التوحيد
الشرك ووسائله
ناصر بن محمد الأحمد
الخبر
النور
1-مهمة الرسل إقامة التوحيد. 2- تحطيم الأصنام من أعظم واجبات الدين. 3- الكفر
بالطاغوت والسبيل إلى تحقيقه. 4- الأدلة على وجوب تحطيم الأصنام ، وبعوث النبي لذلك.
5-تحطيم الفاتحين لأصنام المشركين. 6- تعامي المنددين بتحطيم الأصنام عما يقوم به أعداء
الدين من إفساد وتدمير. 7- شُبه حول قضية تحطيم الأصنام.
أما بعد:
لقد أرسل الله جل وتعالى الرسل للدعوة إلى توحيده سبحانه، والتحذير من الشرك وعبادة الطواغيت، فقال تعالى: ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت [النحل:36] ، وقال تعالى: وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون [الأنبياء:25] ، وعلى هذا جاءت رسالة خاتم الرسل ، فنشر الله به التوحيد وأعلى مناره، ودك به حصون الشرك وقلع آثاره، فصلوات الله وسلامه عليه. ثم إن الناس مع كرّ السنين وتعاقب القرون ابتعدوا عن دينهم وجهلوا كثيرًا من أمر التوحيد، فصارت قطعيات الدين والتوحيد محل نقاش وسؤال عند الكثيرين، ولا غرابة في هذا فقد قال النبي: (( بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ ) ).
وإن من أعجب ما حصل في هذا الزمان هو عدم قبول بعض المسلمين شريعة كسر الأصنام وهدم الأوثان، مع كونها شريعة ربانية وملة إبراهيمية وسنة نبوية، وهذا أمر يثلج صدور أهل التوحيد ويُقِر أعينهم، في حين أنه يقض مضاجع أهل الشرك والتنديد على اختلاف أصنافهم من عباد الأوثان، وعباد ما يسمى بالتراث. ووالله ما يشك صبيان أهل التوحيد وأطفالهم بأن مثل هذا العمل من أعظم القربات وأجل الطاعات، وهو ما بعثت له الأنبياء وأرسلت الرسل، وإن الدفاع عن التوحيد وأبوابه لمن أفضل ما يتقرب به العبد إلى مولاه جل وعلا، ومن أجل ما تقضى به الأوقات وتفنى به الأعمار. وما كنا نظن أن يأتي زمن نحتاج إلى أن نثبت بالأدلة أن هدم الأوثان والأصنام وأوكار الشرك من أعظم واجبات الدين ولكننا والله المستعان كما يقال في زمن العجائب.
إن حدث كسر الأصنام لهو حديث الصحافة العالمية وغير العالمية هذه الأيام، وقد تنادت مؤسسات ولجان، ودول ورموز، وهيئات ثقافية عديدة في العالم لهذا الأمر، على رأسها منظمة اليونسكو العالمية وهيئة الأمم، بحجة المحافظة على إبداع الحضارة الإنسانية، والمحافظة على التراث البشري - زعموا - وهؤلاء لا عبرة بكلامهم لأن القضايا الشرعية لا تؤخذ من غير الكتاب والسنة لكن المؤسف هو قول من يحسب على أهل العلم عندما يقول: (أما التماثيل التي صنعها الأقدمون قبل الإسلام فهي تمثل تراثًا تاريخيًا ومادة حية من مواد التاريخ لكل أمة، فلا يجب تدميرها وتحطيمها باعتبار أنها محرمات أو منكرات يجب تغييرها باليد، بل هي دلالة على نعمة الله تعالى على الأمة التي هداها للإسلام وحررها من عبادة الأصنام) .
أيها المسلمون: إن الله سبحانه وتعالى بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم لكسر الأوثان والأصنام وتحطيمها، وأمره بالكفر بالطاغوت والبراءة من الشرك وأهله وألا يعبد إلا هو سبحانه وتعالى وحده لا شريك له، بل هذا هو أصل دعوة كل نبي بعثه الله سبحانه وتعالى، يقول عز وجل: ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت [النحل:36] وإن من الكفر بالطاغوت خلع الأنداد والأصنام وبغضها ومعاداتها ومحوها وتحطيمها، فهل يُتَصور أن يُحقِق التوحيد من نهى أو خَذّل عن ذلك؟ وإن من الكفر بما يعبد من دون الله القيام على هذه الطواغيت والتي فتح أهل الكفر باب الدعوة لها باسم العودة إلى التراث والحضارة، وباسم الآثار الثمينة. يقول الامام ابن القيم رحمه الله تعالى:"لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يومًا واحدًا، فإنها شعار الكفر والشرك، وهي أعظم المنكرات، فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة ألبتة، وهذا حكم المَشَاهِد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانًا وطواغيت تعبد من دون الله، والأحجار التي تقصد للتعظيم والتبرك والنذر والتقبيل، لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالته، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى أو أعظم شركًا والله المستعان".
روى مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه عن عمرو بن عبَسة قال: قلت يا رسول الله: بأي شيء أرسلك الله؟ قال: بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله ولا يشرك به شيئًا.
وفي الصحيح عن أبي الهياج رضي الله عنه قال: قال لي علي رضي الله عنه: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا تدع صورة إلا طمستها ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته) وعند الإمام أحمد: (( وأن أطمس كل صنم ) )وفي رواية: (( وأن تلطخ كل صنم ) ).
وقد طبق الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الشريعة بنفسه وبيده الكريمة كما جاء في صحيح البخاري ومسلم لما فتح الرسول صلى الله عليه وسلم مكة كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنمًا، فجعل يطعُنها بالقوس ويقول: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا [الإسراء:81] ، قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد [سبأ:49] والأصنام تتساقط على وجهها. وجاء عند البخاري أن النبي عليه الصلاة والسلام جذب نمطًا فيه تصاوير حتى هتكه.
بل لقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم السرايا لنواحي الجزيرة لكسر الأصنام فقد أرسل سرية بقيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه لتحطيم العزى وكان صنمًا تعظمه قريش فكسرها وحطمها. وأرسل سرية أخرى لكسر مناة. وأرسل سرية بقيادة عمرو بن العاص رضي الله عنه إلى سواع صنم لهذيل فكسره عمرو بن العاص بيده. وأرسل علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى صنم طيء يدعى الفُلس، وكان صنمًا منحوتًا على جبل من جبالهم. وأرسل سرية لتحطيم اللات. وهذه الأصنام الثلاث: العزى واللات ومناة الثالثة الأخرى هي أعظم أصنام العرب في ذلك الزمان، قال الله تعالى: أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى [النجم:19-20] .
ومع ذلك لم يكترث بأن تجتمع عليه العرب بأجمعها فجعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم جذاذًا كلها ولم يدع منها شيئًا وأرسل سرية بقيادة جرير بن عبدالله رضي الله عنه كما رواها البخاري في مغازيه، قال جرير: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ألا تريحني من ذي الخلَصة؟ ) )قال: فنفرت في مائة وخمسين راكبًا فكسرناه وقتلنا من وجدنا عنده.
وقصة ثقيف معروفة لما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدع لهم الطاغية صنمهم اللات لا يهدمها ثلاث سنين فأبى، فما برحوا يسألونه سنة سنة ويأبى عليهم، حتى سألوه شهرًا واحدًا فأبى أن يدعها، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهما يهدمانها فهدماها في مشهد عظيم.
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في فقه قصة وفد ثقيف، قال: (ومنها: هدم مواضع الشرك التي تتخذ بيوتًا للطواغيت، وهدمها أحب إلى الله ورسوله وأنفع للإسلام والمسلمين من هدم الحانات والمواخير، وهذا حال المَشَاهد المبنية على القبور التي تعبد من دون الله ويُشرَك بأربابها مع الله، لا يحل إبقاؤها في الإسلام ويجب هدمها..) . وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه إلى صنم دوس يقال له ذو الكفين فحرقه. وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد رضي الله عنه من غزوة تبوك لهدم ودّ وقاتلهم حتى هدمه وكسره.
أيها المسلمون: هذا هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم إمام الموحدين ومحطم أصنام المشركين والملحدين. فجاء بعده السلف الصالح من الصحابة والتابعين والملوك الصالحين والمجاهدين المخلصين فاقتفوا آثار هذه السنة النبوية فقد جاء في معجم البلدان أن عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب غلب على ناحية سجستان في أيام عثمان رضي الله عنه فسار إلى الدَوَار فحصرهم في جبل الزون، وعلى الزون صنم من ذهب فقطع يديه وقطعه المسلمون وكسروه.
ثم القائد المجاهد محمود الغزنوي في نهاية القرن الرابع قال عنه الحافظ ابن كثير رحمه الله: الملك الكبير المجاهد الغازي، وكان يحب العلماء والمحدثين ويحب أهل الخير والدين، حينما غزا الهند كسر صنمهم الأكبر، واسمه سومنات سنة 416 هـ.
وذكر ابن الجوزي رحمه الله في تلبيس إبليس أن أهل بلْخ كان لهم صنم بناه بنو شهر فلما ظهر الإسلام خرّبه أهل بلْخ.
وكذا ما فعله إمام الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله من كسر الأصنام وتحطيم الأوثان في عصره في هذه الجزيرة، وهو أمر معروف مشهور.
أفيجيء بعد هذا من يشكك في هذه الشريعة الربانية والسنة النبوية بحجج واهية أملتها عليهم ضرورة مجاراة العصر والحضارات الكافرة؟ ونسوا أو تناسوا أنهم وافقوا الكفار في مرادهم، وما هذه الشبه التي تلقى على المسلمين هذه الأيام عبر وسائل الإعلام والأقاويل التي يتناولها هؤلاء إلاّ تخذيل لإتمام رسالة محمد عليه الصلاة والسلام، علم هؤلاء أو جهلوا، والله سبحانه وتعالى يقول: فلا تكونن ظهيرًا للكافرين ويقول سبحانه وتعالى: ولا تكن للخائنين خصيمًا [النساء:105] ويقول تبارك وتعالى: ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم [النساء:107] .
أيها المسلمون: لقد تباكى العالم أجمع مستنكرين ومنددين بل ومحاولين إيقاف كسر أصنام الشرك ورموز الكفر والإلحاد بحجة حماية الممتلكات الثقافية. فيقال: أين كان العالم عندما دمر الصرب الحاقدون المساجد الإسلامية في كوسوفا تدميرًا كاملًا، وهي مساجد أثرية وتاريخية يعود بعضها للقرون الإسلامية المبكرة؟ وأين منظمة اليونسكو العالمية وهيئة الأمم عن اليهود الإسرائيليين وهم يدنسون المساجد الإسلامية كل يوم في القدس وهي مساجد أثرية تحت لائحة وحماية المنظمة العالمية ومسجلة ضمن التراث العالمي والتي تحافظ عليها اليونسكو وتعود إلى القرن الإسلامي الأول؟ وأين هم عن اليهود حينما سرقوا جميع الآثار في القدس وأريحا وجنوب لبنان في فترة الاحتلال؟ وتعمد اليهود وتحت أعين حراس الأمم المتحدة بقصف الآثار اللبنانية الرومانية والإسلامية في بعلبك والقرى الجنوبية.
إن العالم الأوروبي الذي أسس وسن أنظمة حماية التراث الإنساني هو الذي سرق آثار الشرق عندما كان مستعمِرًا لها، وما زالت دول عديدة مثل: مصر وسوريا والسودان ولبنان والأردن تطالب تلك الدول بعودة الآثار المنهوبة إبان فترة الاستعمار. إن الغرب والعالم المتحضر في فترات الاستعمار الطويلة لم يسرق الممتلكات الثقافية فقط لكنه أباد أصحاب الأرض وسرق منهم كرامتهم وثقافتهم، وأزهق أرواحهم وحولهم إلى شعوب تباع بالمزاد كما تباع آثارهم.
لماذا لم تنتفض اليونسكو على المقدسات الإسلامية في القدس والمساجد في كوسوفا والمساجد في الهند التي أزيلت، ومساجد كشمير والشيشان وألبانيا وهي مساجد سجلتها لائحة اليونسكو على قائمة التراث العالمي؟ بل إن مسجد البابري ما يزال حيًا في قلوبنا وقد أحرقه الهندوس وهدموه، وهو مسجد أثري عمره ثلاثة قرون، ثلاثمائة سنة وهو بيت من بيوت الله يرفع فيه الأذان وتقام فيه الصلوات ويعبد فيه رب الأرض والسموات، فما سمعنا شيئًا من التباكي من دعاة المحافظين والحريصين على التراث الإنساني الذي نسمعه هذه الأيام على كسر أصنام الشرك بحجة أنها تراث إنساني وحضارة بشرية. بل ولم نسمع شيئًا من التباكي من اليونسكو وهيئة الأمم على إزهاق آلاف الأرواح البشرية في شتى بلدان المسلمين من الفلبين مرورًا بالبوسنة والهرسك والشيشان وحاليًا أندنوسيا، ناهيك عن الشعب الفلسطيني الذي مازال يسحق ليل نهار، ولا يكاد يغيب شمس أي يوم إلا وعشرات الأسر تفقد بعض أفرادها
فيا عجبًا لهؤلاء الكفار، أعداء الله وأعداء الإنسانية، ينددون تدمير الأحجار والأصنام ولا ينددون تدمير الآلاف من النفوس البشرية المسلمة في كل بلداننا!
آلآن استيقظت ضمائركم؟ أم هو الضحك على الذقون؟ بل أين كانت منظمة اليونسكو حين قُتل محمد الدرة؟ لم نسمع لها بيانًا تلك الأيام؟ أم أن الأصنام أغلى عندها من محمد الدرة؟
نسأل الله عز وجل أن يعجل بفرج أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
وأن ينصر أهل التوحيد، وأن يجمع كلمتهم، وأن يوحد صفوفهم.
اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، والباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
أما بعد:
إن من الشبه التي أثيرت هذه الأيام والتي قد يتشربها بعض العوام ومن لا علم لديه هو أن الصحابة رضي الله عنهم قد دخلوا تلك البلاد والأصنام موجودة وتركوها ولم يكسروها، بل لقد فتحوا مصر وغيرها من البلاد وكان فيها الأصنام والأوثان وتركوها كصنم (أبو الهول) وغيره.
والجواب على هذه الشبهة: هو أن التماثيل والتصاوير التي كانت في الجاهلية وأدركها المسلمون أثناء الفتوحات الإسلامية قد هدموها وأتلفوها قطعًا، ولا يشك في ذلك مسلم يعرف الصحابة وقدرهم وما هم عليه من التوحيد ومنابذة الشرك وأهله، ودليلنا في ذلك أنهم على خطى المصطفى في كل شيء، وقد بعثهم في حياته صلى الله عليه وسلم كما سمعتم لهدم الأوثان ومحقها، فلا بد أن يفعلوا ذلك كما نشروا التوحيد، فنقطع أنهم أتلفوا آلاف الأصنام والمعبودات والآلهة في البلدان التي افتتحوها، بل كانوا يتلفون الكتب المخالفة للإسلام كما ذكر ذلك ابن خلدون في مقدمته قال رحمه الله: (ولما فتحت أرض فارس ووجدوا فيها كتبًا كثيرة كتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب ليستأذنه في شأنها ونقلها للمسلمين، فكتب إليه عمر: أن اطرحوها في الماء، فإن يكن فيها هدى فقد هدانا الله بأهدى منه، وإن يكن ضلالًا فقد كفانا الله فطرحوها في الماء أو في النار وذهبت علوم الفرس فيها عن أن تصل إلينا) .
فإذا كان هذا عملهم في كتب أولئك فما بالك بأصنامهم ومعبوداتهم؟!
وأما ما تركه المسلمون من الأصنام والتماثيل والمعبودات في البلدان التي فتحوها فإنها على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما كان من هذه التماثيل داخلًا في كنائسهم ومعابدهم التي صولحوا عليها، فتركت بشرط عدم إظهارها، وقد نُص على هذا في الشروط التي فرضها عمر بن الخطاب رضي الله عنه على أهل الذمة والتي عرفت بالشروط العمرية المعروفة.
القسم الثاني: أن تكون هذه التماثيل من القوة والإحكام بحيث يعجزون عن هدمها وإزالتها، مثل تلك التماثيل الهائلة المنحوتة في الجبال والصخور بحيث لا يستطيعون إزالتها أو تغييرها، وقد ذكر ابن خلدون في المقدمة أن الهياكل العظيمة جدًا لا تستقل ببنائها الدولة الواحدة، بل تتم في أزمنة متعاقبة، حتى تكتمل وتكون ماثلة للعيان، قال رحمه الله:"لذلك نجد آثارًا كثيرة من المباني العظيمة تعجز الدول عن هدمها وتخريبها، مع أن الهدم أيسر من البناء"ثم مثل على ذلك بمثالين:
الأول: أن الرشيد عزم على هدم إيوان كسرى فشرع في ذلك وجمع الأيدي واتخذ الفؤوس وحمّاه بالنار وصب عليه الخل حتى أدركه العجز.
المثال الثاني: أن المأمون أراد أن يهدم الأهرام في مصر فجمع الفَعلة ولم يقدر.
وأما القسم الثالث: من المعبودات والأصنام التي تركها المسلمون فهي التماثيل التي كانت مطمورة تحت الأرض أو مغمورة بالرمال ولم تظهر إلا بعد انتهاء زمن الفتوحات، وهذا مثل كثير من آثار الفراعنة في مصر فمعبد أبو سمبل مثلًا في مصر وهو من أكبر معابد الفراعنة كان مغمورًا بالرمال مع تماثيله وأصنامه إلى ما قبل قرن ونصف تقريبًا، وأكثر الأصنام الموجودة في المتاحف المصرية في هذا الوقت لم تكتشف إلا قريبًا، وقد ذكر المقريزي رحمه الله في تاريخ مصر أن أبا الهول كان مغمورًا تحت الرمال في وقته ولم يظهر منه إلا الرأس والعنق فقط دون الباقي بخلافه اليوم. هذا وقد عاش المقريزي في القرن التاسع الهجري.
وسئل الزركلي عن الأهرام وأبي الهول ونحوها: هل رآها الصحابة الذين دخلوا مصر ؟! فقال: كان أكثرها مغمورًا بالرمال ولا سيما أبا الهول.
لهذا فلا يصح مطلقًا نسبة ترك هذه التماثيل إلى خير القرون رضي الله عنهم وأرضاهم، فإنهم من أحرص الناس على إقامة التوحيد وشعائره، وإزالة الشرك ومظاهره.
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا إنك أنت الوهاب.