فهرس الكتاب

الصفحة 5240 من 5777

السحر

الأسرة والمجتمع, التوحيد, الرقاق والأخلاق والآداب

الكبائر والمعاصي, قضايا المجتمع, نواقض الإسلام

حمزة بن فايع الفتحي

محايل

جامع الملك فهد

1-علامات الساحر والمشعوذ. 2- حكم إتيان السحرة والمشعوذين. 3- الطرق الشرعية الصحيحة للوقاية من السحر.

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب: 70، 71] .

أيها الناس، في ذلك الحي الهادي المتواضع يسكن الرجل المتظاهر بالطيب والصلاح، وهناك أسس بدهائه (بيمارستانًا) لعلاج الناس بما يسمى في عرفهم بالطب العربي أو الشعبي، قصده أصحاب البلاء، وأمّه الصرعى وذوو العاهات، وازدحم عليه طلاب الولد والذرية. إن أمره لعجيب، يعطي أدوية عجزت مراكز الطب المتقدمة عن مضاهاتها، له وصفات متميزة: اذبح تيسًا أو ديكًا، أهرق الدم على ظهر المريض، ضعه في قربة أو بين طريقين. يضرب على ظهر العقيم رجاء فك العقم وإزالته، ويأتي بعجائب وغرائب!

تخصصاته: شفاء المرضى والمبتلين، ورد الحاجات والضوال، ولديه قسم متطور لحالات العقم وأسباب تأخر الذرية، وهذا في مجالات أخرى من الطب عائده المادي مذهل! يجني وهو متكئ على أريكته أضعاف ما يكسبه أهل المواقع الحساسة والدعايات النفاثة في الأسواق.

مشتهر بحسن السمعة والصلاح وإرادة الخير والنفع للآخرين. استطاع هذا المجرم المحتال أن يلتهم أموال وعقول السذج والضعاف والمساكين الذين لا يملكون حولًا ولا طولًا. إنه في طبه لا يستند إلى الرقى والتعويذات الشرعية حتى يقال: إنه شيخ علم وفضل وصلاح، وهو في طبه لا يعتمد على وصفات أهل الخبرة بالأدوية المعروفة المباحة، لكنه يستند إلى مرائي شيطانية وشعوذات كفرية؛ لأن المركز الذي تخرج منه لا يمكن له تخرجه منه حتى يصيب نوعًا من الكفر والعياذ بالله.

ولقد سُبِرت أحوال السحرة والمشعوذين والدجالين فوجد أنهم لا يتقنون صناعتهم تلك حتى يقارفوا مكفرًا يكون موصلًا لأهدافهم وغاياتهم، فذاك ساحر يسجد لصنم، وساحرة تضع القرآن في فرجها، وآخر لا يرى فرضية الصلاة، وآخر يذبح للجن ويتقرب إليهم، وكلما كان كفره شديدًا غليظًا كان سحره أشد وأبلغ، والله المستعان.

معاشر المسلمين، لقد تفشت سموم السحرة في أماكن كثيرة، وغزت بقاعا شتى، وأصبح الإنسان مبتلى في نفسه أو في روحه أو في أبنائه. مسلم صالح لم يذق حلاوة الحياة الزوجية بسبب كرب زوجته المسحورة، أو امرأة مسكينة هلكت عبثًا وسفهًا من وطأة العُقَد المنفوثة من الساحر الخبيث، وذاك شاب يافع أورده قِرنه الحقود موارد الضياع والهلاك حتى فقد لذائذ الحياة ومحاسنها.

أيها الإخوة، إن عجبنا لا ينقضي من مسلم مؤمن بالله يدعي العلم والثقافة ثم يُرى مرتادًا لمنازل السحرة والدجالين؛ راجيًا الذرية أو شفاء ولده المنكوب، هل غاب عليه وهو مسلم واعٍ قول النبي: (( من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر مما أنزل على محمد ) )؟! وهل كان يعلم أن مجرد سؤاله معصية ما أشدها من معصية؟!

روى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي ترفعه: (( من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة ) )، وفي صحيح مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله، إني حديث عهد بجاهلية، وقد جاء الله بالإسلام، وإن منّا رجالًا يأتون الكهان، قال: (( فلا تأتوهم ) ).

فيا أيها المسلمون المتعلمون، كيف يصح إسلامكم وذهابكم للسحرة الدجالين، وهم حرب لله ورسوله، وهم مصنع الفساد والشر في الأرض؟! كيف تصح صلاتكم وقد كدرتموها بالتوجه لغير الله في الشفاء وقضاء الحوائج؟! كيف يصدق خيركم وقد عكرتموه بالركون للسحر والأشرار؟! قال الله تعالى: وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [طه: 69] .

إن الساحر دجال خبيث، إن كان لعب بعقولكم وأظهر من فنون البراعة والإتقان ما استمالكم فقد قضى الله عليه بالهلاك والفشل والتباب، قال تعالى: فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ [يونس: 81] .

قال الإمام النووي رحمه الله:"عمل السحر حرام، وهو من الكبائر بالإجماع، وقد عده النبي من السبع الموبقات، ومنه ما يكون كفرًا، ومنه ما لا يكون كفرًا بل معصية كبيرة، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر فهو كافر، وإلا فلا، وأما تعلمه وتعليمه حرام".

أيها الإخوة الفضلاء، إن السحرة والمشعوذين لا يتم لهم نشر باطلهم ولا التلبيس على الناس والتأثير فيهم إلا بمعاونة الجن والشياطين، وهي لا تقدم لهم ذلك حتى يكفروا بالله تعالى، قال تعالى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى المَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [البقرة: 102] .

وقد أخبر النبي أن الشياطين تسترق السمع مما قدّره الله وأخبر به ملائكته، وتضعها على لسان الساحر أو الكاهن، فيزيد عليها مائة كذبة.

قال أبو محمد بن قدامة المقدسي رحمه الله:"السحر هو عُقَد ورقى وكلام، ويتكلم به أو يكنيه أو يعمل شيئًا يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة له، وله حقيقة، فمنه ما يقتل وما يمرض وما يأخذ الرجل عن امرأته فيمنعه وطأها، ومنه ما يفرق بين المرء وزوجه وما يُبغض أحدهما إلى الآخر أو يحبب بين الاثنين".

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"أرباب السحر والنيرنجيات وعمل الكيمياء وأمثالهم ممن يدخل في الباطل الخفي الدقيق يحتاج إلى أعمال عظيمة وأفكار عميقة وأنواع من العبادات والزهادات والرياضات ومفارقة الشهوات والعادات، وآخر أمرهم الشك بالرحمن وعبادة الطاغوت والشيطان".

روى ابن حبان في صحيحه بسند حسن عن أبي موسى رضي الله عنه أن النبي قال: (( لا يدخل الجنة مدمن خمر، ولا مؤمن بسحر، ولا قاطع رحم ) ). وأخرج البزار بسند حسن عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( ليس منّا من تَطيَّر أو تُطيِّر له، أو تَكهَّن أو تُكهِّن له، أو سَحر أو سُحِر له، ومن أتى كاهنًا فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ) ).

اللهم إنا نسألك فعل الخيرات...

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا كما يحب ربنا ويرضى، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها المسلمون، إنَّ سريان السحر إلى أهل الخير والإيمان المتوكّلين على الله المعتصمين بذكره معدوم وممتنع بإذن الله تعالى، وإنما يسري السحر غالبًا في النفوس الضعيفة الخاوية من ذكر الله، المتلبسة بمعصية الله، المستحوذة عليها الشياطين، وقد ذكر أهل العلم طرقًا شرعيّة صحيحة للوقاية من السحر تغني المؤمنين عن الذهاب للسحرة والعرافين.

ومن ذلك الاستعاذة بالله تعالى، وقد أرشدنا القرآن إلى الاستعاذة في غير موضع، قال تعالى: وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأعراف: 200] .

ومنها تقوى الله والاستقامة على دينه، فمن اتقى وحَفِظ فرائضه تولاه الله وحفظه ولم يكله إلى غيره، قال تعالى: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا [الطلاق: 2] ، وفي وصية لابن عباس الشهيرة: (( احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك ) ).

ومنها التوكل على الله والاعتماد عليه سبحانه وتعالى، وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: 3] أي: كافيه، وإن الله مع المتوكلين؛ يحفظهم وينصرهم ويرعاهم.

ومنها تجديد التوبة وكثرة الاستغفار، فإن الذنوب سبب للبلاء والنكبة والحسرات، وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ [الشورى: 30] .

ومن الوسائل الشرعية الصدقة والإحسان، فإن لذلك تأثيرًا عجيبًا في دفع البلاء والسحر والحسد، وقد صح عنه أنه قال: (( داووا مرضاكم بالصدقة ) ).

ومن الوسائل المهمة الأكيدة قراءة القرآن الكريم، والمواظبة على الأذكار والتعويذات الشرعية بصدق وتدبر وإتقان دون ملل أو يأس، فإنها هي الدواء النافع والمانع بتوفيق الله وتأييده. وقد صنف أهل العلم قديمًا وحديثًا كتبًا في الأذكار وفي عمل اليوم والليلة مما تقرّ به أعين المؤمنين وتنشرح له صدور المتقين، ومن أحسنها وأحضرها في هذا العصر رسالة صغيرة بعنوان:"حصن المسلم"، للشيخ سعيد بن وهف القحطاني وفقه الله تعالى، ولم يذكر فيه إلا الصحيح الثابت، وهو خليق بأن يحفظ ويعتنى به.

اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمنًا وسائر بلاد المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت