التوحيد, الرقاق والأخلاق والآداب
الكبائر والمعاصي, نواقض الإسلام
عبيد بن عساف الطوياوي
حائل
جامع الخلف
1-الاستشفاء بكتاب الله. 2- التحذير من المشعوذين والدجاجلة. 3- أمور يعرف بها المشعوذ. 4- حكم الساحر والمشعوذ. 5- بعض الصور السيئة التي يقع فيها بعض القراء أو مدعي هذا العلم.
الحمد لله القائل: إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ ?لسَّـ?حِرُ حَيْثُ أَتَى? [طه:69] ، أحمده حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ند ولا شبيه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله القائل: (( من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ) )، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه، ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها المسلمون، أوصيكم بتقوى الله عز وجل، أوصيكم بوصية ربكم لكم القائل: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ?لَّذِينَ أُوتُواْ ?لْكِتَـ?بَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّـ?كُمْ أَنِ ?تَّقُواْ ?للَّهَ [النساء:131] ، فاتقوا الله يا عباد الله، فإن في التقوى سعادة الدنيا والآخرة، جعلني الله وإياكم من عباده المتقين.
أيها الإخوة المؤمنون، كان الحديث في الجمعة الماضية عما يُستشفى به على لسان النبي ، وذكرنا من ذلك القرآن الكريم، وقلنا: فيه شفاء لقوله تعالى: وَنُنَزّلُ مِنَ ?لْقُرْءانِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ ?لظَّـ?لِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا [الإسراء:82] ، وقوله تعالى: ي?أَيُّهَا ?لنَّاسُ قَدْ جَاءتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مّن رَّبّكُمْ وَشِفَاء لِمَا فِى ?لصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ [يونس:57] ، وذكرنا كلام ابن القيم والشروط الهامة التي متى وجدت نفع بإذن الله عز وجل الاستشفاء بالقرآن.
أيها الإخوة، ونحن نوصي بالاستشفاء بكتاب الله نحذّر من أناس جعلوا الرقية بكتاب الله وسيلة لتحقيق رغباتهم الفاسدة، وطريقة للوصول لمآربهم المشبوهة.
نحذر ـ أيها الإخوة ـ من أناس لم يجدوا سوى كتاب الله عز وجل، جعلوه وسيلة لأكل أموال الناس بالباطل، بل حتى لهتك أعراض بعض المسلمين، جعلوه وسيلة لجلب الناس، وخاصة المرضى منهم، مستغلين محبة الناس لكتاب ربهم؛ لأننا ولله الحمد في مجتمع يحب القرآن، ويؤمن به، ويستشفي به، فأعلنوا للناس أنهم يعالجون بالقرآن، وأنهم أهل رقية شرعية، وحقيقتهم أنهم أهل دجل وكذب وسحر وشعوذة، إنما زعموا ذلك للتكسب وتحصيل الأموال الطائلة من جيوب المرضى المساكين.
أيها الإخوة المؤمنون، ولكي لا يلتبس أمر هؤلاء مع غيرهم، لكي لا يلتبس أمر هؤلاء مع الذين يرقون بالقرآن بكلام الله وبما جاء في السنة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام إليكم صفاتهم، فقد ذكرها أهل العلم ليحذر المسلم من إتيانهم أو طلب العلاج بين أيديهم أو الاستشفاء برقيتهم، بل والحذر منهم والتحذير منهم.
إنها صفات ينبغي للمسلم أن يكون على علم بها، وخاصة عندما يحتاج للرقية، وفي معرفته لها والحذر من أصحابها سلامة الدين والدنيا، فإليكم ـ أيها الإخوة ـ الصفات:
أولًا: السؤال عن اسم المريض واسم أمه، فإذا أتيت أحدهم فسمتعه يقول: ما اسمك؟ وما اسم أمك؟ اعلم بأنه من المشعوذين.
ثانيًا: أخذ شيء من المريض كقطعة لباسٍ ونحوه، فبعضهم يأخذ من لباس المريض كفنيلته أو طاقيته فيحتفظ به، لتشخيص حالته ووصف علاجه.
ثالثًا: إخبار المريض بمعلوماتٍ خاصة عنه، كأن يقول: أنت فعلتَ يوم كذا كذا وكذا، وأنت تكره كذا أو تحب كذا، فهذا من عمل الكهان.
رابعًا: كتابة حروف مقطعة وطلاسم وكلام غير مفهوم، مثل ما يكتب بعضهم، يكتبون كتابات مجرد النظر إليها يأتي بالمرض.
خامسًا: إعطاء المريض أشياء يدفنها في الأرض أو يخفيها في المنزل أو في أي مكان.
سادسًا: تكليف المريض بذبح حيوان بصفة معينه، كأن يأمره بذبح شاة سوداء أو ديكٍ أحمر أو غير ذلك.
سابعًا: ظهور الفسق في شخصية الراقي، فبعضهم عندما تتأمل في شخصيته تجده مخالفًا كل المخالفة لتعاليم القرآن ومجتنبًا لما جاء في سنة النبي ، فكيف يكون راقيًا بكتاب الله وهو ليس من أهله؟!
هذه العلامات متى وجدت أو وجد شيء منها في رجل فهو من المشعوذين الدجالين.
أيها الإخوة المؤمنون، ومن وجدت فيه هذه الصفات فما حكمه؟ وما حكم الذهاب إليه؟
حكمه ـ أيها الإخوة ـ الكفر، وعقوبته أن يقتل، هذا جزاء من يستعين بالشياطين ويقدم الخدمة لهم، هذه ـ أيها الإخوة ـ عقوبة من يتقرب إلى الشياطين ويذبح لهم ويستغيث بهم ويعمل ما يقربه إليهم من أعمال تؤدي به إلى الكفر والضلال، يقول الله عز جل: وَمَا يُعَلّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى? يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرّقُونَ بِهِ بَيْنَ ?لْمَرْء وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَارّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ?للَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ ?شْتَرَاهُ مَا لَهُ فِى ?لآخِرَةِ مِنْ خَلَـ?قٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ [البقرة:102] ، وفي الحديث عن عمر بن الخطاب قال: قال النبي: (( اقتلوا كل ساحر وساحرة ) )، وقتل عمر في زمنه ثلاث سواحر.
وأما الذهاب إلى هؤلاء السحرة والكهان فهو خطر عظيم، يقول النبي: (( من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يومًا ) )، مجرد الإتيان والسؤال، أربعون يومًا والصلاة غير مقبولة، يصلي ولا تقبل صلاته، وأما إذا أتاه وسأله وصدقه فهذا أشد وأخطر، يقول النبي: (( من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ) ).
إن القضية ـ أيها الإخوة ـ خطيرة جدًا، وبعض الناس ـ نسأل الله العافية ـ لا يبالي بالذهاب إلى هؤلاء وسؤالهم وتصديقهم، فلتحذر أخي المسلم، فالقضية قضية كفر والعياذ بالله.
أيها الإخوة المؤمنون، إن في وجود هؤلاء خطرًا على المجتمع، بل على الأمة بأسرها، وأنا أقول ذلك ـ أيها الإخوة ـ لأن بعض الناس وخاصة السذج منهم يغترون بهم، وخاصةً عندما يحدثونهم بأشياء تصدق أحيانًا، وهم بالجملة كذبه، سئل النبي عنهم فقال: (( ليسوا بشيء ) )، فقالوا: يا رسول الله، إنهم يحدثون بالشيء أحيانًا يكون حقا، فقال رسول الله: (( تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني ـ أي: يسمعها من الملائكة تتحدث بها ـ فيقرقرها في أذن وليه ـ أي: الساحر أو الكاهن ـ كقرقرة الدجاج، فيخلطون معها أكثر من مائة كذبة ) )أخرجه البخاري.
أيها الإخوة المؤمنون، فلنحرص على الرقية الشرعية الصحيحة عندما نحتاج إليها، ولنحذر رقاة السوء؛ لأن خطرهم عظيم على العقيدة، وعندما نجهل حال أحد منهم فلنسأل عنه ولنتبين حاله.
أسأل الله لي ولكم علمًا نافعًا وعملًا خالصًا وسلامةً دائمة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله، تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أيها المسلمون، إن الأمر خطير جد خطير، وقد توسع بعض الرقاة توسعًا عجيبًا، والمتأمل لأحوال بعضهم والله إنه ليحزن حزنًا عظيمًا من الحال الدنيئة التي وصل إليها بعضهم، فمنهم من يخلو بنساء المسلمين ويمسهن مباشرة، ومنهم من يطلب الأموال الطائلة مستغلًا حاجة المريض، وقد طلب أحدهم على أحد المرضى أكثر من عشرين ألف ريال، لماذا العشرون وهو يقرأ عليه من كتاب الله وسنة رسوله ؟! وبعضهم ينفث على خزان الماء الكبير، ثم يفرغ منه في علب صغيرة، فيبيع العلبة بعشرات الريالات، وكذلك الزيت، بل منهم من اتخذ ذئبًا يخوّف به مرضاه أو يشمّمهم جلده، وهذا والعياذ بالله من الشعوذة، فقد جاء في فتوى للجنة الدائمة أن استعمال الراقي لجلد الذئب ليشمّه المصاب حتى يعرف أنه مصاب بالجنون عمل لا يجوز، لأنه نوع من الشعوذة والاعتقاد الفاسد، فيجب منعه بتاتًا، وقولهم: إن الجني يخاف من الذئب خرافة لا أصل لها.
أيها الإخوة المؤمنون، ومما يدل على دجل هؤلاء أنه ما عهد منهم أن ردوا أحدًا من الناس وقالوا: ليس لك عندنا علاج، فإما سحر أو عين. يذكر أن أحدهم جاءه ثلاثة من الناس وهم من أفضل الناس وأحسنهم صحة، إنما أرادوا اختباره وكشف زيفه ودجله، فجيء بالأول منهم وهو يصدر تصرفات غريبة يتظاهر بها فبعد أن رقاه قال: هذا فيه جنية عاشقة في بداية أمرها معه، وجيء بالثاني فرقاه فتظاهر بالإغماء، فقال: هذا مصاب بالعين، أصابه زميل له بالدراسة بعينه، ثم جيء بالثالث فسأله: ما لك؟ فقال: إني أخاف وأرى أشياء تخيفني، فقال له: هل معدتك تطقطق؟ قال: نعم، قال: فيك سحر بالمعدة. فكتب لهم بعض الوصفات وخرجوا من عنده يضحكون لعلمهم بأنه من الذين ذكر النبي بقوله: (( ليسوا بشيء ) ).
فاتقوا الله يا عباد الله، وتذكروا قول نبيكم: (( من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يومًا ) )، وقوله: (( من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ) ).