فهرس الكتاب

الصفحة 5604 من 5777

الحجاب(2)

الأسرة والمجتمع, فقه

اللباس والزينة, المرأة

سعد بن عبد الله العجمة الغامدي

الطائف

سعيد الجندول

1-أدلة وجوب تغطية المرأة وجهها من القرآن. 2- أدلة وجوب تغطية المرأة وجهها من السنة النبوية.

أما بعد: فقد سبق الكلام في الخطبة السابقة عن وجوب الحجاب على المرأة المسلمة، وأوردت دليلين فقط من القرآن الكريم، وهما أعظم الأدلة وأوضحها لمن أراد العلم والعمل، وأعيدهما أيضًا لإتمام الفائدة، وهما قول الله عز وجل في سورة النور: وَقُل لّلْمُؤْمِنَـ?تِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَـ?رِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى? جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءابَائِهِنَّ أَوْ ءابَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى أَخَو?تِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـ?نُهُنَّ أَوِ ?لتَّـ?بِعِينَ غَيْرِ أُوْلِى ?لإِرْبَةِ مِنَ ?لرّجَالِ أَوِ ?لطّفْلِ ?لَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى? عَوْر?تِ ?لنّسَاء وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُواْ إِلَى ?للَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ?لْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور: 31] ، وفي سورة الأحزاب قول الله عز وجل: يأَيُّهَا ?لنَّبِىُّ قُل لاِزْو?جِكَ وَبَنَـ?تِكَ وَنِسَاء ?لْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَـ?بِيبِهِنَّ ذ?لِكَ أَدْنَى? أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ ?للَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [الأحزاب: 59] ، وكفى بهذين الدليلين إقناعًا لمن أراد الامتثال والطاعة لله ولرسوله، ومع هذا فأورد ما تيسر من الأدلة أيضًا.

الدليل الثالث: قول الله عز وجل: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَـ?عًا فَ?سْئَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذ?لِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ [الأحزاب: 53] .

فهذه الآية نص واضح في وجوب تحَجُّبِ النساء عن الرجال وتَسَتُّرِهِنَّ منهم، والحجاب هنا أعم وأشمل من غطاء الوجه والكفين، فالسؤال يكون من وراء ساتر ومانع من جدار أو باب أو حجاب أو ما تتغطّى به المرأة وتستتّر وتمنع الرجال من رؤيتها بأي حاجب وساتر. وقد أوضح الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أنَّ التَّحَجُّبَ أطْهَرُ لقلوب الرجال والنساء وأَبْعَدُ عن الفاحشة وأسبابها، وفي هذا إشارة إلى أن السفور وعدم التحجب خبث ونجاسة وأن التحجب طهارة وسلامة.

الدليل الرابع: قوله تعالى: وَ?لْقَوَاعِدُ مِنَ ?لنّسَاء ?لَّلَـ?تِى لاَ يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرّجَـ?تِ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَ?للَّهُ سَمِيعٌ عِلِيمٌ [النور: 60] .

يخبر سبحانه أن القواعد من النساء وهن العجائز اللاتي لا يرغبن في الزواج أنه لا جناح عليهن أنْ يَضَعْنَ ما يَلْبَسْنَهُ ويُغَطِّينَ به وُجُوهَهُنَّ وَأَيْدِيَهُنَّ إِنْ كُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ، فَعُلِمَ بذلك أن المتبرجة بالزينة ليس لها أن تضع ما يَسْتُرُ وجهها ويديها وغير ذلك من زينتها، وأن عليها جناحًا في ذلك ولو كانت عجوزًا؛ لأن لكل ساقطة في الحي لاقطة، ولأن التبرج يُفْضِي إلى الافتتان بالمتبرجة ولو كانت عجوزًا كبيرة في السِّنِّ، فكيف يكون الحال بالشَّابَّة والجميلة إذا تبرجت؟! لا شك أن إثمها أعظم، والجناح عليها أشد، والفتنة بها أكبر، وَشَرَطَ سبحانه في حق العجوز أن لا تكون ممن يرجو النكاح أي: لا ترغب في الزواج ولا تريده، وما ذاك والله أعلم إلا لأن رجاءها النكاح يدعوها إلى التجمل والتبرج بالزينة طمعًا في الأزواج، فَنُهِيَتْ عن وضع ثيابها عن محاسنها صيانةً لها ولغيرها من الفتنة. ثم ختم الآية سبحانه بترغيب القواعد في الاستعفاف، وأوضح عز وجل بأنه خير لهن وإن لم يتبرجن، فظهر بذلك فضل التحجب والتستر بالثياب ولو من العجائز، وأنه خير لهن من إبعاد وإلقاء الثياب الساترة لتلك الزينة؛ لئلا تراها أَعْيُنُ الرجال، فوجب أن يكون التحجب والاستعفاف عن إظهار الزينة خيرًا للشابات من باب أولى وأبعد لهن عن أسباب الفتنة.

وتنبيه لطيف يجدر بنا إيضاحه: عندما نهى الله عز وجل المؤمنات عن إبداء الزينة من المرأة، ومعلوم أن الزينة من ذهب وفضة وجواهر ثمينة وكحل وحناء وغيرها من الأصباغ إنما تتجمل بها المرأة وتضعها على وجهها ويديها لِتَجْذبَ بها الرجال إليها من زوج وغيره، فإذا نُهِيَتْ عن إبداء الزينة وأُمِرَتْ بِسَتْرِهَا وإخفائِهَا فلا يكون سترهَا إلا بستر الوجه والكفين، وهذه نقطة مهمة يجب التنبه لها وإدراكها ليتضح كثير من الملابسات.

الدليل الخامس: قول الله عز وجل: لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِى ءابَائِهِنَّ وَلاَ أَبْنَائِهِنَّ وَلاَ إِخْو?نِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاء إِخْو?نِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاء أَخَو?تِهِنَّ وَلاَ نِسَائِهِنَّ وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَ?تَّقِينَ ?للَّهَ إِنَّ ?للَّهَ كَانَ عَلَى? كُلّ شَىْء شَهِيدًا [الأحزاب: 55] .

قال ابن كثير رحمه الله: لما أمر الله النساء بالحجاب عن الأجانب بَيَّنَ سبحانه أنَّ هؤلاء الأقارب لا يجب الاحتجاب عنهم كما استثناهم في سورة النور عند قوله تعالى: وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءابَائِهِنَّ الآية [النور: 31] ، فَبَيَّنَ تعالى أن المرأة المسلمة لا جناح ولا إثم عليها في هؤلاء الأصناف من الأقارب في أنْ تُبْدِيَ وجهها وكفيها وزينتها الظاهرة لهم، وكذلك لعمّها أخِي أَبِيها، ولخالها أَخِي أُمِّها، ولِزَوْجِ الأمِّ قَبْلَ أبيها أو بعده من السُّنَّةِ المطهرة ومن القرآن الكريم في سورة النساء عند ذِكْرِ المحرمات على الرجال، أما من عداهم من الرجال فالآيات صريحة في ذلك حيث تكرر هؤلاء الأصناف في سورة النور وسورة الأحزاب، فالإثم واقع على المرأة المسلمة لا محالة إن هي أبدت وجهها وكفيها وزينتها الظاهرة لهم وإن كان لأخي الزوج أو أبناء عمه أو الأرحام والأصهار فيما جرت به العادة عند كثير من المسلمين حيث تكشف المرأة وتظهر سافرة أمامهم، فهذا لا يجوز فِعْلُهُ أبدًا، فَالْحَمْوُ هو الموت كما ورد في الحديث أن رسول الله قال: (( إياكم والدخول على النساء ) )، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟ قال: (( الحموُ الموتُ ) )رواه البخاري ومسلم.

ثم لنتأمل التعقيب الإلهي بعد ذكر من يجوز للمرأة أن تكشف لهم عن وجهها وكفيها لئلا تسول لها نفسها الأمارة بالسوء وكذلك شياطين الإنس والجن عند غياب زوجها عنها أو من يأمرها بالحجاب، فعند غياب الآمِرِ لها بالحجاب قد يدخل عليها الْحَمْوُ أو ابْنُ الْعَمِّ أو ابنُ الْخَالِ أو الصِّهْرُ أو غيرُهم من القرابة بحضرة الأم أو الأخت، أو قد يكون أحد أقربائها الرجال ويقولون لها: اكْشِفِي عن وجهك لا شيء في ذلك، إن زوجك غائب أو أباك غير موجود أو من يأمرها بالحجاب، وتنخدع بكلامهم ويقع الجميع في الإثم وفي سخط الله عز وجل، وقد يَجُرُّ ذلك إلى وقوع الفاحشة بعد مدة سواء طال الزمن أو قَصُرَ، ولنستمع إلى التعقيب الإلهي من الله عالم الغيب والشهادة الذي يَعْلَمُ خَائِنَةَ ?لأعْيُنِ وَمَا تُخْفي ?لصُّدُورُ حيث قال سبحانه: وَ?تَّقِينَ ?للَّهَ إِنَّ ?للَّهَ كَانَ عَلَى? كُلّ شَىْء شَهِيدًا [الأحزاب: 55] ، فعلى المؤمنات أن يتقين الله تعالى ولا يبدين زينتهن إلا لمن رخص لهن الله تعالى فيهم، وما عداهم فإن الله سَيُحَاسِبُهُنَّ عليهم، فهو على كل شيء شهيد مهما اخْتَفَيْنَ عن أعين الناس من أولياء أمورهن الذين لا يرضون ذلك، ومهما تَسَتَّرْنَ أو دَلَّسَ عليهن مُدَلِّسٌ أو مدلسة من أهل القلوب المريضة، فإن الله تعالى بالمرصاد، فعلى كل مؤمنة بالله أن تحتجب عن كل أجنبي يجوز له الزواج منها سواء كان قريبًا أو بعيدًا، وعلى كل مؤمن ولي أمر امرأة مؤمنة أنْ يُلْزِمَهَا الحجاب الشرعي ويُعَوِّدَهَا عليه من سِنٍّ مبكرة حتى تعتاده وتلتزم به.

تلك هي أدلة القرآن الكريم، أما السنة المطهرة فمنها ما يلي:

1-أن النبي لما رَغَّبَ في إخراج النساء حتى الحائض إلى مصلى العيد ليشهدن الخير ودعوة المسلمين قُلْنَ: يا رسول الله، إحدانا لا يكون لها جلباب! فقال النبي: (( لِتُلْبِسها أختُها من جِلْبَابِهَا ) )رواه البخاري ومسلم وغيرهما. فهذا الحديث يدل على أن المعتاد عند نساء الصحابة أن لاَّ تخرج المرأة إلا بجلباب، وعند عدمه لا يمكن أن تخرج بغير جلباب إلى مصلى العيد أو غيره، وقد سبق تعريف الجلباب.

2-قوله: (( إذا خَطَبَ أحدُكم امرأةً فلا جناح عليه أن ينظر منها ـ إذا كان إنما ينظر إليها لِخِطْبَةٍ ـ وإن كانت لا تعلم ) ). فنفي النبي الجناح وهو الإثم عن الخاطب خاصة إذا نظر إلى مخطوبته بشرط أن يكون نظرُه إليها لِلْخِطْبَةِ، وفيه الدلالة على أن غَيْرَ الخاطب آثِمٌ بالنظر إلى الأجنبية عنه والتي يجوز له زواجُها، وكذلك الخاطب يَأْثَمُ إذا نظر لغير الْخِطْبَةِ كالتلذذ والتمتع بالنظر إليها. ومعلوم أن النظر إلى الوجه هو الأساس وما سواه تَبَعٌ ولا يُقْصَدُ غالبًا، وقد وردت عدة أحاديث في ذلك عن رسول الله.

3-عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله يصلي الفجر فيشهد معه نساء من المؤمنات مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد من الْغَلَسِ، وقالت: لو رأى رسول الله من النساء ما رأينا لمنعهن من المساجد كما منعت بنو إسرائيل نساءها.

4-وورد أيضًا عن عائشة رضي الله عنها قَوْلُهَا: (رحم الله نساء الأنصار؛ لما نزلت آيات الحجاب في الليل شَهِدْنَ صلاة الصبح مع النبي وَكَأَنَّ على رؤوسهن الْغِرْبَان) ، وهذا دليل على سرعة الامتثال لأمر الله وأمر رسوله، وأن الحجاب لم يُفْرَضْ عليهن في مكة، وإنما كان في المدينة في السنة السادسة من الهجرة كما ثبت في السنة.

5-قال رسول الله: (( مَنْ جَرَّ ثوبَه خُيَلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة ) )، فقالت أم سلمة رضي الله عنها: فكيف تصنع النساء بِذِيُولِهِنَّ؟! قال: (( يُرْخِينَهُ شِبْرًا ) )، قالت: إذًا تنكشف أقدامُهنَّ، قال: (( يُرْخِينَ ذِرَاعًا ولا يَزِدْنَ عليه ) ). ففي هذا الحديث دليل على وجوب سَتْرِ قَدَمِ المرأة، ومعلومٌ أنَّ الْقَدَمَ أَقَلُّ فتنةً من الوجه والكفين، فالتنبيه بالأدنى تنبيه على ما فوقه وما هو أولى منه بالحكم، فدل ذلك على وجوب ستر الوجه والكفين.

6-ثبت في الصحيحين وغيرهما أن المرأة المحرمة بحجّ أو عمرة تُنْهَى عن لبْسِ النِّقَابِ والْقُفَّازَيْنِ، فالنقاب: هو الغطاء الْمُخَرَّقُ منه للعينين وتضعه المرأة على وجهها، والقفاز: ما تلبسه المرأة على كفيها لتستر به كفيها عن الأجانب، وهذا دليل على أن لبْسَ القفاز للنساء كان معروفًا من زمن رسول الله وليس مُبْتَدعًا الآن كما يعتقده بعض الناس ويتكلم فيه قَلِيلُو الفقه في الدين ومرضى القلوب من المنافقين، بل إن ذلك مَعْمُولٌ به في الزمن الأول منذ عهد الرسول.

الحمد له حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، أحمده سبحانه وبحمده وأشكره وأثني عليه الخير كله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبد الله ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه.

أما بعد: فالدليل السابع من السنة ما ورد عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: (كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع الرسول ، فإذا حاذونا سَدَلَتْ إحدانا جِلْبَابَهَا على وجهها من رأسها، فإذا جاوزونا كشفناه) . فقولها رضي الله عنها: (سدلت إحدانا جلبابها على وجهها من رأسها) هذا توضيح لما يتمسك به مرضى القلوب والمشككون في وجوب الحجاب على المرأة المسلمة، توضيح لا إشكال فيه بأن الجلباب المقصود به غطاء الوجه الذي تسدله المرأة من فوق رأسها وتضعه على وجهها، وهو دليل على وجوب ستر الوجه حتى ولو في الإحرام؛ لأن المشروع بل الواجب في الإحرام كشف الوجه بالنسبة للمرأة ما لم تكن بحضرة أجانب عنها، فلولا وجود مانع قوي من كشفه حينئذٍ لوجب بقاؤه مكشوفًا حتى ولو مرَّ بهم الركبان، فمع أن كشف الوجه في الإحرام واجب على النساء عند أكثر أهل العلم إلا أن الواجب لا يعارضه إلا ما هو أوجب منه، فلولا وجوب الاحتجاب وتغطية الوجه عن الأجانب وكان أعظم وجوبًا ما سَاغَ تَرْكُ الواجب الآخر وهو كشفه حال الإحرام. فهذا دليل قاطع إلى جانب الأدلة السابقة واللاحقة.

8-ثم يأتي دليل آخر من عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها في حديث الإفك حينما روت قصة ذلك بنفسها في عدة روايات عنها في الصحيحين وغيرهما بألفاظ في غاية الوضوح والدلالة القطعية على أن الحجاب المقصود هو: تغطية المرأة لوجهها لئلا يراها الرجال من غير محارمها، قالت رضي الله عنها عن صفوان بن المعطل: (فعرفني حين رآني، وكان قد رآني قبل الحجاب، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ، فَخَمَّرْتُ وجهي بجلبابي) ، وفي رواية أخرى: (فعرفني حين رآني، وكان قد رآني قبل أَنْ يُفْرَضَ علينا الحجابُ) ، وفي رواية: (قبل أن يُضْرَبَ علينا الحجاب) . فقولها رضي الله عنها: (قبل أن يفرض علينا الحجاب) وتخميرها لوجهها بجلبابها دليل على أن تغطية الوجه في بداية الإسلام لم يكن واجبًا إنما كان الوجوب بعد نزول آيات الحجاب، ودليل قاطع لمواجهة مرضى القلوب من الفاسقين والمنافقين المشككين في وجوب تغطية وجه المرأة عن الأجانب عنها ولا يستطيعون الْقَدْحَ فيه وفي عِبَارَاتِه وجُمَلِهِ السابقة التي منها: (فعرفني حين رآني وكان قد رآني قبل الحجابِ) ، وقولها: (فَخَمَّرْتُ وجهي بجلبابي) ، وقولها: (وكان قد رآني قبل أن يُفْرَضَ علينا الحجابُ) ، وقولها: (قبل أن يُضْرَبَ علينا الحجابُ) ، وغيرها مما يُلْقِمُ الفاسقَ والمنافقَ الحجَارةَ في فَمِهِ حتى تُسْكِتَهُ، ذلك الشخص الذي في قلبه زيغ ويتبع المتشابه مما ورد في القرآن الكريم والسنة الشريفة كما ذكر الله ذلك عنهم في الآية التالي ذكرها.

وها هم دعاة الضلالة ممن ينتسب للإسلام يريدون أن تخلع المرأة المسلمة حجابها وتقود السيارة وتختلط بالرجال وتزاحمهم في العمل وأماكن تجمعاتهم، قال تعالى: هُوَ ?لَّذِى أَنزَلَ عَلَيْكَ ?لْكِتَـ?بَ مِنْهُ آيَـ?تٌ مُّحْكَمَـ?تٌ هُنَّ أُمُّ ?لْكِتَـ?بِ وَأُخَرُ مُتَشَـ?بِهَـ?تٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـ?بَهَ مِنْهُ ?بْتِغَاء ?لْفِتْنَةِ وَ?بْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ?للَّهُ وَ?لرسِخُونَ فِي ?لْعِلْمِ يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ?لألْبَـ?بِ رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ ?لْوَهَّابُ [آل عمران: 7، 8] .

9-دليل آخر روته أيضًا السيدة عائشة رضي الله عنها حيث قالت: (خرجت سودة بنت زمعة بعدما ضُرِبَ الحجابُ لحاجتها...) إلى آخر الحديث الطويل، فالشاهد قولها رضي الله عنها: (بعدما ضُرِبَ الحجابُ) أي: أن الحجاب لم يكن مأمورًا به في بداية الإسلام، وإنما جاء الأمر من الله عز وجل فيما بعد، ولم يفرضه رسول الله من عند نفسه، بل كان التشريع من الله تعالى، مع أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه من شدة غَيْرَتِهِ قال لرسول الله: يدخل عليك البَرُّ والفَاجِرُ، أَلاَ تَأْمُر نساءَكَ بالحجاب؟! فلم يُجِبْهُ رسولُ الله إلى ذلك؛ لأن التشريع من عند الله تعالى وليس من عنده ، فنزلت آيات الحجاب بعد ذلك، وكانت تلك من موافقاته لأمر ربه التي رويت عنه رضي الله عنه.

فيا أيها المؤمنون، إن الأدلة كثيرة ولا يتّسع المقام لذكرها وتفصيلها، بل الإجمال فيها كان أقرب فيما ذُكِرَ فقط، فمن أراد الامتثال لأمر الله ورسوله فيكفيه دليل واحد من القرآن أو السنة، وعليه أن يلزم أهله ومن تحت يده من النساء بالحجاب الشرعي وليكن غيورًا عليهم، ويخبرهن ويفهمهن بأن ذلك أمر الله وأمر رسوله، وأن يبتغين به وجه الله ليكون لهن الأجر العظيم من الله جل جلاله، وأنْ يَقْبَلْنَ ذلك عن رِضَا وقناعةٍ وحُبٍّ لله ورسوله، لا أن يعملن به عن كراهية وبُغْضٍ أو عن عادة يُسَايِرْنَ فيه غيرهن، فمتى كان عن كراهية وبغض ولو عَمِلْنَ به فإن ذلك من نواقض الإسلام، ومثلهن في ذلك من يُرَبِّي لِحْيَتَهُ وهو كَارِهٌ ومبغضٌ لعمله ذلك، فمع أنه عَمِلَ بالواجب لكن الكراهة والبغض في قلبه تحبط عمله ويصبح منافقًا لأنه لم يفعلها طاعة لله ورسوله وحبًا وتقربًا وعبادة لله تعالى، وأعظم من ذلك وأشد جرمًا من يربي لحيته للتدليس والتستر لفعل الجرائم والموبقات مع أنه قد لا يصلي، أو يصلي ويفعل ذلك لإيهَامِ الناس والتَّغْرِيرِ بهم أو الاصطياد في الماء الْعَكِرِ أو لقضاء حاجات بلحيته تلك صغرت أو كبرت، فإذا خفي مقصده عن البشر فلا يخفى على الله الذي يعلم السر وأخفى.

فعلى كل مسلم أن يلزم أهله بالحجاب الشرعي طاعة وعبادة لله ليحوزوا جميعًا على الأجر العظيم من الله جل وعلا؛ لأن الدال على الخير والداعي إلى الهدى له من الأجر كأجور من عمل به. فمتى كان العمل كذلك تظهر آثاره الطيبة في المجتمع وفي الأسر، ومتى كان العكس فالشر والوبال على أصحابه أولًا، ثم يسري ذلك على المجتمع عياذًا بالله من كل سوء.

وأعود للتذكير بالآيات القرآنية السابق ذكرها في الجمعتين وآيات أخرى لها ارتباط بها، ففيها الشفاء بإذن الله عز وجل، وهي طابع وخاتم جميل بليغ في نهاية كل خطبة، وإذا تُلِيَتْ في صلاة الجمعة بعد الخطبة المناسبة كانت أبلغ وأشد تأثيرًا في المستمعين، وأتمنى أن يَتْلُوَ كلُّ مسلم سورتي النور والأحزاب من البداية حتى النهاية ويربط بين الآيات وبين أول السورة وآخرها ويتأمل كل ما ورد فيهما من أحكام وعبر وعظات بعد قراءة التفسير لها، علمًا بأن هذه السلسلة من الخطب عن حادثة الإفك وقذف المؤمنات بالفاحشة والحجاب وزواج زينب بنت جحش رضي الله عنها وإبطال عادة التبني كلها من هاتين السورتين:

قال الله جل جلاله: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور: 30، 31] .

وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِ مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِ مِنْ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلا أَبْنَائِهِنَّ وَلا إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلا نِسَائِهِنَّ وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلًا مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [الأحزاب: 53-62] .

وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنْ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمْ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَالْقَوَاعِدُ مِنْ النِّسَاءِ اللاَّتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [النور: 58-61] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت