فهرس الكتاب

الصفحة 1870 من 5777

مناهي هامة

العلم والدعوة والجهاد

أحاديث مشروحة

حمد بن إبراهيم الحريقي

الرياض

البساتين

1-وحدة المسلمين وإلفة قلوبهم مقصد من مقاصد الدين. 2- حديث: (( إياكم والظن ) ). 3- حسن الظن بالمسلم. 4- النهي عن التحسس والتجسس. 5- التحذير والنهي التحاسد والتباغض والتناجش والتدابر. 6- التحذير من الظلم والخذلان والاحتقار. 7- النهي عن الكبر.

أما بعد:

ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?تَّقُواْ ?للَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ وَ?عْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ?للَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ [آل عمران: 102، 103] .

عباد الله:

لقد أرسل الله تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين وهداية للخلق أجمعين ليجمع على الإيمان قلوب المؤمنين ويزيل من قلوبهم كل أسباب الشحناء ويطهر نفوسهم من كل أسباب البغضاء ليكونوا إخوانًا متحابين، وهذا واضح في سنته عليه الصلاة والسلام، من أوامره عليه الصلاة والسلام، وكذلك من نواهيه، فمنها ما أخرجه البخاري ومسلم عليهما رحمة الله، صحيحيهما عن النبي أنه قال: (( إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى هاهنا ـ ويشير إلى صدره ثلاث مرات ـ بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه، إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ) )رواه البخاري ومسلم.

أيها المسلمون: لقد تضمنت هذه الأحاديث أحد عشر نهيًا يؤدي العمل بها إلى الائتلاف والصفاء بين قلوب المسلمين وإلى البعد عن الاختلاف والشحناء بين المؤمنين.

احرص على حفظ القلوب من الأسى فرجوعها بعد التنافر يعسرُ

إن القلوب إذا تنافر ودها مثل الزجاجة كسرها لا يجبر

قول النبي: (( إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث ) )المقصود بالظن هنا هو التهمة التي لا سبب لها، وهو الظن السيئ فإنه من الإثم والباطل قال تعالى: إِنَّ بَعْضَ ?لظَّنّ إِثْمٌ [الحجرات: 12] ، وقال عز وجل: إَنَّ ?لظَّنَّ لاَ يُغْنِى مِنَ ?لْحَقّ شَيْئًا [يونس: 36] فعلى المسلم أن يحذر من ظن السوء وأن يحمل أخاه على أحسن الوجوه ما وجد إلى ذلك سبيلًا، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيرًا وأنت تجد لها في الخير محملًا) ، وقال سعيد بن المسيب رحمه الله: (كتب إليّ بعض إخواني أن ضع أمر أخيك على الأحسن ما لم تغلب) .

وقوله: (( فإن الظن أكذب الحديث ) )أي ما ينشأ عن الظن مما لا يطابق الواقع.

وقوله عليه الصلاة والسلام: (( ولا تحسسوا ولا تجسسوا ) )قال العلماء: التحسس الاستماع لحديث القوم، والتجسس: البحث عن العورات، وقيل: هو التفتيش عن بواطن الأمور وأكثر ما يقال ذلك في الشر قال الخطابي رحمه الله:"معناه: لا تبحثوا عن عيوب الناس ولا تتبعوها".

وقوله: (( لا تحاسدوا ) )أي لا يحسد بعضكم بعضًا، والحسد هو تمني زوال النعمة عمن لديه تلك النعمة، وهو سخط على الله في فضله ونعمته واعتراض على قسمته قال سبحانه: أَمْ يَحْسُدُونَ ?لنَّاسَ عَلَى? مَا ءاتَـ?هُمُ ?للَّهُ مِن فَضْلِهِ [النساء: 54] ، وإن الحاسد حينما يرى نعمة على غيره قد ظهرت أو منقبة شكرت فإنه يغتم ويهتم ويتمنى النقمة لصاحب النعمة، ويفرح بالمصيبة عليه عياذًا بالله.

وكل ذي نعمة فهو محسود قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (ما كانت نعمة لله على أحد إلا وجدت لها حاسدًا ولو كان الرجل أقوم من القدح ـ وهو السهم ـ لما عدم غامزًا) إلا ما ذكر عن التواضع فإنه قل من يحسد من يتصف به، قال المبرد: النعمة التي لا يحسد صاحبها عليها التواضع، والبلاء الذي لا يرحم صاحبه العجب. ولعل السبب في كون المتواضع لا يحسد على تواضعه لأن التواضع في نظر المستكبر ذلة وصغار وهو في الحقيقة عزة وإكبار.

أيها المسلمون:

إن الحسد داء يضر بالجسد وسبب لهبوط منزلة الحاسد فلا يمكنه الحصول على بغيته فالحسود لا يسود ولن يبلغ المقصود، بل ربما يكون حسد الحاسد منبهًا إلى فضل المحسود ونقص الحسود.

وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود

لولا اشتعال النار فيما جاورت ما كان يعرف طيب عرفِ العودِ

وأما قوله عليه الصلاة والسلام: (( ولا تناجشوا ) )والنجش هو أن يزيد الرجل في قيمة السلعة وهو لا يريد شراءها وإنما قصده نفع البائع على حساب المشتري أو مضرة المشتري المحتاج وهو من أسباب البغضاء ومن الإعانة على أكل المال بالباطل ومن الغش للمسلمين، فلا يجوز لك أيها المسلم أن تزيد في ثمن سلعة ما عند المزايدة إلا إذا كنت تريد شراءها حقيقة لك أو لغيرك.

وقوله: (( ولا تباغضوا ) )أي لا تفعلوا أسباب البغضاء فيما بينكم من السب والسخرية والغيبة والنميمة، وإن من شرار الناس المشائين بالنميمة المتبعين لأهوائهم، ولتحذر أيها المسلم أن تبغض أخاك من أجل أمره لك بمعروف أو نهيك عن منكر فتبغضه من أجل أن وعظه لا يوافق هواك فتكون ممن اتبع هواه بغير هدى من الله فتصبح من الضالين.

وأما قوله عليه الصلاة والسلام: (( ولا تدابروا ) )والتدابر هو التهاجر والتقاطع فإن كلا من المتقاطعين يولي صاحبه دبره ويعرض عنه ولا يسلم عليه ولا يرد عليه السلام قال النبي: (( لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام ) )أخرجه مسلم.

قال ابن عبد البر رحمه الله: قيل للإعراض مدابرة لأن من أبغض أعرض، ومن أعرض ولى دبره، والمحب بالعكس.

وقوله: (( ولا يبع بعضكم على بيع بعض ) )معنى ذلك أن يقول لمن اشترى سلعة في مدة الخيار افسخ هذا البيع وأنا أبيعك مثله بأقل أو أجود منه بثمنه فليتق الله المسلم وليقنع بما آتاه الله ولا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله.

نسأل الله الكريم من فضله ونشكره على نعمه. أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم...

الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

اتقوا الله عباد الله وكونوا عباد الله إخوانًا، أي تعاملوا وتعاشروا معاملة الإخوان ومعاشرتهم في المودة والرفق والشفقة والملاطفة والتعاون على الخير مع صفاء القلوب والنصيحة لكل إنسان وبكل حال، قال عليه الصلاة والسلام: (( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ) )فقوله لا يظلمه أي لا يجوز له ظلمه بقول أو فعل أو ترك بل يسعى في نصحه وإعطائه حقه وعدم الاعتداء عليه، وقوله: (( ولا يخذله ) )أي لا يترك نصرته وإعانته إذا استعان به في دفع الظلم عنه وهو يقدر على ذلك.

وقوله: (( ولا يحقره ) )أي يستصغر شأنه من أجل أنه أقل منه في علمه أو سنه أو في دنياه أو في مركزه ومنصبه أو في جاهه ونسبه أو في قبيلته أو عشيرته، فإن الاحتقار منشؤه الكبر والاستكبار والله لا يحب المستكبرين. وقد توعد عليه الصلاة والسلام من كان في قلبه كبر بعدم دخوله الجنة؛ حيث قال: (( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ) )فقيل له إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنًا فقال: (( إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس ) )رواه مسلم.

ومعنى قوله: (( بطر الحق ) )أي رده ودفعه إلى قائله، وقوله: (( وغمط الناس ) )أي احتقارهم وازدراؤهم وكفى بالاحتقار شرًا قوله عليه السلام بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم.

وقول النبي: (( التقوى هاهنا ) )ويشير إلى صدره ثلاث مرات، يدل على أن نظر الله تعالى إنما هو إلى القلوب والأعمال لا إلى الصور والأموال، وكما يحرم عليك ذم أخيك المسلم وماله فكذلك يحرم عليك عرضه بسب أو سلب.

قال بعض السلف: ليكن حظ أخيك المؤمن منك ثلاث: إن لم تنفعه فلا تضره، وإن لم تفرحه فلا تغمه، وإن لم تمدحه لا تذمه.

أيها المسلمون: إن أعداء الإسلام يفرحون بتفرق المسلمين واختلافهم وتباغضهم وتحاسدهم ليتمكنوا من الدخول عن طريق خلل الصفوف فكونوا رحمكم الله ـ متحابين متلاحمين ولا تدعوا فرجات لشياطين الإنس والجن بل اجتمعوا لطردهم واتحدوا لدحضهم وكونوا عباد الله إخوانًا لعلهم يموتون بغيظهم فيكفيكم الله شرهم ومكرهم وكيدهم، وما كيد الكافرين إلا في ضلال.

عباد الله صلوا وسلموا على خير خلق الله....

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت