فهرس الكتاب

الصفحة 4435 من 5777

فضل البقرة والمعوذات

الرقاق والأخلاق والآداب, العلم والدعوة والجهاد

الدعاء والذكر, القرآن والتفسير

غازي بن سالم بن صالح

دبي

سالم بن بخيت البخيت

1-ثمرات الحديث عن فضل سور القرآن. 2- فضل سورة البقرة. 3- فضل آية الكرسي. 4- فضل خواتيم سورة البقرة. 5- فضل المعوذات وبيان معانيها.

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أيها المؤمنون، إن الحديث عن فضل سوَر القرآن وتعلم ما ورد عن النبي في ذلك يورث عند المسلم الرغبة في تعلم القرآن والإقبال عليه والحرص على حفظه، ويزداد بذلك إيمانًا وثباتًا، ويقوى قلبه على منازلة الشياطين والتقوّي على حربهم بهذا الكتاب العظيم. وقد سبق معنا الحديث عن فضل الفاتحة الشافية الكافية، واستمع معي الآن إلى ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الفضل في الأخذ بسورة البقرة وبعض آياتها.

أخرج مسلم في صحيحه عن أبي أُمَامة الباهِلي قال: سمعت رسول الله يقول: (( اقرؤوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، اقرؤوا الزَّهْرَاوين: البقرة وسورة آل عمران؛ فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غَمَامَتان، أو كأنهما غَيَايتَان، أو كأنهما فِرْقَان من طير صَوَافّ تحاجّان عن أصحابهما، اقرؤوا سورة البقرة؛ فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البَطَلَة ) ). وفيه أيضًا عن النَوّاس بن سَمْعَان أنه قال: سمعت النبي يقول: (( يُؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به، تقدمه سورة البقرة وآل عمران ) )، وضرب لهما رسول الله ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد، قال: (( كأنهما غَمَامَتان، أو ظُلَّتان سوداوان بينهما شرق، أو كأنهما حِزْقَان من طير صَوَافّ تحاجّان عن صاحبهما ) ). وفيه أيضًا عن أبى هريرة أن رسول الله قال: (( لا تجعلوا بيوتكم مقابر؛ إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة ) ). ففي أخذ المسلم لهذه السورة أمان من كيد الشيطان لنفسه وبيته، يقيه ذلك من كيد شياطين الجن وأعوانهم من شياطين الإنس من السحرة ونحوهم.

وقد اشتملت هذه السورة على آية عظيمة مَن حافظ على قراءتها دُبر كل صلاة لم يكن بينه وبين الجنة إلا أن يموت فيدخلها، إنها آية الكرسي أعظم آية في كتاب الله، فقد روى مسلم عن أُبي بن كعب قال: قال رسول الله: (( يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ ) )قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: (( يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ ) )قال: قلت: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:255] ، قال: فضرب في صدري وقال: (( والله، ليهنك العلم أبا المنذر ) ).

وعن أبى هريرة أن رسول الله لما وكله بحفظ زكاة رمضان قال: فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام، فأخذه أبو هريرة، وقال: والله لأرفعنّك إلى رسول الله ، فقال: إني محتاج، وعلي عيال، ولي حاجة شديدة، فكان أبو هريرة يخلي سبيله حتى فعل ذلك ثلاث مرات، فقال له أبو هريرة: هذا آخر ثلاث مرات أنك تزعم لا تعود ثم تعود، قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: ما هو؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح. قال: فخليت سبيله فأصبحت، فقال لي رسول الله: (( ما فعل أسيرك البارحة؟ ) )قلت: زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها، فخليت سبيله، قال: (( ما هي؟ ) )قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ، وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، وكانوا أحرص شيء على الخير، فقال النبي: (( أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ ) )قال: لا، قال: (( ذاك شيطان ) ).

وأما خواتيم سورة البقرة فقد روى مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: لما أُسرِي برسول الله انتُهِي به إلى سدرة المنتهى، وإليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها... قال: فأُعطِي رسول الله ثلاثًا: أُعطِي الصلوات الخمس، وأُعطِي خواتيم سورة البقرة، وغُفِر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئًا المُقْحِمَات. وروى الترمذي عن النُّعْمَان بن بَشِير عن النبي قال: (( إن الله كتب كتابًا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام، أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، ولا يُقرَآن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان ) ). وفي صحيح مسلم وسنن النسائي عن ابن عباس قال: بينما رسول الله وعنده جبريل عليه السلام إذ سمع نقيضًا فوقه، فرفع جبريل عليه السلام بصره إلى السماء فقال: هذا باب قد فتح من السماء ما فتح قط، قال: فنزل منه ملك فأتى النبي فقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لم تقرأ حرفًا منهما إلا أعطيته. وفي الصحيحين عن أبي مسعود البدري قال: قال: رسول الله: (( الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأهما في ليلة كفتاه ) ).

فيا أيها المسلم، أقبل على القرآن تعلّمًا وتعليمًا، ولا تخش بعد ذلك من كيد الشياطين.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.

أيها المؤمنون، وقد ختم الله كتابه الكريم بالمعوذات الثلاث: قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس. قل هو الله أحد فيها صفة الرحمن، فإنه الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، وإنها لتعدل ثلث القرآن كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام، فيها إبطال لمذهب اليهود الذين قالوا: عُزَير ابن الله، ولعقيدة النصارى الذين كفروا بقولهم: المسيح ابن الله، وللمشركين الذين أشركوا في عبادتهم غير الله والذين قالوا الملائكة بنات الله. روى مالك عن أبي هريرة أنه أقبل مع رسول الله فسمع رجلًا يقرأ (قل هو الله أحد) ، فقال رسول الله: (( وجبت ) )، قال: فسألته: ماذا يا رسول الله؟ فقال: (( الجنة ) ). وفي صحيح مسلم عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله: (( ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ) )، وفي رواية عند ابن حبان أن عقبة قال: يا رسول الله، علمني من سورة هود أو من سورة يوسف، فعلمه النبي أن يقرأ بسورة الفلق، وقال له: (( إنك لن تقرأ سورة أحب إلى الله منها ) ). وصح عنه أنه قال: (( ما تَعَوَّذ مُتَعَوِّذ بمثلهما ) ). وصح عن عائشة أن رسول الله كان إذا اشتكى نَفَثَ على نفسه بالمعوذات، ومسح عنه بيده، فلما اشتكى وجعه الذي توفي فيه طَفِقتُ أنفُثُ على نفسه بالمعوّذات التي كان ينفُث، وأمسح بيد النبي عنه. وكان يحث على قراءتها في الصباح والمساء وعقب الصلوات، وذلك لما اشتملت عليه هذه السور من التعوّذات العظيمة.

لقد اشتملت سورة الفلق على الاستعاذة بالله رب الفلق يعني الصبح، مِن شَرِّ مَا خَلَقَ: وهي كلمة جامعة تشمل الاستعاذة من شر كل شيء، وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ: وهو الليل إذا دخلت ظلمته، وانتشر فيه الشياطين، وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ: وهم السحرة الكفرة، وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ: وهذه استعاذة من الأعين الخبيثة والأرواح الشريرة التي تصيب الإنسان، فما يخشاه المسلم من المس الشيطاني أومن عمل السحرة أو من العين الحاسدة فإن هذه السورة تدفعه بإذن الله.

وأما سورة الناس فإن المرء بقراءتها يقدم بين يدي استعاذته التوسل إلى الله بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته فيقول: أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ مِنَ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ وهو الشيطان الجاثِم على قلب ابن آدم، فإن ذَكَر الله خَنَس، الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ، فهذه استعاذة بالله مالك الملك من شر كل الشياطين من الإنس والجن.

أيها الناس، كثير منا في غفلة عن فضل هذه السورة، فلنجتهد في تعلم القرآن والعمل به ومدارسته آناء الليل وأطراف النهار.

اللهم وفقنا للعمل بكتابك الكريم، اللهم حبب إلينا القرآن، واجعله ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء أحزاننا وذهاب همومنا، اللهم حبب إلينا الإيمان، وزينه في قلوبنا، وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت