الرقاق والأخلاق والآداب
الآداب والحقوق العامة
عاصم بن لقمان يونس الحكيم
جدة
جامع جعفر الطيار
1-آداب الجلوس في الطريق. 2-صور من أذى الجلوس في الطرقات. 3- آداب المجالس.
إن الإنسان اجتماعي بطبعه، لا مفر له من مخالطة الناس والاجتماع بهم.
ولقد جاءت في السنة المطهرة آدابٌ ينبغي على كل مسلم أن يعيها ويعمل بها، فمن ذلك أن يتخير المسلم مجلسه فلا يقعد في مكانٍ بحيث يكون جزء منه في الظل والآخر في الشمس لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الجلوس بين الضِّحِّ والظل، وعلل ذلك بقوله: (( مجلس الشيطان ) ).
ولقد نهى نبينا صلى الله عليه وسلم المسلمين عن الجلوس في الطرقات فقال: (( إياكم والجلوس في الطرقات ) )، وفي رواية: (( ما لكم ولمجالس الصعدات؟ اجتنبوا مجالس الصعدات ) )، فقالوا: يا رسول الله ما لنا بُدٌ من مجالسنا نتحدث فيها، فقال: (( إذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه ) )، قالوا: وما حقه؟ قال: (( غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) ).
فلا يجوز للمسلم أن يكون مجلسه على الطريق إلا بالشروط التي ذكرها نبينا صلى الله عليه وسلم، فالمجلس يكون محرمًا إن لم يغض المسلم فيه بصره، وكم نرى في البيوت والمنتزهات والأماكن العامة بل وفي الطرقات من يضع جهاز التلفاز لضيوفه أو مرتادي ذلك المكان فيطلقوا أبصارهم بالنظر إلى ما حرم الله، ومنهم من يشرب في مجلسه الدخان أو الشيشة ونحوها وكل ذلك من الحرام، وكم من مجالس الشباب على الطرقات-هداهم الله- ما هي إلا للنظر في النساء وأذيتهن والسخرية من المارين والغيبة والبذيء من القول ونحو ذلك.
ولا شك أن هذه المجالس تؤذي الجيران، فلا تستطيع النساء الحييات الخروج لوجود ذلك المجلس أمام البيت يراقب كل شاردة وواردة، وبالمقابل فإن من النساء من تخرج من بيتها متعطرة متزينة، متجاهلة حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: (( كل عين زانية، والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي زانية ) ).
ويسن للمسلم عباد الله إن هو دخل مجلسًا أن يسلم عند قعوده وقيامه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإن بدا له أن يجلس فليجلس، ثم إذا قام فليسلم، فليست الأولى أحق من الآخرة ) )، فليس من السنة إذا ما يفعله البعض من مغادرتهم المجلس خفية ودون إلقاء السلام.
ويسن لمن دخل أن يجلس حيث انتهى به المجلس، وأن لا يفرق بين اثنين إلا بإذنهما، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا يحل لرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما ) )، ولا يجوز أن يقيم أحدًا من مجلسه ليجلس هو، فعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا ) )قال البخاري رحمه الله: كان ابن عمر يكره أن يقوم الرجل من مجلسه ثم يجلس مكانه، والعلة في ذلك أنه من سبق إلى مكان مباح فهو أحق به، ولو قام الرجل من مجلسه لحاجة كأن يقوم للوضوء أو لقضاء حاجته، فإنه إن عاد إلى مجلسه فهو أحق به ممن جلس فيه، ويحق له أن يطلب من الثاني أن يقوم من مكانه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( إذا قام الرجل من مجلسه ثم عاد إليه فهو أحق به ) )، وهذا أدب قد فرط فيه كثير من المسلمين لجهلهم بهذا الحديث.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد:
إن من آداب المجالس أن لا يتحدث اثنان بصوت لا يسمعه الثالث وهو معهم في المجلس وذلك كي لا يدخله خوف مما يظنه تآمرًا عليه، أو حزن لظنه أنهما يخفيان عنه سرًا، ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إذا كان ثلاثة جميعًا فلا يتناجى اثنان دون الثالث ) )، أما إن كانوا أربعة وتناجى اثنان فلا بأس في ذلك، ويدخل في النهي عن التناجي أن يتكلم اثنان بلغة لا يفهمها الثالث، فهذا من التناجي المحرم.
كما أن حفظ الأسرار وما دار في تلك المجالس من السنة لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"إنما المجالس بالأمانة"، فما ينبغي أن يخرج المسلم فيحدث أهله أو أصحابه بما جرى في مجلسه، لأن ذلك يسوء بعض من حضر ذلك المجلس، كما أنه من السنة إذا أراد المسلم أن يقوم من مجلسه أن يقول دعاء كفارة المجلس، قال نبينا صلى الله عليه وسلم: (( من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه:سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك،إلا غُفر له ما كان في مجلسه ذلك ) ). وقلَّ من يفطن إلى هذا الحديث ممن يجلسون في مجالس الغفلة والضحك واللهو.
عباد الله: إن آداب المجالس كثيرة ومتنوعة، يجمع بينها الأثر الطيب الذي تتركه بين المسلمين من ألفة ومحبة وإخاء، فينبغي على كل منا أن يطبق ما سمعه وأن يعلمه أبناءه، كي تكون مجالسنا على ما يحبه الله تعالى ويرضاه.
وإن من المؤسف أن أكثر مجالس المسلمين اليوم يجمع بينها أنها في معصية وغفلة وحديث لا يقرب من الله تعالى، وقديما قيل: العمر ساعة فاجعلها في طاعة، فاتقوا الله عباد الله واعمروا أوقاتكم ومجالسكم بالعلم والذكر والحديث المباح الذي ينفع في الدنيا، ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عن مثل مجالسنا: (( ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله تعالى فيه، إلا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان ذلك المجلس حسرة عليهم يوم القيامة ) ).
فلنتق الله عباد الله قبل أن نتحسر على تلك المجالس وتلك الأوقات والأعمار التي أهدرناها على غير طاعة، اللهم اغفر لنا وارحمنا وعافنا واعفو عنا.