فهرس الكتاب

الصفحة 4838 من 5777

حقيقة الإيمان بالله وأثره

الإيمان

فضائل الإيمان

محمد بن عبد العزيز الشمالي

الرياض

غير محدد

1-فضل الإيمان. 2- دلائل الإيمان. 3- ثمار الإيمان. 4- أسباب زيادة الإيمان.

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

لقد بين الله ورسوله أن الإيمان أفضل الأعمال كما قال سبحانه: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [التّوبة:19] ، وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول سئل: أي العمل أفضل؟ فقال عليه الصلاة والسلام: (( إيمان بالله ورسولهِ ) )، قيلَ: ثُمَ ماذا؟ قال: (( جهاد في سبيله ) ).

والإيمان هو الأساس الذي يربط العبد بربه، ويثمر الحب والخوف منه سبحانه، ويحفز العبد على الاندفاع إلى الطاعات واجتناب المعاصي. وبه يفوز المؤمنون في الدنيا والآخرة.

ولقد عرفنا الله ورسوله بأن الإيمان يشتمل على اليقين القائم على الدليل، وعلى الشهادة بما استقر في القلب من يقين، وعلى الإسلام والانقياد لله ورسوله.

والقرآن يعرفنا بربنا بمخاطبة العقول ودعوتها للنظر في آيات الله: إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ ءَايَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ ءَايَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ تِلْكَ ءَايَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَءَايَاتِهِ يُؤْمِنُونَ [الجاثية:3-6] .

كما يدلل القرآن على الإيمان بالله بمنهج عملي محسوس يعرفه المؤمنون ويراه المستغيثون به سبحانه، والمتمثل في إجابة الله لدعائهم، قال تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ [النمل:62] .

ويسوق القرآن وكذا السنة بيّنات الرسل ومعجزاتهم للتدليل على صدق الرسالة، فلا يبقى مجال لشك أو ريب، كما قال تعالى في وصف المؤمنين: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات:15] .

وهذا المنهج هو منهج الرسل جميعًا كما قال تعالى: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [الأنعام:75] ، فرؤية آيات الله في الكون هي طريق لليقين والإيمان به سبحانه.

فالإيمان بالله من أجلّ نعم الله عز وجل على خلقه، به تطمئن النفوس، وتنتشر الهمم، ويأنس الضّعيف، وتطيب الحياة. والإيمانُ هُوَ الذي يفجّر المشاعر الطيبة، ويوجه إلى المكارم، ويعصم من التحلّل الخلقي، ويحفظ الإنسان من نفسه الأمّارة بالسّوء التي هي مصدر الشر والفساد.

فالإيمان هو مفتاح الحلّ لمشاكلنا المستعصية، فهو الطريق إلى النصر يقول الله تعالى: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم:47] ، والإيمان طريقنا إلى العزة قال تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون:8] ، والإيمان طريق إلى الحب الإلهي قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا [مريم:96] ، والإيمان طريق إلى الرخاء والنعمة قال تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [الأعراف:96] ، والإيمان طريق الخلاص من مكر الأعداء قال تعالى: إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج:38] .

إن للإيمان أثرًا كبيرًا على المؤمن، وعلى رأس أركان الإيمان يأتي الإيمان بالله، فالمؤمن يشعر بأنّ الله ربه يعلم حاله ويراقب أفعاله، وسيحاسبه على كل صغيرةٍ وكبيرة، فعنذئذٍ يتقي الرذائل ويسارع للخيرات. والإيمان بالملائكة يجعله يستحي من معصية الله عز وجل؛ لعلمه أن الملائكة ترافقه ولا تفارقه. والإيمان بالكتب يجعله يعتزّ بكلام الله ويتقرّب إليه بتلاوته، ويشعر أن الطريق الوحيد إلى الله هو اتباع ما جاء في الكتب التي أنزلها، والتي جاء القرآن الكريم مهيمنًا عليها ومصدقا لها. والإيمان بالرسل يجعله يأنس بأخبارهم وسيرهم، ولا سيما سيرة النبي العظيم الرؤوف الرحيم محمد ، ويتّخذ مِنهم قدوةً وأسوةً حسنة في الحياة. والإيمان باليوم الآخر يُنَمّي في نفسه حب الخير؛ ليلقى ثوابه في الجنة، فالمؤمن دائم الشوق إلى الجنة وظلالها ونعيمها، ويسارع في الخيرات لعله يصل إليها، كما أن الإيمان باليوم الآخر يجعله يكره الشر ويتجنّب الفواحش خشية من نار جهنَّم التي تفزع المؤمن وتخيفه كلما سمع ذكرها، وهنا ينمو عند المؤمن شعور المراقبة وشعور المحاسبة، وينعكس هذا على سلوكه بأحسن الآثار الطيبة. والإيمان بالقدر يجعلُ نفس المؤمن لا تخافُ ما أصابها ولا ترجو ما سوى الله، ولا تطمع إلا في رحمته، وتزهد في الدنيا ولا تبالي بالموت، ولا تركعُ للطّغيان.

إن الإيمان بالله تعالى قوة عاصمة عن الدنايا؛ ولذلك نجد أن الله تعالى عندما يدعو عباده إلى خير أو ينفرهم عن شر يجعل ذلك مقتضى الإيمان المستقر في قلوبهم، وما أكثر ما يقول في كتابه الكريم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ثم يذكر بعد ذلك ما يكلفهم به، والإيمان يُكَوِّن الخلق القوي حتمًا، وانهيار الأخلاق مردّه إلى ضعف الإيمان أو فقدانه.

والإيمان بالله تعالى يمدُّ الإنسان بقدرةٍ كبيرةٍ على تحمل المصائب؛ لأنَّه يعلم أن هذا ابتلاء واختبار وهو خير له، كما قال: (( عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ) )رواه مسلم.

وليس هذا فقط، بل إنَّ الله تعالى يخلفُ عليه ما فاته، ويجزل له الأجر والمثوبة إذا التجأ إليه، قال: (( ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها، إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيرا منها ) )رواه مسلم.

لذا نجد المؤمن دائما يشعر بالفرح والسرور، وفي أحرج الظروف وأشدّ المصائب نراه في غاية الصبر والرضا؛ لأنه يعتقد أنه عندما يشاك بشوكة فما فوقها يكون له بها أجر، فكل مصيبة تلحق الإنسان فهي بإذن الله تعالى، قال عز وجل: مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَمَن يُّؤْمِن بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [التغابن:11] .

أخي الحبيب، كم نحتاج لتقوية إيماننا ليبقى معنا دائما وحتى في أحرج الظروف، وإليك بعضًا مما يعين على ذلك:

1-تدبر القرآن الكريم: وهذا التدبر يكون بالتمعن في آيات القرآن الكريم وتأمل آياته وما فيها من وعد ووعيد وقصصه وأحكامه وأمثاله، فقد كان النبي كثير التدبر لآيات القرآن الكريم، وكذلك أصحابه الكرام، وإليك هذه الأمثلة:

قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لرسول الله: أراك قد شبت! قال: (( شيبتني هود والواقعة وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت ) )رواه الحاكم في المستدرك (2/374) .

يقول صاحب كتاب فيض القدير (4/168) في معنى (( شيبتني هود ) ):"أي: سورة هود وأخواتها، أي: وأشباهها من السور التي فيها ذكر أهوال القيامة والعذاب والهموم والأحزان إذا تقاحمت على الإنسان أسرع إليه الشيب في غير أوان، قال المتنبي:"

والهم يخترم الجسيم مخافة ويشيب ناصية الصبي ويهرم

قال الزمخشري: مرَّ بي في بعض الكتب أنَّ رجلا أمسى فاحمَ الشعر كحنك الغراب وأصبح أبيض الرأس واللّحية كالثغامة، فقال: أُرِيتُ القيامة والناس يقتادون بسلاسل إلى النار، فمن هول ذلك أصبحت كما ترون"."

وقال الأسود: كنا عند عائشة رضي الله عنها فذكرنا المواظبة على الصلاة والتعظيم لها قالت: لما مرض رسول الله مرضه الذي مات فيه فحضرت الصلاة فأذّن فقال: (( مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس ) )، فقيل له: إن أبا بكر رجل أسيف، إذا قام في مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس. رواه البخاري (663) ومسلم (418) .

وفي مناقب عمر بن الخطاب رضي الله عنه روي عن عبد الله بن شداد قال: سمعت نشيج عمر رضي الله عنه وأنا في آخر الصف في صلاة الصبح وهو يقرأ سورة يوسف حتى وصل إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ.

وجاء في سير أعلام النبلاء (4/324) : قال القاسم بن أبي أيوب: سمعت سعيد بن جبير يردد هذه الآية في الصلاة بضعا وعشرين مرة: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ.

وجاء في السير (8/446) أيضا عن إبراهيم بن بشار قال: الآية التي مات فيها علي بن الفضيل في الأنعام: وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ [الأنعام:27] ، مع هذا الموضع مات، وكنت فيمن صلى عليه رحمه الله"."

2-ومما يعين على تقوية الإيمان استشعار عظمة الله عز وجل:

ويكون هذا الاستشعار بمعرفة أسمائه وصفاته وبكثرة ذكره وبالتفكر في مخلوقاته، فمن أسمائه العظيم العليم القدير القوي الجبار. وإذا استشعرت معاني هذه الأسماء وما تدلّ عليه لوقر في قلبك عظمة لله عز وجل ودوام ذكر الله عز وجل؛ مما يزيد قوة الإيمان في قلبك، وتأمّل هذه الآيات:

قال تعالى: وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ [الأعراف:205] ، ويقول تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال:2] ، ويقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ [الأنفال:45] ، ويقول تعالى: الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28] .

وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله يقول: (( يقبض الله الأرض ويطوي السماوات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ ) )رواه البخاري (4534) .

3-ومما يعين على تقوية الإيمان طلب العلم الشرعي:

يقول الله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [فاطر:28] ، فخشية الله عز وجل دليل قوّة إيمان انبعث من القلب، وهذا الباعث على الخشية هو العلم، فكلما كان تضلعك بالعلم أكثر كان إيمانك بالله أكبر، وشتان بين الجاهل والعالم، يقول الله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [الزمر:9] .

4-ومما يعين على تقوية الإيمان كثرة العمل الصالح:

فمما يقوي إيمانك ويزيده قوة وصلابة هو العمل الصالح، وهو علامة قربك من الله عز وجل، فأهل الإيمان قوي إيمانهم بالله لكثرة عملهم ومداومتهم عليه، وقد أشغلهم عن هذه الدنيا التي تلهي كثيرًا من الناس وتضعفهم عن السير الحثيث إلى الله عز وجل، وتأمل هذه الدعوة من الله عز وجل: وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران:133] ، وبِمَ تكون المسارعة إلا بالعمل الصالح والمداومة عليه؟! فعن عائشة أن رسول الله سئل: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: (( أدومه وإن قلّ ) )رواه مسلم (782) .

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرا. أما بعد:

5-ومما يعين على تقوية الإيمان كثرة ذكر الموت والخوف من سوء الخاتمة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( أكثروا ذكر هادم اللذات الموت ) )رواه الحاكم (7909) . فذكر الموت والخوف من سوء الخاتمة يقوي الإيمان؛ لأنه يدفعك إلى العمل الصالح، ويبعدك عن المعاصي. ومِن تذكر الموت زيارة المقابر والصلاة على الجنائز، والحذر الحذر من التعلق بالدنيا والانشغال بها وجعلها أكبر اهتماماتك.

6-ومما يعين على الإيمان مناجاة الله والانكسار بين يديه:

فما ألذها من لحظة تلك التي تكون فيها بين يدي الله عز وجل مع ذلٍّ لله وخضوع له وانكسار بين يديه واستشعار أنك فقير ضعيف محتاج إليه وقد قصّرت وأذنبت، فما ألذها حينما تعفّر جبهتك في الأرض ذلا لله متأمّلًا هذا الحديث: عن أبي هريرة أن رسول الله قال: (( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء ) )رواه مسلم (482) ، وقد حركت بين جوانحك هذه الآية: يقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر:15] .

7-ومما يعين على تقوية الإيمان محاسبة النفس:

يقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر:18] ، وعن شداد بن أوس عن النبي قال: (( الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ) )، ومعنى قوله: (( من دان نفسه ) )أي: حاسب نفسه في الدنيا قبل أن يحاسب يوم القيامة. ويروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وتزيّنوا للعرض الأكبر، وإنما يخفّ الحساب يوم القيامة على من حاسب نفسه في الدنيا) ، ويروى عن ميمون بن مهران قال:"لا يكون العبد تقيًّا حتى يحاسب نفسه كما يحاسب شريكه: من أين مطعمه وملبسه؟".

8-ومما يعين على تقوية الإيمان الدعاء:

فعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله: (( إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب الخلق، فاسألوا الله أن يجدّد الإيمان في قلوبكم ) )رواه الحاكم في المستدرك (5) .

قال في فيض القدير (2/323) :"والمراد بأن الإيمان ليخلق أي: يكاد أن يبلى في جوف أحدكم ـ أيها المؤمنون ـ كما يخلق الثوب، وصفه على طريق الاستعارة، شبه الإيمان بالشيء الذي لا يستمرّ على هيئته، والعبد يتكلم بكلمة الإيمان ثم يدنسها بسوء أفعاله، فإذا عاد واعتذر فقد جدّد ما أخلق وطهّر ما دنس، فاسألوا الله تعالى أن يجدّد الإيمان في قلوبكم؛ حتى لا يكون لقلوبكم وجهة لغيره ولا رغبة لسواه؛ ولهذا قال معاذ لبعض صحبه: اجلس بنا نؤمن أي: نذكره ذكرا يملأ قلوبنا".

عباد الله، صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة عليه فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، ودمره اللهم تدميرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت