فهرس الكتاب

الصفحة 348 من 5777

موقف اليهود من الإسلام

أديان وفرق ومذاهب

أديان

عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري

المدينة المنورة

قباء

اليهود وصفاتهم وأحوالهم مع ربهم ورسلهم , وكُتبه - جحودهم وإنكارهم رسالة محمد صلى

الله عليه وسلم مع ثبوت البشارة بها في كتبهم - موقفهم من إسلام عبد الله بن سلام وبهتانهم

تحذير الأمة منهم ومن التشبه بهم في صفاتهم

أما بعد: لماذا وصف اليهود في سورة الفاتحة بالمغضوب عليهم؟، اليهود قوم عندهم علم آتاهم الله ما شاء من علم في التوراة التي أنزلها على نبيه موسى عليه السلام وفيما أوحاه إلى أنبياء بني إسرائيل من بعد موسى.

لكنهم قوم ليس عندهم قصد صالح ولا نية صالحة، ولا عبادة ولا زهد ولا خلق كريم هم قوم أهل بهت وكذب ومكر وخداع وجدال وخصام ويعبدون المال، بل اتخذوا المال إلهًا وهم في صفة نبيهم موسى عليه السلام وذلك لما غاب عنهم أربعين ليلة ذهب إلى موعد ربه فجمعوا من حليهم فصنع لهم السامري جسدًا على صورة عجل له خوار، فعبدوا ذلك العجل المصنوع من الذهب وسجدوا له.

اليهود قوم عاندوا ربهم عز وجل وجادلوه بل وقتلوا أنبياءه ورسله وكذبوهم: أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوي أنفسكم استكبرتم ففريقًا كذبتم وفريقًا تقتلون [البقرة: 87] .

كانوا كلما جاءهم نبي يحذرهم من عبادة الأهواء واتباع الشهوات ويكونون قد غرقوا فيها قتلوه إن استطاعوا وكذبوه، وكان من أعظم جرائمهم التي استحقوا بها الغضب الإلهي كتم العلم وإخفاء الحق وتحريف الكتاب فالله سبحانه وتعالى أنزل التوراة على نبيه موسى عليه السلام وأمر بني إسرائيل بتحكيمها والعمل بما جاء فيها فعطلوها وحرفوها وغيروها وبدلوها.

حرفوا معانيها بالتأويل وحرفوا ألفاظها بالتغيير والتبديل، كانوا يخفون المرادات الحقيقية لكلام الله يخفونها عن الناس إذا فسروا كلام الله لهم ويظهرون لهم غيرها مما يخترعونه ويتأولونه افتراءً على الله عز وجل، وكانوا يخفون النص الحقيقي الصحيح للتوراة، النص الذي أنزله الله على موسى عليه السلام، يخفون من هذا النص ما خالف أهواءهم وعارض شهواتهم، ويظهرون للناس بدلًا منه نصًا يزيفونه ويزورونه ويحرفونه، يكتبونه بأيديهم في قراطيس يظهرونها للناس.

قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورًا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرًا [الأنعام:91] . وقال تعالى: ومن الذين هادوا سمّاعون للكذب سمّاعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا [المائدة: 41] .

وكان من أعظم العلم الذي أوتيه هؤلاء في التوراة البشارة بمحمد البشارة في التوراة والإنجيل ببعثة محمد وذكر أوصافه وأوصاف أمته وأوصاف المكان الذي يخرج منه، وأوصاف الأرض التي يسكن فيها وأنها أرض سبخ ذات نخل بين حرتين، ومما جاء في التوراة من أوصافه ما أخرجه البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه سُئل عن أوصاف رسول الله في التوراة، فقال: نعم أوصاف رسول الله محمد في التوراة كأوصافه في القرآن وذكر من قوله: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وحرزًا للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب بالأسواق ولا يدفع السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويغفر ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأفتح به أعينًا عميًا وآذانًا صُما وقلوبًا غُلفًا) [1] .

هذا من أوصاف رسول الله في التوراة، وجاء من أوصاف أمته أنهم أمة أناجيلهم في صدورهم - أي يحفظون القرآن في صدورهم - يحملونه في صدورهم بخلاف أهل التوراة وأهل الإنجيل فإنهم لا يحفظون نصوص الكتابين، أما أمة محمد فمن مزايا بل من خصوصيات الكتاب الذي أُنزل على سيدنا محمد أن هذه الأمة تحمله في صدورها كما تحمله في سطورها.

لما وجد اليهود أوصاف سيدنا محمد في التوراة والإنجيل ووجدوا أوصاف الأرض التي يسكنها أقبلوا من كل حدب وصوب يبحثون وينتظرون خروج هذا النبي الكريم فنزل بعضهم اليمن ونزل بعضهم في هذه المدينة الطيبة ينتظرون خروج محمد رسول الله.

فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين.

لما بُعث النبي ورأته اليهود وعرفوا أنه النبي الموصوف في التوراة والإنجيل والذي بشرت به أنبياء بني إسرائيل كذبوه وخالفوه وعاندوه، لأنهم حسدوه لأنهم كانوا يطمعون أن يكون هذا النبي الموصوف في تلك الكتب المنزلة منهم من بني إسرائيل، فلما رأوه ناوؤه واستخدموا كل وسيلة وكل حيلة وكل مكر لمحاربته بل ولقتله مع علمهم ومعرفتهم وتيقنهم بأنه نبي الله الذي بشرت به الأنبياء من قبل وذُكرت أوصافه في التوراة والإنجيل ومع معرفتهم تمام المعرفة أنه سيظهره الله وأنهم لن يستطيعوا قتله، ومع ذلك حاربوه وحاولوا قتله.

كان عبد الله بن سلام الإسرائيلي من كبار أئمتهم وساداتهم وعلمائهم، من كبار بني إسرائيل عند مبعث النبي فلما علم عبد الله بن سلام بمقدم النبي إلى هذه المدينة الطيبة النبوية أتاه يسأله عن أشياء فقال له: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمها إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟

فقال النبي: (( أخبرني به جبريل آنفًا فقال عبد الله بن سلام: ذاك عدو اليهود من الملائكة، جبريل عدو اليهود من الملائكة ) ).

ثم قال النبي: (( أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب - تحشر الناس عندما تخرج من المشرق إلى المغرب - وأما أول طعام أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت الولد فقال ابن سلام: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ) ).

أسلم عبد الله بن سلام رضي الله عنه وأرضاه وصدق بنبوة سيدنا محمد وآمن به واتبعه.

ثم قال عبد الله بن سلام: يا رسول إن اليهود قوم بُهت فسلهم عني قبل أن يعلموا إسلامي. اليهود قوم أهل كذب وافتراء فسلهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي. فلما جاء اليهود إلى النبي قال النبي: (( أي رجل عبد الله بن سلام فيكم؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا وأفضلنا وابن أفضلنا، قال: أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام. قالوا: أعاذه الله من ذلك. فأعاد النبي: أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام ) ). فقالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج عبد الله ابن سلام بينهم وهو يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. فقالوا: شرنا وابن شرنا وأخذوا يتنقصونه، وقبل هنيهة كانوا يقولون: خيرنا وابن خيرنا وأفضلنا وابن أفضلنا. فانظر إلى هؤلاء القوم هؤلاء اليهود وكيف يغيرون ويتغيرون ويكذبون ويُكذِّبون ويعاندون ويخاصمون أنبياء الله ورسله بل سيدهم وإمامهم محمد ، صدق عبد الله بن سلام إنهم قوم أهل بُهت يَكْذِبون ويُكَذِّبون ويفترون ويغيرون الحقائق، ويحرفون الكلم عن مواضعه.

فيا أمة محمد احذروا من اليهود ومن مشابهة اليهود ومن محاكاة اليهود فإنه يُخاف عليكم من ذلك، فإن محمدًا مشفق عليكم من ذلك، أخبر بأنه سيقع منكم من يقلد اليهود ويحاكيهم ويشبههم في تلك الصفات والخلال والأفعال والأحوال، وأكثر ما يخاف على الأمة الإسلامية من محاكاة اليهود يُخاف على علمائها من ذلك، أكثر ما يخاف على علمائنا من ذلك.

فقد كانوا أئمتنا يقولون من انحرف من علماء هذه الأمة عن الحق ففيه شبه من اليهود، ومن انحرف من عباد أمة محمد من انحرف منهم عن الحق ففيه شبه من النصارى.

أما من انحرف من علماء أمة محمد فشبههم باليهود لأنهم حينئذ يحرفون معاني كلام الله عز وجل بالتأويل والتعطيل وصرفها عن معانيها الحقيقية والتلبيس على الناس بتزييف معانٍ يتأولونها على غير ما أراد الله عز وجل، وهذا نصف التحريف الذي وقع فيه بنو إسرائيل، والنصف الآخر لو استطاع المنحرفون من هذه الأمة لاقترفوه وهو تحريف ألفاظ القرآن العظيم الذي أنزله الله على سيدنا محمد ولكنه الله عز وجل منع خلقه من تحريف ألفاظ القرآن فلا يستطيعون ذلك لأن الله تكفل بنفسه بحفظ هذا القرآن العظيم فكانت هذه خصوصية لهذا القرآن العظيم لم تكن للتوراة والإنجيل، فالتوراة والإنجيل وُكل حفظها إلى من أُنزلت عليهم فضيعوها وحرفوها وبدلوها، وهذا القرآن العظيم تكفل الله عز وجل بنفسه بحفظه فلا يستطيع أحد من الخلق تحريف ألفاظه ولا إخفاء شيء من آياته. هو محفوظ كما أُنزل على محمد وسيبقى كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها لكن من انحرف من علماء هذه الأمة يحرفون معاني كلام الله عز وجل ويلبسون على الأمة بتأويلها على غير معانيها الحقيقية ويخفون بعض أحكام هذه الشريعة الإسلامية اتباعًا للشهوات وعبادة للأهواء وتقربًا للسلاطين فهم حينئذ يشبهون اليهود في هذا الاعتبار.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون [البقرة:75] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

[1] صحيح البخاري (4838) .

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا إنه من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ورسوله فقد غوى ولا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئًا.

أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار.

يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون [آل عمران: 102] يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا [الأحزاب: 70-71] .

يا بن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تُدان.

ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال جل من قائل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا [الأحزاب: 56] .

وقال: (( من صلى علىّ واحدة صلى الله عليه بها عشرًاْ ) ) [1] .

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبي السبطين علىَّ وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين، وعن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

[1] صحيح مسلم (408) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت