فهرس الكتاب

الصفحة 4839 من 5777

العزة

الإيمان

الولاء والبراء, فضائل الإيمان

عاصم بن لقمان يونس الحكيم

جدة

جامع جعفر الطيار

1-معنى العزة. 2- منبع عزة المؤمن. 3- مظاهر عزة المؤمن. 4- نماذج لعزة الإيمان. 5- مفاهيم خاطئة للعزة.

يقول الله تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ [المنافقون:8] .

عباد الله، إن العزة في اللغة هي الرفعة والامتناع والغلبة، وقد جعلها الله تعالى خاصة به وبرسوله وأتباعه من المؤمنين، وعزة المسلم ليست شيئا يُشترى بالمال، وليس منبعها شبابه أو قوته أو بيته وسيارته أو غير ذلك؛ لأن هذه الأشياء يشاركه فيها بل قد يتفوق عليه فيها الكافر والفاجر، ولكن مصدر عزة المسلم إيمانه بالله، فيوم يكون مؤمنا يكون عزيزا، وبقدر ما يكون إيمانه قويا فكذلك تكون درجة عزته والتي تنبع من عزة الله تعالى، فالمسلم إن اتبع أوامر الله واجتنب نواهيه وإن هو أسلم نفسه وروحه وقياده لشرع الله آنذاك يكون عزيزا، قال تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا [فاطر:10] .

وتبدو عزة المسلم جليّا في عبوديته لربه واستغنائه به عن الناس جميعا، قال نبينا: (( شرف المؤمن صلاته بالليل، وعزه استغناؤه عما في أيدي الناس ) ). وكلما تطلع المسلم إلى ما في أيدي الناس وطمع فيه وتعلقت نفسه به زاد ذلّه وعظم احتقار الناس وبغضهم له، يقول النبي: (( ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما بأيدي الناس يحبك الناس ) ). فالمال ليس من أسباب العزة، بل قد يكون من أسباب الذل والهوان، ولقد كان خير الناس وأصحابه رضوان الله عليهم أعز الناس وأشرفهم وما كانوا من الأغنياء؛ لأن اعتزازهم بدينهم كان الباعث لهم لفعل الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونحن يوم تركنا شرع الله وراءنا ظهريا وآثرنا العاجلة على الآخرة فسلط الله علينا هذا الذلّ الذي تعيشه أمة الإسلام، يقول النبي: (( إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة وتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله أدخل الله عليهم ذلا، لا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم ) ).

عباد الله، إن هذه الحياة ابتلاء من الله تعالى، وهي دار تكليف واختبار، فالله تعالى يريد من عباده أن يطلبوا العزة من مصدرها وأن لا يتعجلوا الفوز والنصر والغنيمة في الدنيا؛ لأنهم طلاب آخرة، فإن أتت معها الدنيا فبها ونعمت. إن الله تعالى لو أراد لأرسل جنوده وملائكته فهزموا أعداءه بلمح البصر، ولكن الله تعالى يريد اختبار إيمانهم وصبرهم، يقول تعالى: وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ [محمد:4] .

لقد ذاقت امرأة فرعون طعم العزة بعد إيمانها، فلم تكن للتخلّى عنه ولو أذاقها فرعون سوء العذاب، لذا دعت الله تعالى بقولها: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [التحريم:11] . وأعجب من ذلك عزّة ماشطة ابنة فرعون التي سقط المشط من يدها ذات يوم فقالت: بسم الله، فرفعت ابنة فرعون رأسها وقالت: أبي؟ فقالت الماشطة: لا، ربي وربّ أبيك الله، فقالت لها: أخبرُ أبي بذلك إذًا، فقالت: أخبريه، فأتى بها فرعون وهو ليس لديه أدنى شكّ أنها ستتراجع، فسألها فأعادت عليه نفسَ الكلام بكلّ عزة وأنفة. امرأة ذاقت طعم العزة تتحدى ولا تهاب أكبرَ طاغية في التاريخ، فأحضر فرعون قدرا من نحاس فأوقد عليها النار حتى احمرت كالجمرة، فأعاد عليها الكلام فثبتت على دينها، فأخذ طفلا لها رضيعا فألقاه في القدر فإذا بالرضيع ينحمس كما تنحمس الحبّة، وما هي إلا لحظات وإذ به فحمة سوداء، فهل لانت أو استكانت؟ قالت له تلك المؤمنة: لي عندك حاجة وهي أن تجعل رفاتي ورفات أبنائي في قبر واحد، فقال لها: لكِ هذا، ثم ألقاهم واحدا تلو الآخر وهي تنظر وتحتسب، فأيّ صبر هذا؟! وأي عزة بدين الله عند تلك المرأة؟! لقد علمت هذه المرأة أنها هي الفائزة في حساب الله، وأن فرعون وحزبه هم الخاسرون، فاختارت الفوز على الخسران، وهذا ما ينبغي أن نربّي أنفسنا وأبناءنا عليه، فلا نرضى بالذل والخسران.

أقول قولي وأستغفر الله.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

وبعد: إن عزة المسلم لا تنبع من عروبته وأرضه كما يظنّ الجاهلون، فهذا بلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي لم يضرهم أنهم من العجم، كما أنه ما ضر الصحابة شيء عندما هاجروا إلى الحبشة، فقد كانوا أعزة بإسلامهم وإن لم تكن الأرض أرضهم؛ لأن الأرض أرض الله تعالى، فإسلامنا وجهادنا وتمسكنا بعاداتنا وتقاليدنا التي منبعها الإسلام هو مصدر عزتنا وتميزنا عن سائر الأمم.

والعجيب أن من إخواننا المسلمين من طغت الدنيا والمادية على بصائرهم فأعمتهم، حتى أصبحوا يرون أن الخير والتقدم والعزة كلّ العزة في اتباع الغرب في عاداتهم وألبستهم وتحللهم الأخلاقي، فتعلقت قلوبهم وقلوب أبنائهم بهم، فالعزة عندهم باتباع الغرب ولزوم غرزه وعدم مخالفة هديه، فالمرأة وبناتها متكشفات متبرجات يتبعن كل ناعق في عالم الموضة والأزياء، والأبناء لا تكاد تفرقهم عن البنات إلا بضحالة تفكيرهم وسطحيتهم، يكاد أحدهم يطير فرحا إن شبّهته بكافر أو فاجر؛ إذ إن ذلك ما يطلب ويريد، ولقد قال الله تعالى: بَشِّرْ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمْ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا [النساء:138، 139] .

فسبحان الله! كيف انقلبت الموازين؟! إن الشاب ذا الشخصية الضعيفة إذا لبس ثوب بلاده الذي يدل على إسلامه انكسر وأحسّ بالذل لعدم تميزه، ولكن ما إن يلبس اللباس الغربي حتى تعود إليه الحياة ويشعر بالعزة، وكذا المرأة الجاهلة تشعر بأنها ذليلة ومدفونة تكاد تختنق إذا لبست حجابها وتسترت عن أعين الناس، فإذا أسفرت عن وجهها ومفاتنها فإنّ العزة والأنفة تعود إليها وتشعر بشخصيتها وكيانها المميّز وتشعر بطعم ومعنى الحياة، وأيّ طعم للحياة بلا عقيدة تميز المسلم عن غيره؟! وأي معنى للحياة من دون هدف من أجله يحيا الإنسان ومن أجله يموت؟!

إن آلاف الكفار يدخلون بلادنا يوميا، لم نجد واحدا منهم يرتدي ثيابنا، بينما مئات الألوف منا يذهب إلى الخارج كلهم تقريبا يلبسون الزي الغربي ويتشبهون بهم حتى في أصغر التفاصيل الدقيقة، وصدق الفاروق عمر رضي الله عنه إذ يقول: (إنا كنا أذلّ قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العزّ بغير ما أعزّنا الله به أذلّنا الله) .

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت