فهرس الكتاب

الصفحة 2574 من 5777

شروط لا إله إلا الله

التوحيد

شروط التوحيد

عبد المجيد بن عبد العزيز الدهيشي

المجمعة

الجامع القديم

1-خلق الله الخلق لعبادته وتوحيده. 2- أهمية كلمة التوحيد والأحكام المترتبة عليها. 3- شروط لا إله إلا الله. 4- الثبات عليها حتى الممات.

أما بعد: فلو سئل أي واحد منا صغيرًا كان أو كبيرًا، لم خلقنا الله تعالى لأجاب على الفور: خلقنا الله تعالى لعبادته، والدليل قوله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ ?لْجِنَّ وَ?لإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] ، وهذا من فضل الله على العبد أن يعلم الغاية التي خلق لأجلها، والوظيفة التي طلبت من ابن آدم، وهي بلا ريب وظيفة كبرى، تستدعي العناية بها والتفقه في أحكامها والمراد منها.

ومن رحمة الله بخلقه أن بعث إليهم الرسل، وأنزل معهم الكتب والشرائع، التي تتفق مع فطرة هذا الإنسان، التي فطره الله تعالى عليها؛ من الإيمان بالله سبحانه وتعالى، الخالق المعبود، الذي لا يستحق العبادة أحد سواه. وقد جاء الرسل جميعهم بدعوة الإسلام وكلمة التوحيد.

والتوحيد: هو قاعدة كل دين جاء به رسول من عند الله تعالىٌ. ويقرر الله سبحانه وتعالى هذه الحقيقة ويؤكدها، ويكررها في قصة كل رسول على حدة، كما يقررها في دعوة كل الرسل إجمالًا، على وجه القطع واليقين: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ ?عْبُدُواْ ?للَّهَ وَ?جْتَنِبُواْ ?لْطَّـ?غُوتَ [النحل:36] ، فالتوحيد مفتاح دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهو أول واجب وأول ما يدخل به المرء في الإسلام، ولهذا قال النبي لمعاذ بن جبل عندما بعثه إلى اليمن: (( إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: عبادة الله وحده ) )، وفي رواية: (( فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله عز وجل، افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله تعالى، افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم وتُردُّ إلى فقرائهم ) )أخرجه البخاري ومسلم. وقال رسول الله: (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله عز وجل ) )رواه البخاري ومسلم، فهذه الكلمة التي تعصم الدم والنفس، وينجو بها العبد، هي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وهي الكلمة التي يدخل بها العبد الجنة برحمة الله، وهي الكلمة التي تعصم صاحبها من الوقوع في النار والعياذ بالله تعالى، فقد قال رسول الله: (( أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة ) ). رواه مسلم، وعن عثمان، ، قال: قال رسول الله: (( من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة ) )رواه مسلم، وعن معاذ عن النبي قال: (( ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله صدقًا من قلبه إلا حرمه الله على النار ) )أخرجه البخاري.

فهذه الكلمة العظيمة يا عباد الله أمرها جلل وأهميتها من الدين بمكان، فالواجب العناية بها وتحقيق معناها وشروطها، وقد يصاب بعض الناس بالغفلة عن حقيقة التوحيد وشرط النجاة، ويغتر بكلمة يديرها على لسانه، دون أن يفقه معناها، يظنها مفتاحًا للجنة، بمجرد نطقها باللسان، غافلًا عن شروطها التي ينبغي أن تتحقق، ومقتضياتها التي ينبغي أن يعمل بها، لتكون مفتاحًا صالحًا لدخول الجنة والنجاة من النار، فقد قيل للحسن البصري رحمه الله: إن أناسًا يقولون: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة؟ فقال: من قال لا إله إلا الله، فأدى حقها وفرضها دخل الجنة. وقيل لوهب بن منبه: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: بلى، ولكن ما من مفتاح إلا له أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك.

وقد استنبط العلماء رحمهم الله تعالى لتحقيق هذه الشهادة شروطًا لابد من توافرها، مع انتفاء الموانع، حتى تكون كلمة"لا إله إلا الله"مفتاحًا للجنة، وهذه الشروط هي أسنان المفتاح، ولابد من أخذها مجتمعة، فأول هذه الشروط يا عبدالله أن تعلم معنى كلمة التوحيد"لا إله إلا الله"، فهي تنفي الألوهية عن غير الله تعالى وتثبتها له سبحانه، فلا معبود بحق إلا الله، ومن الأدلة على هذا الشرط: قول الله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد:19] ، وأخرج مسلم عن عثمان ، قال: قال رسول الله: (( من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة ) ).

ويكتمل هذا الشرط بما يليه، وهو الشرط الثاني: وهو اليقين المنافي للشك: ومعنى ذلك أن تستيقن يقينًا جازمًا بمدلول كلمة التوحيد، لأنها لا تقبل شكًا، ولا ظنًا، ولا ترددًا ولا ارتيابًا، بل ينبغي أن تقوم على اليقين القاطع الجازم. فقد قال الله تعالى في وصف المؤمنين الصادقين: إِنَّمَا ?لْمُؤْمِنُونَ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ بِ?للَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَـ?هَدُواْ بِأَمْو?لِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ?للَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ ?لصَّـ?دِقُونَ [الحجرات:15] ، فلا يكفي مجرد التلفظ بالشهادتين، بل لابد من استيقان القلب، والبعد عن الشك، فإن لم يحصل هذا اليقين فهو النفاق، والمنافقون هم الذين ارتابت قلوبهم، قال الله تعالى: (( إنَّمَا يَسْتَئْذِنُكَ الَذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ وارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ) )، وإذا علمت، وتيقنت، فينبغي أن يكون لهذا العلم اليقيني أثره، فيتحقق الشرط الثالث وهو: القبول لما اقتضته هذه الكلمة، بالقلب واللسان: فمن رد دعوة التوحيد ولم يقبلها كان كافرًا، سواء كان ذلك الرد بسبب الكبر أو العناد أو الحسد.

أما الشرط الرابع: فهو الانقياد للتوحيد الذي دلت عليه هذه الكلمة العظيمة، انقيادًا تامًا، وهذا الانقياد والخضوع هو المحك الحقيقي للإيمان وهو المظهر العملي له، وهو: أن يسلم العبد ويستسلم بقلبه وجوارحه لله تعالى، وينقاد له بالتوحيد والطاعة، كما قال سبحانه: وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ?للَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ ?سْتَمْسَكَ بِ?لْعُرْوَةِ ?لْوُثْقَى? [لقمان:22] ، وأقسم سبحانه وتعالى بنفسه أنه لا يؤمن المرء حتى ينقاد لحكم الله وحكم رسوله: فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى? يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [النساء:75] .

والشرط الخامس: الصدق في قول كلمة التوحيد، صدقًا منافيًا للكذب والنفاق، حيث يجب أن يواطئ قلبه لسانه ويوافقه، فإن المنافقين يقولونها بألسنتهم، ولكن لم يطابق هذا القول ما في قلوبهم، فصار قولهم كذبًا ونفاقًا مخالفًا للإيمان، وأنزلوا في الدرك الأسفل من النار، قال سبحانه عن المنافقين يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ [الفتح:11] .

والشرط السادس لتحقيق كلمة التوحيد: المحبة فيحب المؤمن هذه الكلمة، ويحب العمل بمقتضاها ويحب أهلها العاملين بها، وإلا لم يتحقق الإيمان ولم تكتب له النجاة، وعلامة حب العبد ربه تقديم محابه وإن خالفت هواه، وموالاة من والى الله ورسوله، ومعاداة من عاداه، واتباع رسوله واقتفاء أثره وقبول هداه.

ومتى استقرت هذه الكلمة في النفس والقلب، فإن حبها يملأ القلب فلا يتسع لغيرها، وعندئذ يجد حلاوة الإيمان، كما في الحديث الصحيح: (( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواه، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار ) ).

وسابع هذه الشروط: الإخلاص، ومعناه: صدق التوجه إلى الله تعالى وتصفية العمل بصالح النية من كل شائبة من شوائب الشرك وألوانه. وقد تواردت الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة، تؤكد هذا الشرط، وتجعله سببًا لقبول الأعمال عند الله تعالى. قال الله سبحانه وتعالى: وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ?للَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ?لدّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُواْ ?لصَّلَو?ةَ وَيُؤْتُواْ ?لزَّكَو?ةَ وَذَلِكَ دِينُ ?لقَيّمَةِ [البينة:5] ، والآيات والأحاديث في الإخلاص كثيرة جدًا، فهو سبب القبول عند الله عز وجل، فلا يقبل الله تعالى من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه وموافقًا لشرعه.

فهذه أيها المؤمنون شروط كلمة التوحيد، فلنعلمها ولنعلّمها، إذ إن النجاة منوطة بها، والفوز الحقيقي معلق بها كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ?لْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ?لنَّارِ وَأُدْخِلَ ?لْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما ?لْحَيَو?ةُ ?لدُّنْيَا إِلاَّ مَتَـ?عُ ?لْغُرُورِ [آل عمران:186] .

أقول..

أما بعد: فيا عباد الله، وبعد تحقيق هذه الشروط مجتمعة، لابد من الإقامة على هذه الكلمة حتى الموت، ليختم للعبد بها ختامًا حسنًا، فإنما الأعمال بالخواتيم، ففي حديث مسلم عن النبي قال: (( إن الرجل ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل الجنة، ثم يختم له عمله بعمل أهل النار، وإن الرجل ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل النار، ثم يختم له عمله بعمل أهل الجنة ) )، وقد أمر الله تعالى بالإقامة على الإسلام والتوحيد: ?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?تَّقُواْ ?للَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران:102] .

وقد جاءت الأحاديث الشريفة تبين هذا المعنى، ففي حديث أبي ذر قال: (( ما من عبد قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة ) )البخاري ومسلم، فلتسأل ربك يا عبد الله أن يحييك على التوحيد ويتوفاك عليه.

اللهم اجعل خير أعمارنا أواخرها..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت