فهرس الكتاب

الصفحة 5241 من 5777

وفاة الألباني

سيرة وتاريخ

تراجم

حمزة بن فايع الفتحي

محايل

جامع الملك فهد

1-ذهاب العلماء والصالحين. 2- فضائل الألباني. 3- ثناء العلماء عليه. 4- نشأته وجهاده في طلب الحديث. 5- أعماله وإجازاته.

معاشر المسلمين، ما برحت أمتنا الإسلامية أن بُليت بالأمس حتى بليت اليوم، ففي الأمس القريب فقدت علمها وشيخها ورهطًا من الصلحاء والفضلاء. واليوم فارقت بالأدمع الحارة والعبرات الآسفة شيخ الإسلام وأمير المؤمنين في الحديث، ناصر السنة وقامع البدعة، الشيخ العلامة والمتقن الفهامة، ذو التحقيقات الباهرة والمصنفات الظاهرة، الشيخ العلامة محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى. من أحيا الحديث يوم غاب فرسانه، وأضاء نوره حين أفلت شمسه، فهو كأحمد في النصرة والذب، وكالبخاري في حسن التصنيف، وكالذهبي في البحث والتدقيق، وكابن حجر في الفهم والاستيعاب.

ردوا سلام الله يا إخواني قولوا: رعاك الله يا ألباني

يا حافظا سنن النبيّ بعصرنا كالترمذي أو أحمد الشيباني

قال الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ [الرعد: 41] . قال جماعة من المفسرين: نقصانها بذهاب صالحيها وخيارها.

وروى البخاري في صحيحه عن مرداس الأسلمي رضي الله عنه أن النبي قال: (( يذهب الصالحون الأول فالأول، وتبقى حثالة كحثالة التمر والشعير، لا يباليهم الله باله ) ). نعم، إن بلاء الأمة وشقاءها أن تذهب خضراؤها، وتنقشع زينتها، وتغيب نجومها، وتصبح تائهةً هائمة، قد قلَّ خيارها، وكثر شرارها، وتبقى حثالة لا يباليهم الله باله.

لقد كان الشيخ الألباني رحمه الله حامل راية الحديث والذابّ عن السنة تصنيفًا وتحقيقا وتثبيتًا وتدريسًا ونشرًا وتبليغا، وإننا لنفقد نسمة مباركة ضربت أطنابها مشارق الأرض ومغاربها، وملأت خيراتها أرجاء المعمورة، وأضاءت بركاتها أقاصي الدنيا.

أيها الإخوة الكرام، في ذلك الزمن البئيس والعيش الكئيب تُضيء (نسمة ألبانية) يرفرف عليها تاج النور والهدى، تشعّ منها خصال الجد والدأب والعلاء والصبر والنبل والسمو، فتطمح لأمجاد السالفين، وتتوق لمراقي الفالحين، وتضجّ من خساسةٍ في الهمم فاشية ودنوٍّ في العزائم ظاهر، فحين يفرح أهل الدنيا بلذائذهم وشهواتهم ومجامعهم تغشاها السعادة الفارهة والرحمة الطيبة وهي تقبل على الحديث وتنشغل بمتونه ورواياته.

كان الشيخ الألباني رحمه الله عالمًا بالشريعة، محدثًا نافذًا فاق الأصحاب والأقران، استضاءت بعلمه الأمة، وعزّت بجهاده الملة، وازدانت به السنة. أمضى ستين عامًا ونيفا في الحديث النبوي الشريف، يفيد الطالبين، ويهدي المسترشدين، ويقمع المبتدعين. اللهم ارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، ونور له في قبره وافسح له فيه.

أيها الإخوة، من الذي لا يعرف الألباني محدث العصر الذي أذهل الناس بتصانيفه وجذبهم إلى تآليفه وسحرهم بحواشيه وتعليقاته؟! إنه بحق أمير المؤمنين في الحديث، قلّ تجدون مثله أو تسمعون بنظيره. قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله:"ما رأيت تحت أديم السماء عالمًا بالحديث مثل العلامة محمد ناصر الدين الألباني"، وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:"قل رجل يكون مثله في هذا الزمان"، وقال أيضًا:"إنه ذو علم جم في الحديث رواية ودراية، وإن الله قد نفع فيما كتبه كثيرًا من الناس"،"فالرجل طويل الباع، واسع الاطلاع، قوي الإقناع"انتهى كلامه.

ابتدأ الشيخ الألباني رحمه الله طلب الحديث في نحو العشرين من عمره، متأثرًا بأبحاث مجلة المنار التي كان يُصدرها الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله، وكان لتلك الأبحاث أكثر الأثر في دفعه إلى دراسة الحديث الشريف. وقد حصل للشيخ في حياته أزمات وابتلاءات تخلّص منها بعزيمته الخارقة وإرادته الصادقة، ولعل من أولها (مشكلة الفقر) التي عاشها مع والده وهو يعول أسرة كبيرة، ثم تجرّعها لوحده كغيره من أهل العلم، بعد أن صرفه والده الراحل إلى مهنة (إصلاح الساعات وبيعها) . ولعل المرء يعجب أن مصلحَ الساعات هذا غدًا إمام الحديث ومقدّمه وحجته، فلم تحل هذه المهنة دون الطلب والجدّ والبحث والمطالعة، فساعة للجسد وساعة للروح.

فكان يتردد على المكتبات لا سيما (المكتبة الظاهرية) ، ويمكث فيها نحو ثماني ساعات يوميًا، يعيش مع أهل الحديث زائرًا ومكلمًا وأنيسًا ومناجيًا، حتى أظهره الله تعالى في هذه الفترة العصيبة التي كادت تنطفئ فيها شمس الحديث، فأعاد للحديث وزنه وقدره وبهاءه وضياءه. وهنا مقولة حسناء للإمام الشافعي رحمه الله يقول:"لا يطلب أحد هذا العلم بالملك وعزّ النفس فيفلح، ولكن من طلبه بذلِّ النفس وضيق العيش وخدمة العلماء أفلح"، وقال أيضًا رحمة الله:"لا يصلح طلب العلم إلا لمفلس".

قال الشيخ محمد بن إبراهيم الشيباني في ترجمة الألباني:"الشيخ لم تسنح له الفرصة ليكتب قصة حياته بنفسه، لانشغاله بطلب العلم والتنقل في فنونه، وإلا لأصبحت قصته مؤثرة مبكية، وقد قال لي يومًا: لو كان عندي فسحة من الوقت لكتبت ما لم تسمع به من القصص".

ومن شدة العنت والفقر الذي عاشه الشيخ أنه كان لا يملك ورقة يشتريها ليسودها بما منَّ الله تعالى عليه من علم فيها، فكان يطوف في الشوارع والأزقة يبحث عن الأوراق الساقطة ليكتب على ظهرها، وذلك لأن وجه الورقة يكون عادة مكتوبًا فيه إما دعوة لافتتاح معرض أو حفلة زواج أو دعاية لمصنوعة من المصنوعات، وقد أطلعني الشيخ على بعض الكتب المخطوطة والتي كتبت بهذه الأوراق، وأغلبها قد تقطعت أطرافها وتساقطت، وقال لي ذات مرة: كنت أشتري الأوراق (سقط المتاع) بالوزن لرُخصه.

وله اليد الطولى في دحر المبتدعة وكشف ألاعيبهم، فلقد نصر بعلمه أهل الإسلام والسنة، وحارب أهل الهوى والفرقة، وغار على الدين والحرمة، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين عامّة وأهل الحديث خاصة خير الجزاء، وبلغة منازل الصديقين والشهداء.

اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله، يكفي الشيخ الألباني من الفخر والشرف انضمامه لمدرسة أهل الحديث الذين هم أنصار الملة وأقطاب الدعوة، والذين يصلحون إذا فسد الناس.

قال الخطيب البغدادي رحمه الله في شرف أهل الحديث:"قد جعل الله تعالى أهله أركان الشريعة، وهدم بهم كل بدعة شنيعة، فهم أمناء الله من خليقته، والواسطة بين النبي وأمته، والمجتهدون في حفظ ملته، أنوارهم زاهرة، وفضائلهم سائرة، وآياتهم باهرة، ومذاهبهم طاهرة، وحججهم قاهرة، وكل فئة تتحير إلى هوى ترجع إليه، أو تستحسن رأيا تعكف عليه، سوى أصحاب الحديث، فإن الكتاب عدتهم، والسنة حجتهم، والرسول فئتهم، وإليه نسبتهم، لا يعرجون على الأهواء، ولا يلتفتون إلى الآراء"انتهى الكلام.

لم يتقلد الشيخ الألباني رحمه الله شيئا من الولايات والمناصب، بل كان أعلى منها قدرًا وأرقى منها فضلًا وأرفع منها صيتًا. كان صيته بالسنة التي حملها والدعوة التي بذلها والرسالة التي نشرها. وقد درّس الشيخ رحمه الله في الجامعة الإسلامية ثلاث سنين، فانتفع الناس به، واستفاد منه الشيوخ والطلاب، إذ كان الطلبة يزدحمون على سيارته يسألونه ويسلمون عليه، وكان معهم متواضعًا طيب الأقوال والأفعال.

وفي الهند عرضت عليه (مشيخة الحديث) في الجامعة السلفية فاعتذر عن ذلك. وقد وقع عليه اختيار الملك خالد رحمه الله ليكون عضوا في المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية من عام خمس وتسعين إلى ثمان وتسعين من الهجرة.

وقد خصصت له إدارة المكتبة الظاهرية بدمشق غرفة ليتفرغ للبحث والتحقيق، وهذه لم تحصل لأحد من قبله. وفي العام الماضي نال جائزة الملك فيصل لجهوده العلمية الثرية، ولما علم بذلك قال:"اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة".

أيها المسلمون، رحل الشيخ الألباني ولم يخلف إلا ذكراه الحسنة وفضائله العطرة، فدونكم كتبه وتحقيقاته ورسائله، اقرؤوها وانتفعوا بها.

وسوف نصلي على الشيخ رحمه الله صلاة الغائب اقتداء بالنبي إذ صلى على أنصار الدعوة وحماة الإسلام نحو النجاشي، فادعوا الله له بالمغفرة والرحمة، وسلوا له الكرامة والتثبيت.

وصلوا وسلموا ـ يا عباد الله ـ على من أمركم الله تعالى بالصلاة والسلام عليه، فقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56] ، وقال: (( من صلى عليَ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرًا ) ).

اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبِه أجمعين...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت