التوحيد
أهمية التوحيد, الألوهية, الربوبية
عبد الله بن صالح القصير
الرياض
جامع الأمير متعب
1-معرفة الرب تبارك وتعالى 2- أهمية توحيد الله 3- معرفة الدين ومراتبه ومقتضياته
4-معرفة النبي صلى الله عليه وسلم 5- حلاوة الإيمان
أما بعد:
فيا أيها الناس! اتقوا الله ربكم في سركم وجهركم وخلوتكم واجتماعكم،وفي جميع أموركم وسائر أحوالكم، وارضوا بما رضيه الله لكم تفوزوا بمثوبته وجنته ورضاه، وتجنبوا ما توعد به من أعرض عن ذكره ولم يتبع هداه، فإنه سبحانه قد رضي لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، ورضي لكم الإسلام دينا، واختصكم بأن بعث لكم عبده محمدًا نبيًا رسولًا، فأمركم بتحقيق توحيده وترك ما ضده، واختصكم بأكمل شرائع دينه، وبعث لكم أفضل رسله.
أيها المسلمون: تلكم أصول ثلاثة يجب عليكم أن تعرفوها بالأدلة، وأن تعملوا بها لله عن بينة، وأن تجتهدوا في تحقيقها وتكميلها، وأن تحذروا مما ينقصها ويقدح فيها، وأن تجتنبوا كل ما يبطلها ويفسدها وينافيها.
فأصل تلك الأصول معرفة ربكم تبارك وتعالى خالقكم ورازقكم ومتوفيكم ومجازيكم، فإنه الله ربكم الذي رباكم وربى جميع العالمين بنعمه، وعم الجميع بألوان جوده وكرمه، وهو معبودكم فليس لكم معبود بحق سواه: أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون [سورة يوسف:40] .
فالواجب عليكم أن توحدوه بأفعاله من الخلق والرزق والملك والتدبير، وأن تثبتوا له ما ثبت في الكتاب والسنة من أسمائه وصفات كماله ونعوت جلاله، فإنه: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير [سورة الشورى:11] . فلا شريك له في ربوبيته، ولا ند له في إلاهيته، ولا سمي له ولا كفو في أسمائه وصفاته، ولا يكون في هذا والملك العظيم في علويه وسفليه حركة ولا سكنة إلا وقد أحاط بها علمه ونفذ فيها حكمه، فوجدت بعلمه ومشيئته، وحدثت بإحداثه لكمال قوته وحكمته، ومن هذا شأنه فهو المستحق لأن يوحد بأفعال عباده بأن يعبدوه بما شرع وكم شرع؛ فينقادوا له مختارين مستسلمين خاضعين محيين معظمين مجلين، يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب، ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورًا [سورة الإسراء:57] .
فيا معشر المسلمين: وحدوا الله بأقوالكم، وأخلصوا له نياتكم، وانقادوا له بجوارحكم؛ فإن المتفرد بالخلق والإبداع وبتمام الملك وتدبيره على ما هو عليه من العظمة والاتساع هو المستحق لأن يعبد وحده ويطاع، ذو الأسماء الحسنى والصفات الكاملة العليا، فيا ويح الملحدين من الكافرين والمشركين وأهل الابتداع: فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون [سورة غافر:14] . ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير [سورة الحج:62] .
أيها المسلمون: وأما الأصل الثاني من تلك الأصول العظام فهو معرفة دين الإسلام الذي شرعه الله وكمله وأتم به النعمة ورضيه وقال في حق من أعرض عنه: ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين [سورة آل عمران:85] .
فإن الواجب معرفة هذا الدين بالحجة والبرهان والاستقامة عليه طلبًا لرضا الديان وهو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك، وهو ثلاث مراتب:
فالأولى: الإسلام، وهو الاستسلام لله وتوحيده، والانقياد له ظاهرًا بالأقوال والأعمال وترك الشرك وخصاله بكل حال وذلك بتحقيق الأركان الخمسة؛ وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، على الوجه الذي شرعها الله عليه وترك كل ما يضاد ذلك وينافيه.
أما المرتبة الثانية: فهي الاستسلام لله والانقياد له، والإخلاص له باطنًا بالإيمان به، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره حلوه ومره، إيمانًا يقتضي تصديق الأخبار، والإذعان للأحكام بامتثال المأمور وترك المحظور، والتسليم للمقدور، والتعلق بالله، وترك الالتفات إلى ما سواه في جميع الأمور، إنابة لله ومحبة له، ورجاء له وخوفًا منه، وتعظيمًا له وإجلالًا وخشوعًا، وخشية ورغبة ورهبة.
وأما المرتبة الثالثة:فهي الإحسان، وذلك بالاجتهاد في إيقاع العبادة على أكمل الوجوه وأحسن الأحوال، فتعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه، يراك، بأن تعبد الله كأنك تشاهده، فإن قصرت عن ذلك فاعلم أنه يراقبك: يسمع أقوالك، ويرى أعمالك، ويعلم حالك، فكن من المحسنين إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون [سورة النحل:128] .
أيها المؤمنون: وأما الأصل الثالث، وهو معرفة النبي ، وهو الإيمان بأنه نبي الله حقًا ورسوله صدقًا، وخاتم النبيين، ورسول الله إلى الثقلين إلى يوم الدين، وتحقيق ذلك بأن يطاع فيما أمر، ويصدق فيما أخبر، ويجتنب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع، فمن نقص من ذلك أو زاد عليه فقد جفا وابتدع.
فيا أيها المغتبطون ببعثة نبيكم محمد ، الراجون أن تحشروا تحت لوائه، وأن تسعدوا بشفاعته، وأن تدخلوا الجنة في زمرته، اثبتوا في هذه الدنيا على ملته، واستمسكوا بسنته، واهتدوا بهداه، واحذروا من تلبيس من أعرض عن السنة واتبع هواه.
أيها المؤمنون: فهده الأصول هي تحقيق مدلول الشهادتين والاستقامة على دين رب العالمين، فمن حققها علمًا وعملًا واعتقادًا فقد ذاق حلاوة الإيمان، وثبته الله في قبره حين يسأله الملكان، وغفر له ذنبه، ووجبت له الجنة دار التكريم الرضوان. ففي الصحيح عن النبي قال: (( ذاق طعم الإيمان من رضي الله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا ) ). وفيه أيضا عنه: (( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار ) ). وفي الصحيح أيضا: (( من قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، رضيت بالله ربًا وبمحمد رسولًا وبالإسلام دينًا غفر له ذنبه ) ).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ألم تر كيف ضرب الله مثلًا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار يثبت الله الذين ءامنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل ما يشاء [سورة إبراهيم:24-27] .
بارك الله لي ولكم في القرآن، ونفعنا بما فيه من الهدى والبيان.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين والمؤمنين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه يحب التوابين وهو الغفور الرحيم.
لم ترد.