فهرس الكتاب

الصفحة 3802 من 5777

تحريم الظلم والأمر برد المظالم 1

التوحيد, الرقاق والأخلاق والآداب

الشرك ووسائله, الكبائر والمعاصي

فرج بن حسن البوسيفي

بنغازي

الأرقم بن أبي الأرقم

1-تعدد أصناف الظلم وتنوعها. 2- الشرك أعظم أنواع الظلم وأخطرها. 3- اقتراف المعاصي والسيئات من ظلم الإنسان نفسه. 4- خطورة ظلم العباد. 5- ظلم الدنيا ظلمات في الآخرة وعذاب. 6- دعوة لردّ المظالم إلى أصحابها والتحلل منهم.

وبعد: فكلمة الظلم لها معانٍ كثيرة، وكلها سيئة، فمن الظلم ـ وهو أشنع أنواعه وهو موجب للخلود في جهنم والعياذ بالله، ولن يخرج أحد منها ملتبّسًا بهذا الظلم وقد مات عليه ـ الشرك، بأن يجعل مع الله إلهًا آخر، قال الحق سبحانه: الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ [الأنعام:82] ، إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] ، أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هود:18] أي: على المشركين، وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [الإنسان:31] أي: والمشركين أعد لهم عذابًا أليما، فهذا الظلم لا يغفره الله أبدًا، إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [النساء:48] .

والنوع الثاني من الظلم هو أن يظلم العبد نفسه بارتكاب الذنوب، فمن وقع في الحدود وعصى الرب المعبود فقد وقع في الظلم، قال الحق سبحانه: وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [الطلاق:1] ، وقال سبحانه: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ [فاطر:32] ، فمنهم ظالم لنفسه بارتكاب الكبائر من غير شرك بالله واقتحامه الخطيئة، كقوله تعالى: وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ [البقرة:35] ، فتكونا من الظالمين لأنفسكما بخطيئتكما، وكقول يونس عليه السلام: لا إِلَهَ إِلا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87] أي: من الخاطئين، وقول موسى عليه السلام: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي [القصص:16] ، غير أن الأنبياء لا تصدر منهم الكبائر لأنهم معصومون.

وظلم الناس من أخطر الذنوب عند الله بعد الشرك به؛ لأن الله لا يغفرها حتى يتسامح الناس يوم العرض الأكبر، حتى يُقاد للشاة الجَلْحَاء من الشاة القَرْنَاء، قال الحق سبحانه: إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ [الشورى:42] ، وبيّن الحق سبحانه أن ظلم الناس واغتصاب حقوقهم موجب لمقته، وموجب لكره الله له، ومن نفى الله عنه صفة الحب فهو من الهالكين، قال رب العالمين في ذم الظالمين للناس: وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ [الشورى:40-42] . ففي هذه الآيات توبيخ عظيم ووعيد أكيد للذين يأكلون حقوق الناس من المرتشين واللصوص والخونة، والذين يعذبون الناس بأنه لا يحبهم وبأن لهم عذابًا أليمًا.

جاء في صحيح مسلم عن أبي إدريس الخولاني ـ وكان إذا حدّث بهذا الحديث سقط على ركبتيه، وقال أحمد بن حنبل:"ليس لأهل الشام حديث أشرف من هذا الحديث"ـ عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي قال فيما روى عن اللّه تبارك وتعالى أنّه قال: (( يا عبادي، إنّي حرّمت الظّلم على نفسي وجعلته بينكم محرّمًا فلا تظالموا. يا عبادي، كلّكم ضالٌّ إلا من هديته فاستهدوني أهدكم. يا عبادي، كلّكم جائعٌ إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي، كلّكم عارٍ إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم. يا عبادي، إنّكم تخطئون باللّيل والنّهار وأنا أغفر الذّنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي، إنّكم لن تبلغوا ضرّي فتضرّوني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي، لو أنّ أوّلكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا. يا عبادي، لو أنّ أوّلكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحدٍ ما نقص ذلك من ملكي شيئًا. يا عبادي، لو أنّ أوّلكم وآخركم وإنسكم وجنّكم قاموا في صعيدٍ واحدٍ فسألوني فأعطيت كلّ إنسانٍ مسألته ما نقص ذلك ممّا عندي إلا كما ينقص المِخْيَط إذا أُدخل البحر. يا عبادي، إنّما هي أعمالكم أحصيها لكم ثمّ أوفّيكم إيّاها، فمن وجد خيرًا فليحمد اللّه، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه ) ).

إن المفاضلة يوم القيامة تكون على حسب نورك، وعلى قدره تكون النجاة، والظلام يوم القيامة من الظلم، ومن أتى يوم القيامة بلا نور لا يجد للجنة سبيلًا، يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ [الحديد:12، 13] . فبيّن الحق سبحانه وتعالى أن المنافقين يوم الدين في ظلام نفاقهم يعمهون، وبيّن الصادق المصدوق أن الظالم البائس يوم القيامة في ظلام دامس، فقال صاحب الشفاعة والراية: (( اتّقوا الظّلْم، فإنّ الظّلْم ظلماتٌ يوْم الْقيامة ) ).

وبين في حديث آخر أن المجرمين والمغتصبين لحقوق الناس والذين يؤذون المؤمنين بأيديهم وألسنتهم وراءهم يوم عظيم، لن يتجاوزوه إلى أمّهم الهاوية حتى يردّوا الحق الذي اغتصبوه، يومئذ يُقضى لكل مظلوم ولو كان من البهائم السّوم، قال محذّرًا من الظلم والاعتداء: (( لتُؤدُّنّ الحُقُوق إلى أهلها يوم القيامة حتّى يُقاد للشّاة الجَلْحَاء من الشّاة القَرْنَاء ) )، والشاة الجَلْحَاء التي لا قرون لها. قال الله تعالى: الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِين مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:17-19] .

من أكبر الكبائر أن يحتال الظالم على المظلوم، فيغتصب منه مزرعته أو بيته أو دكّانه، ومن فعل هذا ولم يتحلّل منه فقد طوّق نفسه بعذاب الله وغضبه، فقد جاء في الصحيحين: (( من ظلم قيد شبرٍ من الأرض طُوِّقه من سبع أرضين ) )، أي: جُعِل طوقًا في عنقه يوم القيامة. فيكون ممن باع جنة عرضها السماوات والأرض بسجن ضيّق، وبدّل مساكن طيبة في جنات عدن تجري من تحتها الأنهار بدار ضيّقة، آخرها الخراب والبوار، قال: (( من كانت له مظلمةٌ لأخيه من عرضه أو شيءٍ فليتحلّله منه اليوم قبل أن لا يكون دينارٌ ولا درهمٌ، إن كان له عملٌ صالحٌ أُخِذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسناتٌ أخذ من سيّئات صاحبه فحمل عليه ) ).

ما دمنا في هذه الحياة فلنتحلّل من الظلم، فإن يوم القيامة لا تعوّض فيه الأموال، ولا شيء يُرضي الخصوم سوى العمل الصالح، وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين [آل عمران:133] ، أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ [الحديد:16] .

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت