الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب
الجنة والنار, اليوم الآخر
عبد المجيد بن عبد العزيز الدهيشي
المجمعة
الجامع القديم
1-شدة الموقف يوم القيامة وما فيه من الهول والكرب والحساب. 2- بعض أهوال النار.
أما بعد: فيا أيها المؤمنون، اتقوا ربكم حق تقواه، واحذروا من الغفلة عما أمامكم، فإن أمامكم من الأهوال والكربات ما لا يطاق.
عباد الله، ما أحوجنا إلى ما يذكرنا ويلين قلوبنا القاسية علَّها أن ترعوي وتستقيم على الجادة والصراط المستقيم.
فيا عبد الله، تفكر في نفسك ما دمت على قيد الحياة، ونفَسك يروح ويغدو، وتذكر يومًا تبلى فيه السرائر وتمتلئ فيه القلوب من الخوف والقلق والرعب والذعر الذي تبلغ القلوب منه الحناجر وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ?لاْزِفَةِ إِذِ ?لْقُلُوبُ لَدَى ?لْحَنَاجِرِ كَـ?ظِمِينَ [غافر:18] .
فبينما الناس على هذه الحال، وقد جمع الأولون والآخرون ووقفوا في مقام واحد، إذ جيء بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، حتى تكون بمرأى من الخلق، ومسمع، يرون لهيبها، ويسمعون زفيرها، فبينما أنت في تلك الحال، إذ أخذ بيديك وقبض على عضديك، وجيء بك، تتخطى الرقاب، وتخترق الصفوف، والخلائق ينظرون إليك، حتى إذا وقفت بين يدي الله تعالى فسئلت عن القليل والكثير، والدقيق والجليل، ولا تجد أحدًا يجيب عنك، ولا يرد مسألة عنك، وقد شاهدت من عظم الأمر وجلالة الخطب وهيبة الحضرة ما أذهب بيانك وأخرس لسانك، وأذهل جنانك، ونظرت يمينًا وشمالًا وبين يديك فلم تر إلا النار وعملك الذي كنت تعمل، وكلمك رب العزة جل جلاله، بلا ترجمان ولا وسيط يعرف بك، وكم هي حيرتك إذا قيل لك فعلت كذا وكذا في يوم كذا، فما حجتك وما برهانك، فأردت الكلام فلم تبين، وجئت بعذر فلم يستبن، أنى لك العذر وقد ضيعت الأمر في دار المهلة، فانظر يا عبد الله في هذا الموقف، عند السؤال، بأي بدن تقف بين يدي الله، وبأي لسان تجيب، فأعد للسؤال جوابًا صوابًا، يقول سبحانه: يَوْمَ يَقُومُ ?لرُّوحُ وَ?لْمَلَـ?ئِكَةُ صَفًّا لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ?لرَّحْمَـ?نُ وَقَالَ صَوَابًا [النبأ:38] ويقول سبحانه: إِنَّ فِى ذ?لِكَ لآيَةً لّمَنْ خَافَ عَذَابَ ?لآخِرَةِ ذ?لِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ?لنَّاسُ وَذ?لِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ وَمَا نُؤَخّرُهُ إِلاَّ لاِجَلٍ مَّعْدُودٍ يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ فَأَمَّا ?لَّذِينَ شَقُواْ فَفِى ?لنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَـ?لِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ?لسَّمَـ?و?تُ وَ?لاْرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ وَأَمَّا ?لَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِى ?لْجَنَّةِ خَـ?لِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ?لسَّمَـ?و?تُ وَ?لاْرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود:103-108] .
فتفكر يا عبد الله في تلك الأعمال التي أسلفتها، والخطايا التي ارتكبتها، والشهوات المحرمة التي قارفتها، وانظر كيف ذهبت عنك مسراتها ولذائذها وبقيت حسراتها وآفاتها، وانظر هل ينفعك في ذلك الموقف الرهيب بكاء أو ندم، وهل يقبل منك فداء أو تنفع شفاعة؟
وَ?تَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـ?عَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ [البقرة:48] ، وما ظنك بنفسك ـ يا عبد الله ـ وقد جيء بجهنم على الوصف الذي علمت، وقد دنت من الخلائق، وشهقت وزفرت، وثارت وفارت، وهي النار التي وقودها الناس والحجارة، ونهض خزانها، والموكلون بها، والمعدون لتعذيب أهلها متسارعين إلى من أمروا بأخذه، ساحبين له على بطنه وحر وجهه، سامعين مطيعين لله لاَّ يَعْصُونَ ?للَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6] .
فتصور حالك وقد امتلأت القلوب خوفًا ورعبًا وفزعًا، وارتعدت الفرائص، وبلغت القلوب الحناجر، واصطفقت الأحشاء، وتقطعت الأمعاء، وجثت الأمم على الركب، وأيقن المذنبون بالهلاك والعطب، وسوء المنقلب، ونادى الأنبياء والصديقون والشهداء: نفسي نفسي.
قد انفردت كل نفس وشأنها، وتركت لما بها، وانشغل كل إنسان بنفسه يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ تُجَـ?دِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى? كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [النحل:111] ، يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَ?لأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الانفطار:19] ، وظن كل إنسان أنه المقصود، وأنه هو المطلوب المأخوذ، وذهلت العقول، وطاشت الألباب، وتحيرت الأذهان، وفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه، واشتغل بشأنه الذي يهمه ويعنيه، وسئل عن كل عمله ما ظهر منه وما خفي، ما صغر منه وما كبر، وظهرت القبائح، وكثرت الفضائح، وبدت المخازي واشتهرت المساوئ، إلا من رحم الله، وتركك الأهل والأقربون، ولم ينفعك مال ولا بنون، وأقبلت تجادل عن نفسك، وتطلب لها المعاذير. فاعمل اليوم ما ينفعك به الله غدًا، ما دمت في دار المهلة والعمل، وباب التوبة مفتوح.
ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?تَّقُواْ ?للَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَ?تَّقُواْ ?للَّهَ إِنَّ ?للَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر:18] .
اللهم إنا نسألك الثبات على الهدى، والعفو عما مضى من التقصير والخطأ، اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها، تعلم منقلبها ومثواها.
أقول قولي هذا...
الحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي المتقين، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله سيد الأولين والآخرين، صلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد: فاتقوا الله أيها المؤمنون، واحذروا من تعدي حدود الله تعالى وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ?للَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ ?لظَّـ?لِمُونَ [البقرة:229] .
عباد الله، لقد قسم الله تعالى الناس إلى فريقين فريق في الجنة وفريق في السعير، ولا ثالث لهما، فيا أخي هل تذكرت هذا المصير، وهل بلغك ما أعد الله في الجنة لمن أطاعه، وما أعد في النار لمن عصاه؟ أما سمعت قول الشاعر الواعظ:
أما سمعت بأهل النار في النار وعن مقاساة ما يلقون في النار
أما سمعت بأكباد لهم صدعت خوفًا من النار قد ذابت على النار
أما سمعت بأغلال تناط بهم فيسحبون بها سحبًا على النار
أما سمعت بضيقٍ في مجالسهم وفي الفرار ولا فرار من النار
أما سمعت بحيّات تدب بها إليهم خلقت من خالص النار
أما سمعت بأجسد لهم نضجت من العذاب ومن غلي على النار
أما سمعت بما يكلفون به من ارتقاء جبال النار في النار
حتى إذا ما علوا على شواهقها صبوا بعنف إلى أسافل النار
أما سمعت بزقومٍ يسوغه ماء صديد ولا تسويغ في النار
يسقون منه كؤسًا ملئت سقما ترمي بأمعائهم رميًا على النار
يشوي الوجوه وجوهًا ألبست ظلمًا بئس الشراب شراب ساكني النار
ولا ينامون إن طاف المنام بهم ولا منام لأهل النار في النار
إن يستقيلوا فلا تقال عثرتهم أو يستغيثوا فلا غياث في النار
وإن أرادوا خروجًا رد خارجهم بمقمع النار مدحورًا إلى النار
فهم إلى النار مدفوعون بالنار وهم من النار يهرعون إلى النار
ما أن يخفف عنهم من عذابهم ولا تفتر عنهم سورة النار
فهذه صدعت أكباد سامعها من ذي الحجى ومن التخليد في النار
ولو يكون إلى وقت عذابهم في النار هون ذاكم لفحة النار
فيا إلهي ومن أحكامه سبقت في الفرقتين من الجنات والنار
رحماك يا رب في ضعفي وفي ضعتي فما وجودك لي صبر على النار
ولا على حر شمس إن برزت لها فكيف أصبر يا مولاي للنار
فإن تغمدني عفو وثقت به منكم وإلا فإني طعمة النار