فهرس الكتاب

الصفحة 2432 من 5777

جرح ينزف في فلسطين

العلم والدعوة والجهاد, موضوعات عامة

المسلمون في العالم, جرائم وحوادث

علي بن سعيد الأسمري

جدة

عمرو بن العاص

1-حزن وألم على ما يجري على أرض فلسطين. 2- عملية السلام في حقيقتها عملية استسلام. 3- لا حل لقضية فلسطين إلا في الجهاد. 4- رخص دماء المسلمين. 5- بعض مجازر اليهود بحق إخواننا في فلسطين. 6- جريمة قتل محمد الدرة وغيره من أطفال فلسطين. 7- واجب النصرة لإخواننا في فلسطين، كل بحسبه. 8- الحرب بيننا وبين اليهود حرب عقائدية قائمة إلى قيام الساعة. 9- مزاحمة الهيئات التنصيرية في إغاثة شعب فلسطين.

أما بعد:

لا يدري ماذا يقول المسلم وبماذا يبدأ والمجازر الدموية على أرض فلسطين قد تعدت الشيوخ والنساء والآمنين حتى وصلت الأطفال الصغار ممن هم في سن العاشرة ونحوها. والعالم كله يتفرج، وكأن الأمر لا يعنيه.

أيها المسلمون، لا يخفى على ذي قلب ما يتعرض له إخواننا في القدس وفلسطين وهم يذودون عن حياض الإسلام ومقدساته، وكيف يتعرضون للقتل بوحشية وهمجية من اليهود المعتدين، والعالم كله شرقًا وغربًا في موقف المتفرج الذي يلوم المعتدى عليه، ولا يجرؤ أن يعاتب المجرم فضلًا أن يوقفه عند حده.

ولا شك أن الأمة تجني ثمارًا نكدة تحصدها اليوم، يوم أن تخلت عن عزتها وكرامتها، يوم أن تسولت على موائد المفاوضات لاهثة وراء سلام مزعوم لا يمكن أبدًا أن يتحقق، لأنه وبكل وضوح مع أناس لا عهد لهم ولا ميثاق ولا خلاق. ومن أصدق من الله قيلًا، وهو سبحانه القائل عنهم: أَوَكُلَّمَا عَـ?هَدُواْ عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ [البقرة:100] .

وتتوالى الأحداث، وتتفتق الجروح، ولعمر الحق إنه لمظهر من مظاهر الهوان، ولا تزال الأمة تبتلى بأحداث وقضايا حتى ينُسي آخرُها أولَها، ويغطي حديثُها على قديمها.

ماذا أقول أم عن ماذا أتحدث والجراح تنزف؟

ماذا أقول والقدس أسير عند إخوان القردة والخنازير؟

ماذا أقول وقلبي بات يعتصر؟ مما يدور وما يجري وينفطر

ماذا أقول وأعماقي ممزقة؟ والصمت ران كأن الحال يحتضر!!

ماذا أقول وسمعي ما به صمم؟ والعين تدمى وماء العين ينحدر

فالقدس تشهد أحداثًا مروعة والليل أعمى ووجه الأرض معتكر

فالحال يندي جبين الحر واأسفي فالعسف والنسف والإرهاب والجُدُرُ

والقدس تُنعى وأقصانا يصيح بنا والختل والقتل والإقصاء والنذر

يا ويح صهيون ما أودت وما فعلت لا الشعب ينسى ولا الأيام تغتفر

من ذا يقوم ويسقي الترب من دمه؟ من ذا يضرّج باب المجد يستطر؟

من ذا يكبر لا يلوي على أحد؟ من ذا يشمر للعليا ويبتدر؟

طفل الحجارة أي المجد سطره ناءت عن المجد آسادٌ ولا أثر؟

حتى انبرى طفلنا بالصخر يحمله فالكون كبّر والمقلاع والحجر

الله أكبر في الساحات نسمعها الله أكبر بالأعداء تنفجر

الله أكبر يا رباه أحي بنا روح الشهادة فالأعداء قد كثروا

تكالبوا واستقروا في مرابعنا أواه يا أمتي الأورام تنتشر

ماذا أصاب بني اليرموك فانتبهوا؟ ماذا أصاب بني حطين؟ ما الخبر؟

لا يصلح الحال درب لا دماء به فما الحلول ولا الأوهام تزدهر

جيل الحجارة أحيا نبض أمتنا فالحق يشرق والآمال تنتثر

فالطفل يرجم أهل الشرك ممتشقًا أعمى أصم ولكن بات ينشطر

والهدي صبغته والدين عزته والنور عدته والآي والسور

قد لقن الكل درسًا لا كلام به ما أعظم الدرس إن بالنفس يستطر

عفوًا بني قومي لا عذر ينفعكم صهيون يعبث بالأقداس والزمر

بنو اليهود أقاموا صرح هيكلهم ونحن نرقب ما يأتي به الهذر

فما التفاوض والبلدان تنفعنا ولا الوفاق ولا أوراقه الحمر

لا يُرجع الحق إلا خفق ألوية تطوي الثريا وللآفاق تنتشر

لن يسعف الحال إلا مهجة عزمت تسقي التراب وترويه وتصطبر

أيها المسلمون، إن جُرح فلسطين أعظم جرح، وكارثتها أعظم الكوارث، أرض فلسطين ليست ملكًا للفلسطينيين وحدهم بل هي للمسلمين جميعًا، هي أمانة في أعناقهم، فهي ميراث نبيهم، وإذا كان يهود قد تسلطوا عليها وطردوا أهلها، وسفكوا الدماء بها، ولا زالوا منذ خمسين سنة يرتكبون فيها المظالم والتصرفات الوحشية تحت حماية الدولة الأمريكية. فما كان للمسلمين أن يعترفوا باغتصاب عدو فاجر خبيث، ولا أن ينساقوا تحت أي ضغط لما يسمى بعملية السلام، وهي في الواقع عملية استسلام، لقد كان على المسلمين أن يحاسبوا أنفسهم، وأن يصلحوا أحوالهم، كما فعل أجدادهم عندما واجهوا الاحتلال الصليبي لفلسطين مدة تزيد عن تسعين سنة، ومع ذلك لم يستسلموا، بل نصروا الله بتحكيم شرعه، فنصرهم الله القائل: وما النصر وَمَا ?لنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ?للَّهِ ?لْعَزِيزِ ?لْحَكِيمِ [آل عمران:126] .

والآن أما آن للأمة أن تفيق من غفلتها وتستيقظ من نومتها وأن تنفض عن نفسها لباس الذل وتعود إلى سر عزتها وعنوان مجدها، وأن تنتصر لدينها وتنصر أبناءها في أرض الرباط. وإذا تعذر النصر بالمال والعتاد والنفس لأسباب لا تخفى؛ فلا أقل من المؤازرة والنصرة بالكلمة والدعاء.

أيها المسلمون، يقول الرسول: (( لأن تهدم الكعبة حجرًا حجرًا أهون على لله من أن يراق دم امرئ مسل ) ). وفي رواية: (( لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم ) ) [رواه الترمذي والنسائي] .

وبالرغم من غلاء دم المسلم فإن المجازر باتت تقام للمسلمين في كل مكان، وأصبح الدم المسلم رخيصًا لا يقام لإراقته وزن. وإن العالم كله من أقصاه إلى أقصاه لا يكاد يغمض عينيه حتى يفتحها على هول المأساة التي يعيشها المسلمون على أرض فلسطين.

لقد كان من المتوقع أن الشعارات البراقة التي يرفعها الغرب الكافر مثل حقوق الإنسان، والشرعية الدولية، والنظام العالمي الجديد، والديمقراطية، سيكون الغرب جادًا في عدم تجاوز حدودها، لكن أحداث القدس الحالية والمذابح المرتكبة هناك، كشفت عورة الدول الغربية، وأبانت زيف وعنصرية شعار حقوق الإنسان، وعُرف من هو الإنسان الذي تحفظ حقوقه، إنه كل أحد ما عدا المسلم.

إن حق تقرير المصير للشعوب داسته رصاصات اليهود ومزقته طائراتهم، واستخدموا المدرعات والأسلحة الثقيلة في مواجهة شعب أعزل، وقد بلغ عدد القتلى بالعشرات والجرحى وصل إلى ألف وثلاثمائة جريح والله المستعان، ومع كل هذا تجد الصمت العجيب للمجتمع الدولي على الغطرسة والعربدة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية.

لقد أكدت الأحداث أنه لا أحد يملك سلطة القرار الفلسطيني سوى الجماهير الفلسطينية، ولن يوقف هذه الجرائم إلا الجهاد. إن مقدسات المسلمين وديارهم لا يعيدها إلا جهاد صادق في سبيل الله، وإلا فلا نصر ولا كرامة ولا عزة قال رسول الله: (( إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم ) ) [رواه أحمد وأبو داود] . قال الله تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـ?تَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ ?للَّهَ عَلَى? نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ?لَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَـ?رِهِم بِغَيْرِ حَقّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ?للَّهُ [الحج:39، 40] . وقال سبحانه: ِإِنَّ ?للَّهَ ?شْتَرَى? مِنَ ?لْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْو?لَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ?لّجَنَّةَ يُقَـ?تِلُونَ فِى سَبِيلِ ?للَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقّا فِي ?لتَّوْرَاةِ وَ?لإِنجِيلِ وَ?لْقُرْءانِ [التوبة:111] .

وعندما يعلن الجهاد الإسلامي الحقيقي عندها ستتغير الموازين، وأكثر ما يرعب الغرب كلمة الجهاد لأنهم يدركون معناها.

أيها الأحبة، إن إزالة أسباب الخذلان والهوان أهم وأولى من إزالة آثار العدوان، وهذا الطغيان لن يوقفه إلا الإسلام، وإن مَيْل الميزان لا يعدله إلا القرآن، الحل بيّن، والحق واضح، إنه صراع عقائد، ومعركة مع من كفر بالله واتخذ له صاحبة وولدًا، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، إنه حكم قرآني، لا تشوبه شهوات ولا شبهات، حقائق اليقين من رب العالمين وَلَن تَرْضَى? عَنكَ ?لْيَهُودُ وَلاَ ?لنَّصَـ?رَى? حَتَّى? تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120] .

لقد سمعتم كما سمع العالم كله تهديد رئيس الوزراء الإسرائيلي بأن حكومته سوف تستخدم جميع السبل لوقف إراقة الدماء في أسوأ أعمال عنف تشهدها الأراضي الفلسطينية منذ أربع سنوات ، وطالب بالتحرك لقمع أعمال العنف، وقال: إن بلاده ستلجأ حتى لاستخدام الدبابات لوقف الاشتباكات الدموية التي تشهدها الضفة الغربية وقطاع غزة، وقد استخدموها في سحق إخواننا وأبنائنا في فلسطين، وأضاف لراديو إسرائيل: إن الجنود والضباط لديهم أوامر باستخدام أي وسيلة لحماية المدنيين الإسرائيليين. لم يوفر اليهود سلاحًا عندهم للمجابهة إلا واستخدموه, حتى الصواريخ, لقد قتل مسلم بصاروخ وكذلك تشتت لحمه, وتبعثر جسمه وتفرق دمه، حتى لم يعد أهله يستطيعون أن يتعرفوا عليه، وهكذا رصاص الطائرات المروحية التي تطلق على المسلمين في أرض فلسطين, فيتساقطون ـ فيما نرجو لهم شهادة عند الله عز وجل ـ, إنزال مظلي وفرق متخفية, وكذلك دبابات وتعزيزات, وتحصينات, وهكذا يخترق جيش اليهود أراضي المسلمين، ليعلم أهل النفاق أنه ليس لليهود أمان, وأنهم لا يحترمون عهدًا ولا ميثاقًا, إن التشوهات التي أصابت أجساد المسلمين من رصاص الدمدم والقنابل الانشطارية, والأشياء التي يزعمونها محرمة دوليًا, والله عز وجل حرم الاعتداء وسفك الدماء بأي وسيلة كانت, لقد سمع العالم مجازر يهود على شعب أعزل وكيف تفجر الموقف على أرض الإسراء، ليتحول كل فتىً إلى قنبلة تنفجر لتهلك اليهود.

لقد سمع العالم ورأى إطلاق الرصاص على طفل أعزل عمره عشر سنوات، على مدى خمسة وأربعين دقيقة، كان والد محمد يحاول حمايته من نيران الإسرائيليين، لكن دون جدوى، حيث انطلقت النيران لتضرب الحائط الذي احتميا به، والأب يلوح للقوات الإسرائيلية في يأس ويهتف صارخًا: لا تطلقوا النار، ولكن القصف استمر لتستقر أربع رصاصات في الطفل الذي سقط قتيلًا بين يدي أبيه، حاول اثنان من سائقي سيارات الإسعاف إنقاذ الصغير، فقتل أحدهما وأصيب الثاني.

إن لحظات استشهاد الطفل الفلسطيني وهو يحتمي بوالده من الرصاص الذي مزق جسده الطاهر والتي لم ولن تزول من ذاكراتنا لحظات رهيبة كشفت بشاعة الجرم اليهودي وقذارة جيشهم وجنودهم، وصورت هواننا ورخص أطفالنا. إن موت هذا الطفل كشف بلادة الحس والغيرة عند الإعلام العربي الذي يبدو أنه استمرأ الخلاعة والرقص وتغييب وعي الناس، وتمجيد التفاهة وتضخيم الدعاية.

سيبقى موت هذا الطفل المسلم جمرة تشتعل في قلوبنا إلى الأبد، وإن تجاهلها الإعلام الموجه وأهل السياسة، ولا نستبق الأحداث، لكن قتل مثل هذا الطفل البريء (الدُرة) كان محرضًا للغضب والثأر، وسيدفع ثمنه جميع اليهود الذين يدنسون ترابًا عطره ذلكم الطفل المسلم بدمه الزكي. إنه من الصعب تحديد حجم العمليات البطولية الاستشهادية والتي سنفرح بها بإذن الله التي ستطاول اليهود ومجرمي الحرب على الأرض المحتلة وخارجها، ومن الصعب الآن إحصاء عدد الذين سيحصدهم ثأر الطفل المسلم، لكن بالتأكيد إن العمليات التي سينفذها رجال المقاومة الإسلامية وشباب فلسطين الرجال ستكون بحجم الغضب وحرارة النار التي أحرقت صبرنا، والجحيم الذي أشعل خواطرنا على هذا الذل الذي ألحقه بنا يهود إخوان القردة والخنازير على موت طفلنا المسلم وغيره من أطفالِنا، بهذه الطريقة المتوحشة الهمجية المفجعة.

لقد كان منظرًا هيّج نفوسنا، وأجج أحاديثنا، وقلّب مواجعنا، وكشف عوراتنا، وأهان رجولتنا، ومرغ أنوفنا، وأغرقنا بالدموع كالنساء، لقد حُق لليهود أن يستبيحوا دماءنا، وأن يعبثوا بأراضينا طالما أن الهمَ الإسلامي والغيرةَ الإسلامية في سُباتٍ عميق، والله المستعان.

أيها المسلمون، لماذا يقتل اليهود الأطفال؟ ما ذنب الطفلة ذات السبعة أشهر؟ ما ذنب محمد الدرة؟ وألف محمد ودرة، هذا البريء، لماذا يطلق الرصاص على ذلك الطفل؟ ما ذنبه الأن اسمه محمد على اسم صاحب الإسراء عليه الصلاة والسلام، أم لأنه مسلم من أمة الإسلام، أم لأنه سليل الأفذاذ من الرعيل الأول، أم هي محاولة أخرى للقضاء على رموز العزة ومنابع الفخار والإباء في أمتنا، ما ذنبه ليقتل:

أَذنْبك اْلاسْمُ أمْ إسلامك الذنْبُ أم أنَّ أسلافك الفاروقُ والصَحْبُ

أم ذنب آبائك الأحرارِ أن ربَّوْ كَ على أنَّ نار الثأر لا تخبو

أم ذنب قلبك أن القدس محفورٌ هواهُ في القلبِ والأقصى هو اللبُّ

أم ذنبنا نحنُ أنْ نِمْنا على ضيم والقدس ضيَّعها حُكّامها العُرْبُ

عفوًا طفلنا فحربنا صوتٌ وسلاحنا خطبة عصماءُ أو شجبُ

أما الجهاد فإرهاب وترويعٌ ومجلس الأمن لا يرضى فلا حربُ

فيا محمد عذرًا ما لنا حوْلٌ حتى الجهادُ اشْترى راياتِهِ الغرْبُ

أَرْخَصْتَ غاليْ الدم ولم تجبنْ فمُتْ شهيدًا وَأَخْجِلْ منْ به رَهْبُ

واْفضح بموتك من باعوا فلسطينا بصفقةٍ قد رعاها النَسْر والدُبُّ

عصابة من لصوص رأسها لص فَهَمُّهُمْ مالُهم وجهادهم سلب

زعيمهم ذَنَبٌ والذلّ يغشاهُ من يلقَ قبَّلهُ لو أنه كلْبُ

جبْنٌ إذا واجهوا الأعداء هابوهم أما الشجاعة يصلى نارها الشعب

ضاعت قضيتنا من يوم أن قدموا وغاب عنها أسود ضربُها عَطْبُ

ما حرّر القدس والأقصى طواغيتٌ ولا السلام يفيد وأخذها غصبُ

ما حرر القدس والأقصى سوى جيلٌ رأى الجهاد سبيلًا سنَّهُ الربُّ

أيها الأخوة المؤمنون، كثيرةٌ هي التساؤلات ونحنُ نرى النكبات التي تتقلب فيها الأمة العربية المسلمة خلال خمسين سنة، سيَّما مع اليهود في فلسطين. فلسطين التي يَدْمَى جرُحهَا كلَّ يوم، فماذا فعلنا لها؟ فماذا قدّمنا من تضحيات؟ وماذا فعلنا وحققنا بالتنازلات؟! هل بحثنا في أسباب هذه الهزائم والخسائر الفادحة؟ هل أذكاها عَوجٌ خلقي؟ أو خللٌ سياسي أو غش ثقافي؟ أو انحرافٌ عقدي؟

إن من المحتم على كل أصحاب الألسن وحملة الأقلام أن لا يقترفوا خيانات قاتلة بتجاهل هذه القضية, هذا التجاهل الذي يُؤخُر يومَ النصر.

وإن قضية فلسطين وغيرها من قضايا المسلمين الدامية يختلطُ فيها الشجو بالرضا, والتهنئة بالتعزية, رضا وتهنئة حينما يستحضر الإنسان مرأى أولئك الأبطال الذين وقفوا في وجه الصهيونية الحاقدة, فسارعوا إلى ملاقاة ربهم, ودماؤهم على ثيابهم وأبدانهم لم تُرفع لتَبْقى وسامًا فوق صدورهم.

وشجوٌ وتعزيةٌ حينما يقعُ ما يقع على مرْأى من أهل القبلة ومسمعٍ، فلا يحيرون جوابًا ولا يحركون ساكنًا إلا من رحم الله, تقع أمامهم الحوادث وتدلهمُّ الخطوب، فلا يأنون لمتألم, ولا يتوجعون لمستصرخ, ولا يحنُون لبائس.

أين أقل النصرة الواجب لإخواننا المسلمين؟ ليست فقط في فلسطين التي تشتد جراحُها هذه الأيام, بل في سائر بقاع المسلمين, الشيشان وكشمير والفلبين.

ليس من معنى لأمةٍ ترى شعوبها تُنتهكُ حرماتها وتُدنَّسُ مقدساتها وتنهبُ باسم السلام والشرعية الدولية ثم ترى كثيرًا من أفرادِ هذه الأمة وهو عاكفٌ على اللهو والعبث, فهذه كرةٌ يتابعونها باسم كأس آسيا, وهذه حفلاتٌ غنائية يقيمونها, وسهوٌ وغفلةٌ وكأنَّ ما يحدث لا يمسُّ أرضهم ولا يقتلُ إخوانهم ولا يؤذي جيرانهم.

إلى الله المشتكى، فكيف يستطيع أن يهنأ صاحبُ الترفه بطعامه وشرابهِ, بل كيف يُدلِّل صبيانه ويمازحُ أهله وهو يرى في فلسطين صبيةً مثل عيالهِ برءاءُ ما جنوا ذنبًا, أطهارٌ ما كسَبت أيديهم إثمًا, يبكون من الحيف ويتلمضون من الجوع, ويواجهون مدرعات وجنود صهيون بصدورهم وأحجارهم, يقتلون في حجر آبائهم, أفلا يكون للمسلم السهمُ الراجح في العطف عليهم كفكفة دموعهم ودمعهم بما يستطيع ليواجُهوا هؤلاء الأعداء بدلًا منه, كيف أصبح إخواننا في فلسطين تحت سيطرة يهودٍ الحاقدين وهم يلجئون إلى مكبرات أصوات المساجد يستغيثون بالمسلمين، وقد سالت عليهم حِممُ القنابل وأريقت دماؤهم, وإلى المساجد وقد هُدمت, وإلى الحرمات وقد انتهكت, فماذا فعلنا للأقصى؟!

تُرى أين دورُ المثقفين والكُتاب في وصف القضية وتحليلها, والخروج بالدروس والعبر منها, والكتابة عن دور السلام المزعوم أمام قومٍ وصفهم الله بأنهم ينقضون كل عهد وميثاق, أم أن أكثرهم سخروا الأقلام لتقويض دعائم الحياة الفاضلة والأخلاق الفاضلة, وأورثوا فوضى فكرية لا معروف فيها ولا منكر, وإنما هي انتهازية وإقليمية، وباتوا مرتزقة يستجدون الساسة والأثرياء بكتاباتهم.

أليس الدور المطلوب منهم الآن توضيح أبعاد القضية والمكر الخفي, وأن لاّ يكونَ كثيرٌ منهم إمَّعاتٍ يُردِّدون ما يُقال بلا توضيح للحقائق.

ترى هل يكون روبرت فيسك الكاتبُ البريطاني أكثرُ مصداقية من كثير من كُتابنا حين يصف اليهود بالخونة وما يُسمى السلام زائفًا والاعتداء من جهة إسرائيل ؟!

أين دورُ العلماءِ والفقهاء وهم قادة الناس ومُوجهيهم, ويَنتظر منهم المسلمون النصرة لإخوانهم، فإن العلماء الذين سطر التاريخُ أمجادهم كان الناسُ يلجؤون إليهم بعد الله عندما تدلهمّ المصائب وتكثرُ الأزماتُ ليجدُوا عندهم الحلَّ والتوجيه وقيادة الركب, فلا معنى لعالمٍ أو طالب علم يكون في وادٍ أو برج عاجي، وأمته وقضاياها في وادٍ آخر.

حينما دخل التتارُ إلى بغداد ودمشق وعاثوا فيهما فسادًا كان الفقهاء حينذاك كما يروي التاريخ يناقشون قضايا فقهية ليس ذاك وقتها, فهل عرفنا التاريخ بأسمائهم, لقد حفظ لنا التاريخ أسماء بارزة من أمثال ابن حنبلٍ ومالك وابن تيمية الذي جاهد التتار وتقدَّم الجيوش فأصبح رجل الناس المحبب إليهم, يصدرون عن رأيه، ويرجعون إليه, ويفقدونه إذا غاب أو غُيِّب, إنه ليس من معنى أن ترى بعض المبتدعة أو الرافضة من العلماء وهم في مواقفهم أشدُ قوة وأكثرُ وضوحًا من علماء المنهج الصحيح الذين انشغلوا عن القضية بنقاشات وفلسفات بعيدة عن مُصاب الأمة.

ثم إننا نتساءل عن دور التجار وأصحاب الأموال في دعمهم لقضية فلسطين، وكثيرٌ منهم قد تجمعت أموالهم وتراكمت من خلال الأسهم والبنوك, وإخوانهم في أشد حاجة إليها, فأصبح المال الإسلامي طاقة مهدرة تُحركها بنوكُ الغرب ومصارفه, وتجدُ أن أحدهم يضع العراقيل أمام تبرعه إن بذله.

العجب لحال أهل الإسلام حين يرضى بالقعود أولو الطول والمقدرة ممن يملكون وسائل الجهاد والبذل, ولا يذودون عن حرمةٍ, ولا ينتصرون لكرامةٍ, وإن من وراء حب الدعة وإيثار السلامة سقوط الهمة وذلة النفس وانحناء الهمة والتنكصُ عن المواجهة بالمال والنفس, فأين استخدام سلاح الاقتصاد والنفط في مقاطعة أعداء الإسلام وبضائعهم ومن عاونهم وترك الشراء منهم وإبرام الصفقات معهم.

ترى أين دور قنواتنا الإعلامية العربية التي ملأت فضاءنا؟ هل برامجها المعروضة تدلُّ على مصاب الأمة في أبنائها وفاجعتها في مقدساتها, وفي ذات الوقت التي تعبث فيه مروحيات اليهود وطائراتهم في سماء فلسطين وتقصف الآمنين فإن جل هذه القنوات باتت ترقص على جراحات الأمة عبر عروضها الغنائية الفاضحة, والمسابقات الفنية والكروية, ومسابقات الجمال, وترى اليهود يقصفون فلسطين ومقدساتها وتعرض هذه القنوات افتتاح دورة رياضية أو حفلة غنائية.

أين دورك أنت يا ابن الإسلام؟ أين بذلُك ودعمك، حدثنا عن مقاطعتك للبضائع الغربية التي يقول عنها أبناء فلسطين: لا نريد منكم في الخليج أكثر من مقاطعة البضائع اليهودية والأمريكية.

وأستغفر الله العظيم...

أما بعد:

أيها المسلمون، إن ما يقع هو منبثق من عقيدة اليهود, وهم يحاربون عن عقيدة يريدون طمس القدس وإزاحته, يريدون الاستيلاء عليه كما استولوا على الأرض، لقد استعملوا كل الأساليب من أجل الحصول على ذلك, اشتروا الأرض بعدما اشتروا النفوس، باع العرب أرضهم وضمائرهم لليهود يوم أن جلسوا معهم للتفاوضً وعقدوا المعاهدات في الوقت الذي أُعلن فيه أن القدس عاصمة إسرائيل إلى الأبد, بل اتخذ اليهود بذلك قرارهم الرسمي من الكنيست الإسرائيلي باعتبار القدس العاصمة الأبدية لإسرائيل, وكانت تلك بداية التنازلات بالنسبة لقضيتهم، ومن ثمّ كلما قام اليهود بعمل إرهابي أو باعتداء على الأبرياء والمؤسسات إلا وقام العرب والمسلمون بالاستنكار وتذكير الأمم المتحدة بالقرارات, بالرغم أن إسرائيل احتلت فلسطين وتوطدت بقرار من هيئة الأمم المتحدة.

أيها الأحبة، هذه هي القضية، وذلكم هو وضعها، إن القضية ليست غامضة ولا ملتوية، وما هي بالمستعصية الفهم أو الشائكة، لكنها تحتاج إلى شيء من الفهم القرآني والإلمام بطبائع الأشياء واستعراض النواميس الإلهية والسنن الأزلية.

بل نبأ هذه الأحداث في القرآن والسنة من مبتدئها إلى منتهاها، يوم يقول الشجر والحجر: (( يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهوديٌ ورائي فاقتله ) ).

اعلموا أن معركة الإسلام مع الكفر، ليست وليدة اليوم، وإنما هي فصول يقصها القرآن وترويها السنة، في أدوار مختلفة، ولن يخلو زمان أو مكان من تلك المعركة الضارية، غير أن النور الذي حمله رسول الله ليضيء الدنيا، لن ينطفئ أبدًا، بل هو باق خالد، في أيدي المسلمين، يحملونه إلى البشرية ليضيء الدنيا مرة أخرى بأمر من الله، ويوحد الكلمة، ويجمع الشتات، وإن للمسلمين في وعد ربهم، ما يشد عزائمهم للثبات على دينهم وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ ?لْمُؤْمِنينَ [الروم:47] . قال رسول الله: (( لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك) ) [رواه البخاري] . قال الله تعالى: هُوَ ?لَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِ?لْهُدَى? وَدِينِ ?لْحَقّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ?لدّينِ كُلّهِ وَلَوْ كَرِهَ ?لْمُشْرِكُونَ [الصف:9] قال ابن كثير رحمه الله: أي يظهره على سائر الأديان كما ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله قال: (( إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها ) ).

إن شعوبًا لا تعرف إلا الله، لن يغلبها من لا يعرف الله، وإن من لا يعرف إلا الحق، لن يغلبه من لا يعرف إلا الباطل. فجند الله هم الغالبون بالحجة واللسان، كما أنهم الغالبون بإذن الله تعالى بالسيف والسنان. إن كل ما نراه من مصاعب تحل بعالمنا الإسلامي إنما هي بإذن الله إرهاصات لنمو إسلامي متكامل، يشمل الحياة كلها وألا يدخل اليأس في قلوبنا، فوعد الله عز وجل بالنصر والتمكين متحقق بإذن الله بعز عزيز أو بذل ذليل، عزًا يعز الله به الإسلام وأهله، وذلًا يذل الله به الشرك وأهله، وبعد هذا فلا ننسى إخواننا من الدعم المالي يجب علينا أن ندعم صمودهم وجهادهم ونقف على حاجاتهم.

بالأمس أطلق برنامج الغذاء العالمي عملية عاجلة لمساعدة 270 ألف فلسطيني لم يعد في وسعهم تأمين حاجاتهم الغذائية بسبب الحصار الذي تفرضه إسرائيل على الضفة الغربية وقطاع غزة، فهذه البرامج التي تُظهر الإنسانية تهدف إلى تنصير أبناء المسلمين، وتقدم الإنجيل مع الرغيف والصليب مع الحليب، فالله الله في البذل والصدقة يقول: (( الصلاة نور، والصدقة برهان ) ).

فبرهن أخي على صدق الإيمان بالإنفاق، أنفق أخي ينفق عليك، (( ما نقص مال من صدقة، بل تزده، بل تزده ) (( اتقوا النار ولو بشق تمرة ) ).

وأختم لك أخي بهذا النداء: وجهت رابطة العالم الإسلامي دعوتها لمؤسسات الإغاثة الإسلامية لتقديم العون والمساعدة للشعب الأفغاني المسلم لتجاوز محنة الفقر والجوع بسبب الجفاف الذي اجتاح أفغانستان مؤخرا وأدى إلى انتشار الأمراض والأوبئة.

وناشد الأمين العام للرابطة الدكتور عبدالله التركي جميع المسلمين الإسراع في إنقاذ الشعب الأفغاني من مخططات التنصير التي تنفذها بعض المؤسسات التنصيرية العاملة تحت غطاء تقديم الأعمال الخيرية.

وأوضح التركي أن بعض مؤسسات التنصير استغلت ظروف الفاقة والفقر التي عمت معظم أفغانستان لردهم عن الإسلام وحملهم على اعتناق النصرانية واعتبره عملا مخالفا للاتفاقيات والعهود الدولية ويتناقض مع رسالتهم الإنسانية.

وطالب جميع مؤسسات العمل الخيري في العالم الإسلامي بأن تدعم الشعب الأفغاني وتسعى إلى توعيته بمخاطر مخططات المؤسسات التنصيرية الهادفة إلى تخريب عقيدتهم الإسلامية.

نسأل الله جل وعلا أن يعجل بالنصر لإخواننا المسلمين في فلسطين. وفي سائر بلاد المسلمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت