهود أم بنات النصارى أم بنات المجوس؟! لا وألف لا، إنهن من بناتنا نحن المسلمين.

أيها المسلمون، أراد الإسلام أن يبني الشخصيةَ المسلمة المتوازِنة التي تعطي كلّ ذي حق حقَّه، (( إن لربك عليك حقًا، وإن لزوجك عليك حقًا، وإن لبدنك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه ) )، فيكون المرء متوازنا، يتعامل مع من حوله بتوازن، يكون فعالًا في مجتمعه، مشاركًا لأهله وذويه ووطنه في السراء والضراء، يشعر بأفراحهم ويتألم لأحزانهم ويواسيهم ويهوّن عليهم مصائبهم. أما الإعلام فقد ربى بعض أفراد المجتمع ليكونوا سلبيّين، يتسمَّر الواحد منهم أمام التلفاز أو الكمبيوتر فلا يعرف أحدًا، وكثيرًا ما يشكو الآباء والأمهات اليوم من عدم رغبة الأولاد والبنات في المشاركة في اللقاءات الاجتماعية والأسرية؛ لأنهم شغلوا بالإعلام الذي أصبح يسيّرنا ولا نسيّره، فالواجب على الأسرة أن تحدّد لأفرادها أوقاتًا محدّدة للجلوس أمام هذه الأجهزة، ولا يترك الباب مفتوحًا في كل ساعة من ليل أو نهار، فبعض البرامج لا يمنع أن يشاهدها الأولاد بحضور والديهم؛ لأننا مسؤولون عن تربيتهم وتوجيههم، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم: 6] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...

أيها المسلمون، من السمات الحسنة التي تميّز الإنسان وحرص الإسلام على بنائها في أتباعه الإيجابية في المجتمع؛ بأن يكون المرء عضوًا فاعلًا في مجتمعه، وقد دلت النصوص الشرعية على ذلك من أمرٍ بالتواصل مع القرابة وصلة الأرحام إلى الإحسان إلى الجار وتحريم أذيته، وقد أمر الله المجتمع كله بالتعاون على ما فيه خير الفرد والأمة، فقال تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة: 2] ، ولكن التربية الإعلامية تحثّ على التعاون على الإثم والعدوان ونشر الرذيلة في المجتمع، وأن يعيش الناس سلبيين في المجتمع؛ فلذلك تسمع كثيرًا من الناس يقولون: ماذا يجب أن يقدم لي الوطن؟ وقليل منهم من يقول: ماذا يجب أن أقدم لوطني وأمتي؟ كثيرة هي الأعمال الخيرية التي يحتاجها منك الوطن، وكم قدم لنا الوطن من خير كثير، فهل نرد له بعض الدَّين لنكون فعّالين مؤثرين والله تعالى يقول: وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحج: 77] ؟

أيها المسلمون، لقد جاء الإسلام بالهداية للناس، فردّ النفوس من الطرق المنحرفة إلى الطريق المستقيم، قال ابن مسعود رضي الله عنه: خط لنا رسول الله خطًا مستقيمًا، وخط عن يمينه خطوطًا وعن شماله خطوطًا، فقال: (( هذا صراط الله، وهذه السبل، على كل سبيل شيطان يدعو إلى النار ) )، وتلا قوله تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام: 153] ، ولكن الإعلام هو الذي يظهر هذه السبل للناس، فيعلمهم طرقًا لم يكونوا يعرفونها من طرق المكر والخديعة والفساد، علّم الفتيان طرقًا مبتكرة في الجريمة، ودلّ البنات على أساليب للخروج، وأوجد لهم المبررات والغدر الكاذب، فأخرج لنا بعض المتمرّدين على الأسرة والمجتمع.

ومع كل هذا الفساد الذي يبثه الغرب إلينا كالسيل المنهمر إلا أن هنالك إعلامًا هادفًا يبني الأخلاق والقيم ويظهر العلماء والقدوات، ولإذاعة القرآن الكريم في هذه البلاد سبق في هذا المجال ولله الحمد، وأضيفت اليوم قنوات تحوي برامج أسريّة نظيفة وبرامج للأطفال هادفة، وبين ثناياها الدورات المفيدة في المهارات والأخلاق وغيرها مما هو مفيد، وأصبح واقعًا إعلاميًا موجودًا ولله الحمد، وهذا هو الذي ينبغي أن يشجَّع ويتابع؛ لأنه مما يبني شخصية الفرد بناءً صحيحًا، ويصوغها بما يفيد المجتمع في قوادم الأيام والأعوام.

أما أصحاب القنوات من المسلمين فنسأل الله لهم الهداية، فكم من قلوب دمروها، وكم من بيوت أفسدوها، وماذا سيقولون لربهم عندما يسألهم عن أموالهم؟ هل سيقولون: أنفقناها في إفساد أخلاق أمتنا الإسلامية؟! أنفقناها في إحلال الأخلاق الغربية الغريبة بدلًا من الأخلاق الإسلامية؟! وللأسف إن رأس المال مسلم والإدارة نصرانية، فماذا نتوقع من رجل غير مسلم يتولى إدارة قناة توجّه للمسلمين؟! والإجابة على هذا السؤال هو ما يشاهد اليوم وما يبثّ في هذه القنوات. فنسأل الله العافية والسلامة.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم من أرادنا وأراد ديننا وبلادنا وأمتَنا بسوء اللّهم فعليك به وامكر به يا رب العالمين، وأشغله بنفسه واجعل تدبيره تدميرَه يا رب العالمين...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت