فهرس الكتاب

الصفحة 393 من 5777

دعوته صلى الله عليه وسلم وصبره على الابتلاء

العلم والدعوة والجهاد, سيرة وتاريخ

السيرة النبوية, قضايا دعوية

عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري

المدينة المنورة

قباء

الحكمة مِن تَعَرُّضه صلى الله عليه وسلم للابتلاء , وارتباطها بالسنة الربانية في ابتلاء المؤمنين-

الابتلاء سنة الدعوات - من الدروس المستفادة من سيرته صلى الله عليه وسلم:

1-الأصل في البلاغ أنه إنذار وتبشير 2- عِظَم ابتلائه صلى الله عليه وسلم من أجل دعوته

وما في ذلك من الأسوة للدعاة والمسلمين

أما بعد:

فعبد الله ورسوله ونبيه ومصطفاه وحبيبه وخليله فضله على أنبيائه ورسله وجعله سيد ولد آدم واتخذه الله خليلا واجتباه وفضله علي الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم ومع ذلك كله لما قام صلى الله عليه وسلم بأمر ربه يدعو إلى عبادة الله وحده ابتلاه فكاد الناس يكونون عليه لبدا وتحمل صلى الله عليه وسلم كل ما أصابه من ابتلاء شديد ومحنة أثناء دعوته إلى الله عز وجل.

فلماذا كان ذلك الابتلاء الشديد لخليل الرحمن وحبيب رب العالمين؟ إنها سنن ربانية لا تتغير ولا تتبدل, أن المؤمن يبتلى بالشدائد والمحن تمحيصا له وزيادة لدرجاته عند ربه وأشد المؤمنين بلاء الذين قاموا بواجب الدعوة لله عز وجل وأشد هؤلاء بلاء الأنبياء والمرسلون, فما بعث نبي وما أرسل رسول إلا أوذي في ذات الله عز وجل فليست هناك دعوة بغير ابتلاء, قال ورقة بن نوفل لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمع منه خبر الوحي الذي أنزل عليه صلى الله عليه وسلم: ليتني كنت حيا إذ يخرجوك قومك. فقال صلى الله عليه وسلم: (( أومخرجي هم؟ ) ). قال ورقة: نعم لم يأت رجل بمثل ما أتيت به قط إلا عودي [1] , إلا أوذي. نعم لقد أوذي صلى الله عليه وسلم وابتلي ابتلاء شديدا, آذاه قومه وابتلوه وتحمل صلى الله عليه وسلم كل ذلك في ذات الله.

وهنا في هذه اللمحة من سيرة المصطفي صلى الله عليه وسلم نتعلم درسين جليلين علينا أن نتأملهما ونستفيد منهما ونتعظ بما فيهما من العظة والدروس:

الدرس الأول: أن الأصل في البلاغ , أنه إنذار وتبشير قال تعالى: رسلا مبشرين ومنذرين [النساء:165] . فأمر هذه الدعوة مبني علي الإنذار والتبشير أخذا من قوله تعالى رسلا مبشرين ومنذرين, تأمل أيها المسلم كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم أول ما بدأ في دعوته تنفيذا للأوامر الإلهية في قوله تعالى: وأنذر عشيرتك الأقربين [الشعراء:21] . وقوله في صدر سورة المدثر: قم فأنذر وأول ما قام به صلى الله عليه وسلم هو إنذار قومه, فعن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما قال: لما نزلت: وأنذر عشيرتك الأقربين (( أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفا فقعد عليه ونادى: يا صباحاه وا صباحاه ) )فاجتمع إليه الناس بين رجل يأتي بنفسه وبين رجل يبعث رسوله فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أرأيتم لو أخبرتكم بأن خيلا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني. قالوا: نعم. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم أما دعوتنا إلا لهذا. فأنزل الله تعالى: تبت يدا أبي لهب وتب ) ) [2] . أخرج هذا الحديث البخاري ومسلم.

فتأمل أيها المسلم قوله تعالى: وأنذر عشيرتك الأقربين وقوله: قم فأنذر ثم قول النبي صلى الله عليه وسلم تنفيذا لهذه الأوامر الإلهية قوله لقومه إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. تعلم أن هذا كله هو من باب الإنذار والترهيب وليس من باب الترغيب والتبشير, فأمر الدعوة مبني علي الاثنين علي التبشير والترغيب والترهيب والوعد والوعيد ولكنه صلى الله عليه وسلم لما بدأ دعوته بدأ بالإنذار ولكننا نسمع اليوم من بعض المتفلسفين تذكيرا علي التبشير والترغيب ويعتبرون استعمال الترهيب في الدعوة تنفيرا, هكذا نسمع من بعض المتفلسفين اليوم حتى ميعوا دين الله عز وجل وجعلوا الدعوة إليه أشبه بأحوال الرهبان, رهبان البوذية أو رهبان النصارى.

الدرس الثاني: هذه اللمحة من سيرة المصطفي صلى الله عليه وسلم أبلغ وأعظم وعلى كل مؤمن ومؤمنة أن يتنبه إليه ويستحضره في حياتهما فقد أوذي رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل هذه الدعوة أذى شديدا كما أشرت إلى ذلك وتحمل من قومه البلاء الشديد حتى إنه صلى الله عليه وسلم سجد يوما وهو يصلي فجاء بعض سفهاء المشركين فوضعوا فرث جزور وسلاها بين كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وظل ساجدا لا يرفع رأسه حتى أقبلت ابنته فاطمة تسعى رضى الله عنها وأرضاها فألقت عنه ذلك الأذى وهي تسب أولئك السفهاء من المشركين.

و أقبل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما يطوف بالبيت وطواغيت المشركين وكبراؤهم في الحجر مجتمعون فلما مر بهم صلى الله عليه وسلم غمزوه وسخروا منه فعرف ذلك في وجهه أي من الغضب حتى إذا مر بهم الثالثة وغمزوه صلى الله عليه وسلم غضب فوقف وقال لهم: (( أتسمعون يا معشر قريش لقد جئتكم بالذبح. فخافوا وقال بعضهم لبعض: تعلمون أن محمدا لا يكذب. ثم أقبلوا عليه يتلطفون به صلى الله عليه وسلم ويقولون له يا أبا القاسم ما كنت جهولا فانصرف راشدا ) ).

وفي يوم أخر أقبلوا إليه وهو عند البيت واجتمعوا عليه فوثبوا عليه صلى الله عليه وسلم وأخذوا بمجمع ردائه وكادوا يخنقونه وقام أبو بكر الصديق رضي الله عنه يدفعهم عنه صلى الله عليه وسلم ويقول لهم وهو يبكى: (( أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ) ). وهكذا تحمل أكرم الخلق خليل الرحمن صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم تحمل كل ذلك البلاء الشديد والمحن والأذى في ذات الله عز وجل حتى إذا اشتد بلاء المشركين عليه وعلى أصحابه دعا عليهم, دعا على طواغيت المشركين ثلاثا فقال صلى الله عليه وسلم: (( اللهم عليك بقريش, اللهم عليك بعمرو بن هشام, اللهم عليك بعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وعمارة بن الوليد ) ). دعا على هؤلاء الطواغيت ثلاث مرات صلى الله عليه وسلم.

قال عمرو بن العاص رضى الله عنه وقد كان شهد ذلك: فو الله لقد رأيتهم صرعى يوم بدر قد غيرتهم الشمس في يوم حار وسحبوا إلى قليب بدر فألقيت جيفهم فيه.

كل أولئك الطواغيت من مشركي قريش الذين دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم, لقد تحمل النبي صلى الله عليه وسلم كل تلك الشدائد والمحن في سبيل الله وفي ذات الله وقدم التضحيات في سبيل الله وفي ذات الله. وأنت يا أيها المسلم ماذا أصابك في ذات الله؟ وماذا قدمت من تضحيات في سبيل الله ولدين الله عز وجل؟ تعيش اليوم في رغد وبحبوحة من العيش في نعم تبقى ولا تنفذ ثم تبخل بالقليل من جهدك ووقتك ومالك ونفسك أن تقدمه لله عز وجل, بل إنك حتى لا تضحي بشهواتك ورغباتك من أجل الله تعالى. ما أبخلك أيها الإنسان وما أشد جزعك. ما أبخلك إذا طلبك ربك واستقرضك وما أشد جزعك إذا أصابك ما أصابك, أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعًا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين الذين هم علي صلاتهم دائمون [سروة المعارج:19-3] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

[1] البخاري:ك:الوحي (3)

[2] البخاري:ك:التفسير (4492) .

إن الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

أما بعد فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هديه صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله علي الجماعة ومن شذ شذ في النار واعلموا أن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة وبمنهج الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

يابن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تدان ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال عز من قائل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما [الاحزاب:56] . وقال صلى الله عليه وسلم: (( من صلى علي واحدة صلى الله بها عليه عشرا ) ) [1] . اللهم صل وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبى السبطين علي وعن بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

[1] صحيح مسلم (408) عن ابي هريره رضي لله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت