فهرس الكتاب

الصفحة 3052 من 5777

خصائص مجتمعنا

الأسرة والمجتمع, العلم والدعوة والجهاد

قضايا المجتمع, محاسن الشريعة

فهد بن حسن الغراب

الرياض

جامع شيخ الإسلام ابن تيمية

1-قوة الإسلام وبقاؤه على مرّ الأزمان. 2- فضل الإسلام على العرب. 3- مفهوم المجتمع المسلم. 4- الإسلام سبب رخاء الجزيرة. 5- واجب التصدي للدعاوى المغرضة والكتابات المزيفة.

عباد الله، لا حياة لأمة الإسلام إلا بالإسلام، بقاؤها مرهونٌ بالمحافظة عليه، وفناؤها راجعٌ إلى التفريط فيه، تدوم بدوامه في قلوبها، وتضمحل باضمحلاله من نفوسها. إنه شرعها ونظامها، بل هو عزها وحياتها.

دينٌ كاملٌ في مبناه، واف في معناه، سام في مغزاهُ، لا يقبل الله دينًا سواه، ولا يرضى أن يعبد بغير مقتضاه، لا ينجو المكلف بغير اتباعه، لا ترى فيه عوجًا ولا أمتًا، من آمن به اهتدى، ومن خالفه ضل وغوى وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:85] .

أيها المسلمون، لقد بقي الإسلام بأحكامه قرونًا متطاولةً، طوّف في الآفاق، نزل السهول والوديان، واقتحم الصحاري والجبال، وحل بالمدن والأرياف، لاقى مختلف العادات، وتقلب في شتى الظروف والبيئات، عاصر الرخاء والشدة والغنى والفقر، وصاحب الأمن والخوف والقوة والضعف، واجه الأحداث في جميع هذه الأطوار، وحكم وأفتى في كل هذه الأدوار، فكانت له اليد الطولى والسلطان الممدود، لم يعجز عن قضية، ولم يتعثر في نازلةٌ. ما قصر عن حاجة، ولا قعد عن الوفاء بمطلب. لا يغلب فيه قانونٌ على اقتصاد، ولا مادةٌ على أخلاق، ولا دنيا على دين، إنه قضاءٌ واقتصادٌ، وروحٌ وأخلاق، ودين ودنيا.

قال ابن القيم رحمه الله في وصف الشريعة المطهرة:"حسب العقول الراجحة والآراء الفاضلة أن تدرك حسنها وتشهد بفضلها، فما طرق العالم شريعة أكمل ولا أجل ولا أعظم منها، فهي نفسها الشاهد والمشهود له، والحجة والمحتج له، والدعوى والبرهان. أعظم نعمة أنعم الله بها على عباده، وما أنعم عليهم بنعمة أجل من أن هداهم لها، وجعلهم من أهلها، ارتضاها لهم وارتضاهم لها".

ثم استمعوا إلى قول قتادة رحمه الله وهو يصف حال العرب قبل الرسالة، وهو يتلو قول الله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا [آل عمران:103] ، يقول قتادة:"كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلًا، وأشقاه عيشًا، وأبينه ضلالة، وأعراه جلودًا، وأجوعه بطونًا، بين فكّي أسد فارس والروم، لا ـ والله ـ ما في بلادهم يومئذ شيء يحسدون عليه، من عاش منهم عاش شقيًا، ومن مات ردي إلى النار، يؤكلون ولا يأكلون. والله ما نعلم قبيلًا يومئذ من حاضر الأرض كانوا فيها أصغر حظًا وأضعف شأنًا منهم، حتى جاء الله عز وجل بالإسلام فورثكم به الكتاب، وأحل لكم به دار الجهاد، ووضع لكم به الأرزاق، وجعلكم به ملوكًا، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم فاشكروا نعمته، فإن ربكم منعم يحب الشاكرين، وإن أهل الشكر في مزيد من الله، فتعالى ربنا وتبارك".

أيها المسلمون، إن الله يأمرنا بأن نأخذ الإسلام جملة وتفصيلًا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة:208] . إن أول مفاهيم هذه الدعوة أن يستسلم المؤمنون بكلياتهم لله، في ذوات أنفسهم وفي الصغير والكبير، وفي النية والعمل، والرغبة والرهبة، وتتوافق خطرات نفوسهم واتجاهات مشاعرهم مع ما يريد الله بهم، وما يقودهم إليه نبيهم ودينهم. فكان هذا المجتمع العفيف الذي لا تشيع فيه الفاحشة، ولا يتبجح فيه الإغراء، ولا تروج فيه الفتنة، ولا ينتشر فيه التبرج، ولا تتلفت فيه الأعين إلى العورات، ولا ترف فيه الشهوات على الحرمات، هذا المجتمع الذي تحكمه التوجيهات الربانية، تأمن الزوجة على زوجها، ويأمن الزوج على زوجته، ويأمن الأولياء على حرماتهم وأعراضهم، حيث لا تقع العيون على المفاتن، ولا تقود العيون القلوب إلى المحارم. وهو المجتمع الذي لا يخضع البشر فيه للبشر. إنما يخضعون لله ولشريعته، في طمأنينة وثقة ويقين، في مجتمعنا لا تقود المرأة السيارة، ولا تطالب بالبطاقة، في مجتمعنا تغطي المرأة وجهها، في مجتمعنا لا مكان للاختلاط في التعليم، ولا سعي لدمج البنات مع البنين، مجتمع له خصوصيته، خصوصية سما بها من شرع الله، واستمدها من سنة رسول الله، ما شرعت أنظمته عقول المفكرين، ولا سنت قوانينه أفكار الواضعين، ولهذا فلا نرضى بغيره بديلًا، ولا نقبل عنه تحويلًا.

فقد شع نور التوحيد من هذه الجزيرة، ورضعنا العقيدة من ألبان الأمهات، وتفتقت أنظارنا في مجتمع مسلم موحد، تربينا على محبة الله ومحبة رسوله ، تعلمنا الاعتزاز بالإسلام، تأدبنا بآدابه، ورضينا سلوكه، وانقدنا لتعاليمه، ما أحله أحللناه، وما حرمه حرمناه، وما دعانا إليه قبلناه، وما نهانا عنه تركناه.

الإسلام يقودنا في العبادات، ويحكمنا في المعاملات، ويحدد لنا العلاقات؛ فتدفقت علينا الخيرات، وانفتحت علينا البركات، ولا زلنا في نعم الله نتقلب، آمنين في أسرابنا، معافين في أبداننا، عندنا قوت يومنا، فكأنما حيزت لنا الدنيا بحذافيرها. لكن شرذمة محسوبة من بني جلدتنا، تلقت ثقافتها ممن لا خلاق لهم، أو تأثرت بأفكارهم فصنعت على أيديهم، ودست في صفوف الأمة، ومكنت في أهم المؤثرات، إنه الإعلام.

أخذوا يوجهونه لخدمة أفكارهم، فأفسدوا الأخلاق، وشككوا في العبادات، بل وطعنوا في العقيدة، علموا أن المرأة سلاحهم الفتاك، وإخراجها من بيتها هدفهم المنشود، أن يتولى تعليم المرأة صالح الناس شيء لا يطاق، أن تبقى الهيئات تأمر وتنهى شيء لا يحتمل، فتكالبوا على الطعن والتشكيك في ثوابت الأمة. أرادوا نزع الغيرة وإماتة الحياء، ووأد الفضيلة ونشر الرذيلة، كتابات في الجرائد والمجلات أعِدّ لها وخطط، ماذا يطرحون؟ وبأي لسان يتكلمون؟ يتباكون على المصلحة، ويدندنون حول الاقتصاد، ويتمسكون بأهداب الأخطاء البشرية، ويتغاضون عن أخطاء بني قومهم ولو كانت كالجبال، يقولون: نسعى لحرية الرأي، أحريةٌ للطعن في الدين؟! أحريةٌ لتغيير الثوابت؟! فلماذا لا ينشرون المقالات الهادفة؟! ولماذا لا يسمحون للآراء المخالفة؟! أليس لنا مثلهم حرية، أم أنه تيار لهم مخالف ولزيفهم كاشف؟!

فلا إله إلا الله، كم من معقل للإسلام قد هدموه، وكم من حصن قد خربوه، وكم من علم قد طمسوه، وكم من لواء مرفوع قد وضعوه، وكم ضربوا بمعاول الشبه في أصول غراسه ليقلعوها، وكم غيروا في المصطلحات وشوهوها، وكم عبثوا في المبادئ وتلاعبوا بالقيم، ما أكثرهم ـ لا كثرهم الله ـ وهم الأقلون. وما أعتاهم وهم الأذلون، وما أجهلهم وهم المتعالمون. فالله المستعان على ما يصفون، وعليه التكلان فيما يجترؤون، لكنهم بفضل الله ممقوتون، وللعقلاء مكشوفون، وبأقلامهم مفضوحون.

عباد الله، يجب أن لا تنطلي علينا الحيل فنقول: لنا المنابر ولهم الجرائد، لنا المساجد ولهم المسارح، لنا الدين ولهم الدنيا، بل لنا المنابر والجرائد، والإعلام والتعليم، فنحن لا نرضى بأنصاف الحلول، واطِّراح الدين وتحكيم العقول، وإني من هذا المكان أدعو كل غيور وكل من أوتي بيانًا أو قلمًا سيالًا أن نداهِم الجرائد والمجلات وسائر المشروع من المجالات لطرح قضايانا بميزان الشرع والدليل.

وإنني لأدعو كل من يجري في دمه حب الله وحب رسوله أن نتابع ما يكتب وما يبث في وسائل الإعلام، وكلما وجدنا مخالفة شرعية أو مطاعن عقدية نسارع لإنكار ذلك بنصح الكاتب وتخويفه بالله، والكتابة لرئيس التحرير، والكتابة لولاة الأمر وفقهم الله. لا تتركوهم يعبثون، ولا تدعوهم يتطاولون، فما غرهم إلا سكوتنا، ولا جرأهم إلا حلمنا، وما تطاولوا إلا بتخاذلنا. فهل من انتفاضة تبدد أوهام الكسل؟! وهل من وقفة ترد الجاهل وتكف أذى المتطاول؟!

فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [النساء:19] ، عسى أن يكون في هذا الحدث عبرة وعظة، فيستيقظ النائم ويتنبه الغافل ويتعلم الجاهل، عسى أن يكون فيه دحرًا للأعداء وعزًا الإسلام وثباتًا على المبادئ وكشفًا للمخططات وإحقاقًا للحق وإزهاقًا للباطل، عسى أن يكون بمثابة الشرارة التي تضيء الغيرة في القلوب، عسى أن ترتد على الأعداء السهام، وعسى أن يرجع الكيد إلى النحور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت