فهرس الكتاب

الصفحة 5472 من 5777

دعوة أبي الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام(4)

سيرة وتاريخ

القصص

سعد بن عبد الله العجمة الغامدي

الطائف

سعيد الجندول

1-هجرة إبراهيم وزوجه سارة إلى أرض مصر. 2- نجاة سارة من كبير ملك مصر. 3- انتهاك الأعراض من أسلحة الطغاة. 4- زواج إبراهيم من هاجر وإسكانها وابنها في وادي مكة. 5- قصة هاجر وابنها إسماعيل في مكة.

أمّا بعد: فإن مواصلة الحديث مع أبي الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام متعة وفائدة عظمى لاستخراج الدروس والعظات والعبر، سواء ذكرت صريحة أو استنبطها كلّ شخص بنفسه، فهي واضحة جلية لكل من كان له عقل، فضلًا عن ذوي الفراسة من أهل الصدق والإيمان.

لقد ذكر الله عز وجل نجاة إبراهيم عليه الصلاة والسلام من مكر الماكرين الكفرة المعاندين من قومه ومما خططوا له وصنعوا من المكر والكيد العظيم، لقد هاجر عليه الصلاة والسلام بعد ذلك ومعه زوجته سارة ووالده ومعه أيضًا ابن عمه لوط عليه الصلاة والسلام، هاجروا من بابل إلى بلاد المقدس الأرض المباركة التي ذكر الله عنها ذلك في القرآن الكريم ومكثوا مدة بأرض فلسطين، وعندما عمّها القحط والجدب رحل إبراهيم عليه السلام ومعه زوجته سارة إلى أرض مصر وذلك بعد وفاة والده، وكانت سارة ذات جمال باهر كما ورد ذلك في الحديث الذي رواه الإمام مسلم رحمه الله، وكان جمالها هو السبب في محاولة اعتداء الطاغية الجبار عليها، وكان هو السبب أيضًا بأن وهبها وأخدمها هاجر لتخدمها حيث قال بأن هذه لا تصلح أن تخدم نفسها بعد أن عصمها الله منه، وجاء في صحيح مسلم في حديث الإسراء الطويل من رواية ثابت بن أنس في ذكر يوسف بأنه أُعطي شَطْر الْحُسْن، وزاد أبو يعلي من هذا الوجه: أُعطي يوسف وأُمّه شطر الحسن، يعني سارة، وكما في الحديث الصحيح الذي أثبت ذلك في موقفها معه من حيث جمالها، فوشى وسعى بخبرها أحد بطانة السوء عند الملك الجبار في زمانه، وقد كان ذلك الطاغية لا يسمع برجل عنده امرأة جميلة إلا أخذها منه اغتصابًا، وهكذا يفعل الطغاة في كل زمان، ويسعى أذنابهم من بطانة السوء يتملَّقون ويتزلَّفون بأعراض الناس إلى أهل الكفر والطغيان والفسق والانحلال؛ ليصلوا هم إلى ما يريدون من أولئك الطغاة، وفي كثير من الأحيان يعتدون هم على أعراض أولئك الطغاة، وكما تدين تُدان.

ومن أشدّ المصائب التي تنزل بالرجال الغيورين على اختلاف مللهم ونحلهم وبالمؤمنين خاصة هو انتهاك أعراض نسائهم، سواء كن زوجات أو بنات أو أمهات أو أخوات أو غير ذلك، وبهذه الطريقة البشعة المنتنة العفنة التي سوف يجد الظلمة أليم عقابها في الدنيا والآخرة نجدهم يستخدمونها سلاحًا فتاكًا لضرب المسلمين في أعزِّ شيء عليهم بعد إسلامهم، في أعراضهم وشرف نسائهم، وما يسمع عنه العالم اليوم من اغتصاب للنساء المسلمات على مرأى ومسمع من أقاربهن، ويقع ذلك على سمع الناس أجمعين وقد يكون على مرأى منهم إنما هو صورة طبق الأصل لما يمارسه الظلمة والطغاة ضد المسلمين في كل زمان، وهذا ما تتناوله وسائل الإعلام بين حين وآخر، وذلك شيء يندى له الجبين، عشرات الآلاف من النساء المسلمات في هذه الأعوام القليلة القريبة اغتصبن واعْتُدِي على أعراضهن بكل وحشية وحيوانية متناهية، وآخر خبر ذُكر في إحدى الصحف المحلية قبل يوم واحد فقط هو ما وقع لنساء عدة في الصومال، ومنهن امرأة اغتصبت وانتهك عرضها أمام أولادها الخمسة، وفي البوسنة انتهك عرض عروسة أمام زوجها العريس واقْتُلِعَتْ عيناه بعد ذلك لكيلا يرى الدنيا وما يدور فيها بعينيه.

لقد ماتت عواطف المسلمين وتبلَّدت أحاسيسهم وكأَنَّ شيئًا لا يعنيهم من بعيد أو قريب، لقد وصل وضع المسلمين في حال لا يُحمدون عليها في هذا الشأن وغيره بين الأمم، وإلا فأين الاهتمام بأمور المسلمين؟! أين الغيرة على أعراض المسلمات في كل مكان؟! أين نخوة المعتصم عندما سيّر جيشًا لنصرة ونَجْدَةِ امرأة قالت: وا معتصماه؟! ما بالنا لو أن يهودية أو نصرانية أو أي امرأة أخرى من ملل الكفر اغتصبت وانتهك عرضها فماذا يكون موقف دول الكفر والطغيان ومنظمات حقوق الإنسان؟! إنه غثاء السيل والوهن الذي هو حب الدنيا وكراهية الموت الذي أخبر عنه رسولنا محمد في قلوب المسلمين، والواقع في هذه الأيام في آخر الزمان، فإلى الله المشتكى، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وإنا لله وإنا إليه راجعون، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

بتلك الأساليب الوحشية البشعة من قديم الزمان تُستخدم أعراضُ نساءِ المسلمين ليصل الأعداء إلى ما يريدون، ولكن الله لهم بالمرصاد. لقد صان الله سارة من اعتداء الجبار الطاغية إكرامًا لها وللخليل إبراهيم عليه السلام، ولتكون آية للناس هي وهاجر أم إسماعيل، لقد شلَّ الله يد الطاغية وأيبسها حتى لا يستطيع حراكها واعترف بقدرة الله عز وجل وطلب منها أن تدعو الله له ليطلق يده مرتين أو ثلاثًا، وبذلك ثبت الخبر عن سيد البشر في الحديث الصحيح الذي رواه الإمامان الجليلان والذي سبق ذكره في الخطبة السابقة، ولا بأس بإعادته حيث قال رسولنا محمد عن إبراهيم عليه السلام: (( بينا هو وسارة إذ أتى على جبار من الجبابرة وقيل له: إن ها هنا رجلًا معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه فسأله عنه فقال: من هذه؟ فقال: أختي، فأتى سارة قال: يا سارة، ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، وإن هذا سألني عنك فأخبرته أنك أختي، فلا تكذبيني، فأرسل إليها، فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده فَأُخِذَ، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت الله فَأُطْلِقَ، ثم تناولها ثانية فأخذ مثلها أو أشدّ، فقال: ادعي الله لي فلا أضرك، فدعت فَأُطْلِقَ، فدعا بعض حجبته فقال: إنكم لم تأتوني بإنسان إنما أتيتم لي بشيطان، فأخدمها هاجر فأتته وهو قائم يصلي ـ أي: إبراهيم ـ فأومأ بيده: مَهْيَمْ؟ ـ أي: ما الخبر؟ ـ قالت: رد الله كيد الكافر ـ أو: الفاجر ـ في نحره وأخدم هاجر ) )، قال أبو هريرة رضي الله عنه: تلك أمكم يا بني ماء السماء، يعني العرب الذين ولدوا من نسلها ونسل إسماعيل، وماء السماء أي: ماء زمزم والله أعلم.

وعاد إبراهيم عليه السلام من أرض مصر إلى أرض فلسطين ومعه زوجتُه سارةُ وأَمَتُهَا هَاجَرُ التي أخدمها إياها الطاغية، وكانت سارة عقيمًا لا تلد، وكان يحزنها أن ترى زوجها وحيدًا ليس له ولد، فقد أصبحت هي على حال لا يُرجى أن تأتي بعده بمولود؛ لأنها قد تجاوزت سن السبعين وبلغت من الكبر عتيًا، ولم تعلم بأن الله سوف يجعلها آية لحملها على الكبر بعد ذلك بسنين أخرى بإسحاق عليه السلام، فما كان منها إلا أن أشارت على إبراهيم بأن يدخل بأمتها هاجر بعد أن وهبتها له؛ لعل الله يرزقه منها غلامًا زكيًا تشرق به حياته ويكون عونًا لأبيه على تحمّل مشاقِّ الحياة، فاستجاب إبراهيم عليه السلام لرأيها وتزوّج هاجر وأنجبت له غلامًا زكيًا هو إسماعيل عليه السلام الذي كان من نسله خاتم النبيين وسيد المرسلين رسولنا محمّد ، وشاركت سارة زوجها وضرّتها في الفرح والسرور بإسماعيل، ولكن الغيرة الموجودة في النساء لم تلبث أن دبَّت إلى قلبها وتسلَّلَت إلى فؤادها وعصفت بها أعاصير كثيرة من الحزن والألم، وحُرِمَت الهدوء والهجوع، وأصبحت لا تطيق النظر إلى الغلام ولا تحتمل رؤية هاجر، وهذا شأن معظم النساء مع جاراتهن اللائي يشاركنهنّ الحياة مع الأزواج، ولا غرابة في ذلك الطبع وتلك السجية فهي فطرة موجودة فيهن من قديم الزمان ومرورًا بأزواج الرسول وانتهاءً بنساء زماننا ومن بعدنا إلى أن تقوم الساعة.

ولكن الغريب هو مكر النساء اللاتي تغلّبن بها وفيها على الشيطان، والشيطان كيده ضعيف، أما النساء فكيدهنّ ومكرهن عظيم، وذلك بنص القرآن الكريم، قال تعالى عن كيد الشيطان: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا [النساء: 76] ، أما عن النساء فذكر الله عز وجل عنهنّ في قوله عز شأنه: إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ [يوسف: 28] . ولنا مع هذا الموضوع إن شاء الله وقفة عند الحديث عن الزوجات.

أعود للقول بأن سارة لم تعد تحتمل رؤية هاجر وابنها الرضيع إسماعيل، ولم تجد دواء لقلبها إلا أن تطلب من أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام أن يقصيها ويبعدها هي وابنها عن دارها ويبعدهما عن عينيها، فاستجاب إبراهيم لطلبها لحكمة يريدها الله ويعلمها، فأخذهما إبراهيم عليه السلام وسار بهما يقطع الصحاري والقفار والمفازات الطويلة من أرض فلسطين إلى جبال مكة الجرداء في حينها، ذلك البلد الذي لم يكن به ساكن ولا أنيس من البشر، فتركهما قرب زمزم ومعهما جِرَابٌ فيه تمرٌ وسِقَاءٌ فيه ماءٌ، ولحقته أم إسماعيل وهي تقول: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟! فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذًا لا يضيعنا، ثم رجعت.

إنه الإيمان والعقيدة الراسخة والثقة والتوكل على الله رب العالمين، الإيمان الذي يصنع الأعاجيب ويأتي بالغرائب التي لا تكاد تُصدق، فكيف تطمئن نفس إبراهيم عليه السلام إلى أن يترك ابنه الرضيع مع أمه في مكان موحش قَفْر ليس به ساكن ولا أنيس؟! وكيف رضيت هاجر أن تبقى وحيدة فريدة في بقعة جرداء ليس فيها طعام ولا ماء ولا مسكن ولا أيُّ بَشَرٍ يمشون على وجه الأرض بجوارها؟! وكيف تصبر على التعرض للجوع القاتل والعطش المميت والذئاب الموحشة الضارية خاصة عندما يسدل الليل أستاره من الظلام الدامس؟! إنه الإيمان الذي غمر قلبيهما ـ أي: إبراهيم وهاجر ـ وأضفى عليهما الأُنس والراحة والثقة بوعد الله عز وجل حتى ضَحَّيَا براحتهما وبحظوظ نفسيهما في سبيل تنفيذ أمر الله تبارك وتعالى. ولما ابتعد إبراهيم عليه السلام عن زوجته وابنه التفت إلى جهة البيت ووقف يدعو بهذه الدعوات: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ [إبراهيم: 37] .

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبيّنا محمدًا عبد الله ورسوله، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمد وآله.

أما بعد: فروى البخاري رحمه الله من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي أنه قال: (( يرحم الله أم إسماعيل لولا أنها عجلت لكان زمزم عينًا معينًا ) ). وروى البخاري أيضًا عن سعيد بن جُبَيْر رحمه الله: قال ابن عباس رضي الله عنهما: (أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل، اتخذت منطقًا لتعفي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه، حتى وضعها عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماءٌ فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جرابًا فيه تمرٌ وسقاءً فيه ماء، فَقَفَّى إبراهيم منطلقًا، فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟! فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذًا لا يضيعنا، ثم رجعت، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الكلمات ورفع يديه فقال: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ [إبراهيم: 37] ، وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلَوَّى ـ أو قال: يتلَبَّط ـ، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا، فلم تَرَ أحدًا، فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحدًا، فلم تَرَ أحدًا، ففعلت ذلك سبع مرات، ـ وقال ابن عباس رضي الله عنهما: قال النبي:(( فذلك سَعْي الناس بينهما ) )ـ، فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا فقالت: صَهٍ ـ تريد نفسها ـ، ثم تسمعت أيضًا فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعَقِبِهِ ـ أو قال: بجناحه ـ حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء بسقائها وهو يفور بعدما تغرف، ـ قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال النبي: (( يرحم الله أم إسماعيل؛ لو تركت زمزم ـ أو قال: لو لم تغرف من الماء ـ لكانت زمزم عينًا معينًا ) )، قال: ـ فشربت وأرضعت ولدها، وقال لها الملك: لا تخافوا الضيعة، فإن ها هنا بيت الله، يبني هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله. وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية، تأتيه السيول وتأخذ عن يمينه وشماله، فكانت كذلك ـ أي: هاجر ـ حتى مرت بهم رفقة من جُرْهم ـ أو: أهل بيت من جرهم ـ مقبلين من طريق كداء، ونزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرًا عائفًا، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، عهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جريًا أو جريين فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروا بالماء، فأقبلوا قال: وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ فقالت: نعم، ولكن لا حقّ لكم في الماء، قالوا: نعم، ـ قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال النبي: (( فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأُنْسَ ) )ـ، فنزلوا، وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم وشبَّ الغلام وتعلم العربية منهم وأنفسهم وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوَّجُوه امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته، فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بشرٍّ، نحن في ضيق وشدة، فشكت إليه، قال: فإذا جاء زوجك فأقرئي عليه السلام وقولي له يغيّر عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئًا فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألنا عنك فأخبرته، فسألني: كيف عيشنا؟ فأخبرته أنا في جَهْد وشدة، قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام ويقول: غيّر عتبة بابك، قال: ذلك أبي، وقد أمرني أن أفارقك، اِلحقي بأهلك، فطلقها، وتزوج منهم أخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعد فلم يجده، ودخل على امرأته فسألها عنه فقالت: خرج يبتغي لنا، قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله، فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء، قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء، ـ قال النبي: (( فلم يكن يومئذٍ حَبٌّ، ولو كان لهم دعا لهم فيه ) )ـ قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا ولم يوافقاه ـ أي: أن الإنسان في غير مكة إذا لم يأكل سوى اللحم والماء فإنه يشتكي الألم في بطنه كما في حديث أبي جهل ـ، قال: فإذا جاء زوجك فأقرئي عليه السلام، ومُرِيه يثبّت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة ـ وأثنت عليه ـ فسألني عنك فأخبرته، فسألني: كيف عيشنا؟ فأخبرته أنا بخير، قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم، هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبِّت عتبة بابك، قال: ذلك أبي، وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك، ثم لبث عنهم ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلًا له تحت دوحة قريبًا من زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد، ثم قال: إن الله أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتعينني؟ قال: وأعينك، قال: فإن الله أمرني أن أبني ها هنا بيتًا، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها، قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة. قال: فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: 127] ).

ولا يزال هذا الحجر معلمًا بارزًا وآية واضحة دالة على موضع قدمي إبراهيم عليه السلام، وقد أمرنا ربنا تبارك وتعالى بأن نصلي خلف ذلك المقام إذا أمكن من غير مزاحمة اتباعًا لسنة نبينا محمد بعد الطواف، فقال عز وجل: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة: 125] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت