العلم والدعوة والجهاد
العلم الشرعي
خالد بن عبد الله المصلح
عنيزة
جامع العليا
1-فضل العلم في الكتاب والسنة. 2- حاجة الأمة للعلم الشرعي. 3- سبل تحصيل العلم. 4- العلم الشرعي فضل ومِنّة من الله تعالى. 5- توجيهات عامة لطالب العلم. 6- العلم نوعان: ضروري، وكفائي. 7- تيسّر العلم في هذا الزمان.
الحمد لله الذي شيد منار الدين وأعلامه، وأظهر للخلق شرائعَه وأحكامَه، وشرح صدور من أراد هدايتهم للإسلام، ونوّر بالعلوم والمعارف الإلهية بصائر ذوي العقول والأفهام، أحمده تعالى وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهد بذلك لنفسه في كتابه، واستشهد على ذلك بالملائكة الأبرار، وأولي العلم الراسخين الأخيار، فقال تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ [آل عمران:18] . والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة للعالمين، يتلو عليكم آياته، ويزكيكم، ويعلمكم الكتاب والحكمة، ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون، فصلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه الطيبين، وعلى سائر عباد الله الصالحين.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن أفضل ما اكتسبته النفوس وحصلته القلوب وعمرت به الأوقات ونال به العبد الرفعة في الدارين هو العلم الذي يورث الإيمان، ولذا قرن الله سبحانه وتعالى بينهما فقال: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11] . فالعلم حياة القلوب ونور البصائر وشفاء الصدور، وهو الميزان الذي يوزن به الرجال، وتوزن به الأقوال والأعمال. به يتمكن العبد من تحقيق العبودية لله الواحد الديان، فهو الكاشف عن الشبهات، والمزيل للشهوات. مذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وطلبه قربة، وبذله صدقة، ومدارسته تعدل الصيام والقيام.
فالحاجة إلى العلم فوق كل حاجة، فلا غنى للعبد عنه طرفة عين، قال الإمام أحمد رحمه الله:"الناس إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب، فالرجل يحتاج إلى الطعام والشراب مرة أو مرتين، وحاجته إلى العلم بعدد أنفاسه".
وكيف لا تكون هذه منزلة العلم؟! وهو الذي به يعرف العبد ربه وأسماءه وصفاته وأفعاله وأمره ونهيه، وبهذه المعارف يحصّل العبدُ أكملَ السعادات وأشرفَ الغايات، به يُخرج الله العباد من الظلمات إلى النور، قال الله تعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122] .
ولما كانت هذه منزلة العلم ومكانته جاءت نصوص الوحيين متضافرةً في الحث عليه، وبيان فضله، وفضل أهله، وشحذ الهمم إليه.
فمما ورد في ذلك قوله تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11] ، وقال الله تعالى: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَاب [الرعد:19] . فما ثمّ إلا عالم أو أعمى، وأهل العمى هم أهل الجهل والضلال.
وقال الله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] ، قال ابن كثير رحمه الله:"أي: إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به؛ لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم، الموصوف بصفات الكمال، المنعوت بالأسماء الحسنى، كلما كانت المعرفة به أتم والعلم أكمل كانت الخشية له أعظم وأكثر".
وقال الله تعالى: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا [البقرة:269] ، ففيها أن أفضل ما يعطى المرء القرآن والسنة.
وأما ما ورد عن النبي في بيان فضل العلم والحث عليه فأكثر من أن نحيط به في هذه العُجالة، فمن ذلك ما أخرجه الشيخان عن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين ) ) [1] . وهذا يدل على أن من لم يفقهه الله في الدين فإنه لم يرد به خيرًا، وأن من أراد به خيرًا رزقه فقهًا في الدين، مصاحبًا للعمل بهذا الفقه.
ومن أعظم ماورد في بيان فضل العلم والحث عليه ما رواه أصحاب السنن عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: (( من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضًا لطالب العلم، وإن طالب العلم يستغفر له من في السماء والأرض، حتى الحيتان في الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء هم ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر ) ) [2] .
وهذه الفضائل والمناقب التي جعلها الله تعالى للعلم توضح مدى أهميته وأثرِه في تحقيق عبودية الله سبحانه، وإصلاح أحوال الخلق.
والعلم الذي وردت فيه هذه المزايا إنما هو علم الوحيين: الكتاب والسنة.
قال ابن القيم رحمه الله:
العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه
وأمتنا اليوم هي أشد ما تكون حاجةً إلى العلم النافع الصحيح، وإلى العلماء الذين يذبون عن أركان الشريعة، وهم أمناء الله من خلقه، وهم الواسطة بين النبي وأمتِه، المجتهدون في حفظ ملته، الذين هم بالشرع مستمسكون، ولآثار الصحابة والتابعين مقتفون، لا يعرجون على الأهواء، ولا يلتفتون إلى الآراء، يبلغون رسالات الله ويخشونه، ولا يخشون أحدًا إلا الله.
فيا أمة العلم والقرآن، هلا شمرنا عن سواعد الجد والاجتهاد، وهجرنا السِنَةَ والرقاد، وجفونا الملاهي والملذات، في سبيل تحصيل العلم الذي به تسمو الأقدار، وتشرئب إلى أهله القلوب والأبصار، وتحصل به الدرجات الكبار، إذ العلم عز لا تثلمه الليالي والأيام، ولا تنحفه الدهور والأعوام، فهو هيبةٌ بلا سلطان، وغنى بلا مال، ومنعةٌ بلا أعوان.
فعليكم ـ أيها الإخوة الكرام ـ بميراث الأنبياء فاطلبوه من مظانه، واجتهدوا في تحصيله الليالي والأيام، وابذلوا في سبيل ذلك الأنفس والأموال، واسألوا الله سبحانه التوفيق إلى التمام والكمال، واستعينوا على ذلك بالإخلاص والذكر اللذين بهما تُجتاز هذه المفاوز والقفار.
ومما يؤزنا إلى العلم أزًا، ويدفعنا إليه دفعًا أن نعلم أنه بالعلم يعبدُ المرءُ ربَه على بصيرة وهدى، وبالعلم يدعو أهل الدعوة الخلق إلى الله على مناهج أولي الأبصار والنهى، وبالعلم نميز الحق من الباطل، ونفرق بين الهدى والضلال.
وبالعلم الصحيح الصادق والدعوة الخالصة المثابرة والجهاد الدائم في سبيل الله تخرج أمتنا من أنفاق التعاسات والظلمات والانتكاسات إلى ساحات السعادات والأنوار والانتصارات، قال الله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور:55] . ولن يكون إيمان وعمل صالح إلا بعلم نافع، ولا استخلاف ولا تمكين إلا بدعوة وجهاد.
تعلّم فإن العلم زين لأهله وفضلٌ وعنوان لكل المحامد
تفقه فإن الفقه أفضل قائد إلى البر والتقوى وأعدل قاصد
هو العَلمُ الهادي إلى سنن الهدى هو الحصن ينجي من جميع الشدائد
[1] أخرجه البخاري في العلم (69) , ومسلم في الزكاة (1719) .
[2] أخرجه الترمذي في العلم (2606) , وابن ماجه في المقدمة (219) .
الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على نبينا محمد، المبعوث إلى عامة الورى بالحق والهدى والنور والضياء، وعلى آله وأصحابه الأطهار الأنقياء، وعلى سائر عباد الله الأتقياء.
أما بعد: عباد الله، اعلموا أننا عندما نتحدث ونتكلم عن العلم وفضله ومنزلة أهله، فإننا لا نخاطب بذلك فئة من الناس، أو شريحة من المجتمع، بل نتحدث ونخاطب الجميع؛ الصغير والكبير، الذكر والأنثى، فالعلم ليس وقفًا على طائفة من الناس، لا يَرِده غيرهم، بل هو مطلب للجميع، إذ العلم يحتاجه كل أحد.
فحري بنا ـ كبارًا وصغارًا، ذكورًا وإناثًا ـ أن نبذل قُصارى جهدنا في تحصيل العلم وكسبه. فلا يمنعن كبيرًا كِبَرُ سنه أن يطلب العلم ويتفقه، ويستدرك ما فات من عمره، فإن استدراك المعالي فضيلة، ولأن تكون كبيرًا متعلمًا أولى من أن تكون كبيرًا جاهلًا، وقد حُكي أن بعض العلماء رأى شيخًا كبيرًا يحب العلم ومجالسه، إلا أنه يستحي من كبر سنه، فقال له:"يا هذا، أتستحي أن تكون في آخر عمرك أفضل منك في أوله؟!".
والمطالع في سير العلماء الفضلاء والأئمة النبلاء يرى أن بعض كبار من ذاع صيتُهم، وعلا ذكرهم، وترددت أسماؤهم في مجالس الذكر وكتب العلم ودواوين السنة لم يبدؤوا رحلتهم في طلب العلم وتحصيله إلا بعد أن تقدمت بهم السن، ومع هذا كله حازوا الفضائل وبلغوا الأماني، وكان لهم من الأثر في زمانهم وبعده ما حفظه التاريخ لهم، والسر في هذا: أن العلم فضلٌ من الله تعالى ومنَّة ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد:21] .
فليست الفضائل العلمية والمراتب العلية مرهونة بالأسباب المادية؛ من حضور الحِلَق وقراءة الكتب وثني الركب فحسب، بل الأمر أعظم من ذلك، فالعلم حقيقته ما قاله الأول:
فتلك مواهب الرحمن ليست تحصل باجتهاد أو بكسب
ولكن لا غنى عن بذل جهدٍ بإخلاص وجد لا بلعب
فعليكم ـ يا من سلكتم دروب العلم وركبتم مناهج الطلب ـ بصدق التوجه إلى الله تعالى، ودعائه بذُلٍّ وخضوع أن يرزقكم علمًا نافعًا، قال الله تعالى: مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [فاطر:2] .
أيها المؤمنون، اعلموا أن من العلم ما لا يعذر العبد بجهله وتركه، وضابط هذا العلم أنه هو الذي يستقيم به دين العبد، سواءُ كان ذلك في العقائد أو الأحكام، ويجمع أصول ما يجب معرفته في العقائد والأحكام حديث جبريل الطويل، والذي فيه أنه سأل النبي عن الإسلام والإيمان والإحسان، وعن أمارات الساعة، فإن في آخر الحديث قال النبي لأصحابه: (( فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ) ) [1] .
وقد تيسرت للأمة في هذه الحقبة من التاريخ سبلُ العلم ووسائل تحصيله، فالدروس قائمة، والمحاضرات متوافرة، والأشرطة العلمية والكتب الدينية منتشرة ميسرة. فهل بعد هذا من عذر؟! أم هل بعد ذاك من مبررٍ لتفشي الجهل بين الأمة ؟!
لا، ولكنه الإعراض عن الخير، والزهد في البر، والرضا بالجهل، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فمن كانت هذه حاله فإنه يُخشى أن لا يُرجى فلاحه، ولا يؤمل صلاحه، فإن من أعرض عن العلم أعرض الله عنه، ومن تركه وأدبر عنه كان ضلاله مستحكمًا، ورشاده مستبعَدًا، وكان هو الخامس الهالك الذي قال فيه علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (اغد عالمًا، أو متعلمًا، أو مستمعًا، أو محبًا، ولا تكن الخامس فتهلِك) . وقال ابن القيم رحمه الله:
والجهل داء قاتل وشفاؤه أمران في التركيب متفقان
نص من القرآن أو من سنة وطبيب؛ ذاك العالم الرباني
وفقنا الله وإياكم إلى العلم النافع الراسخ، ورزقنا منه أوفر الحظ والنصيب.
[1] أخرجه مسلم في الإيمان (9) .