فهرس الكتاب

الصفحة 5359 من 5777

فضل القرآن الكريم وتدبره

العلم والدعوة والجهاد

القرآن والتفسير

فريح بن محمد الفريح

الذيبية

جامع بلدة السمار

1-لاحسد إلا في اثنتين. 2- فضل تلاوة القرآن الكريم. 3- فضل الصدقة بالمال. 4- الحث على تدبر القرآن الكريم. 5- إيحاءات سورة النصر. 6- علم ابن عباس رضي الله عنهما.

أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله حق التقوى، فهي وصية الله للأولين والآخرين: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ.

عباد الله، في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر أنه قال: سمعت رسول الله يقول: (( لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الكتاب فهو يقوم به آناء الليل والنهار، ورجل أعطاه مالًا فهو يتصدق به آناء الليل والنهار ) ).

أيها المسلمون، دل هذا الحديث على أنه لا ينبغي أن يغبط المسلم أخاه المسلم إلا على إحدى هاتين الخصلتين؛ لأجل ما رتب الله عليهما من الثواب والأجر في الآخرة، وما سواهما من الأشياء فإنه لا يساوي عند الله شيئًا، فلا ينبغي للإنسان أن يحسد أخاه.

أولهما: القرآن العظيم، فهو فضل من الله سبحانه ومنّة، فمن تعلمه وقام بحقه قراءةً وعملًا وتعليمًا لا يفتر عنه آناء الليل والنهار، فقد رزق بخير كثير ينبغي لكل إنسان أن يرجو مثله.

وثانيهما: المال، فمن آتاه الله المال ووفقه لإنفاقه في سبيل الله والأعمال الصالحة فقد ادّخر هذا المال ذخرًا له عند الله عز وجل، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. والمقصود ـ يا عباد الله ـ بالحسد في الحديث تمني مثل ما عند الغير من غير كراهة لما منّ الله به عليهم من الفضل أو تمني زواله.

وأعظم هذين الأمرين وأجلهما قدرًا وأعظمهما أجرًا تعلم القرآن وتعليمه والعمل به وتدبره، فقد عاب الله على أقوام أنهم لا يتدبرون القرآن: أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ، أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا ، بل أخبر أنه إنما أنزله للتدبر: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ.

عباد الله، من سور هذا القرآن العظيم: إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ، هذه السورة العظيمة نزلت في آخر حياة النبي ، وبشره الله فيها ببشارة عظيمة، وأمره فيها بأمر إذا حصلت تلك البشارة.

بشره الله فيها بنصره وفتح مكة، وقد نصره الله على العرب كافة بل والعجم، وفتح عليه بلده مكة بعد أن أخرج منها قبل ثمان سنوات من هذا الفتح، ولما فتحت مكة دخل الناس في دين الله أفواجًا، ففي صحيح البخاري عن عمرو بن سلمة قال: لما كان الفتح بادر كل قوم بإسلامهم إلى رسول الله ، وكانت الأحياء تلوم بإسلامها فتح مكة فيقولون: دعوه وقومه، فإن ظهر عليهم فهو نبي، وقالت العرب لما فتحت مكة: أما إذا ظفر محمد بأهل مكة وقد أجارهم الله من أصحاب الفيل فليس لكم به بد أن تدخلوا في دين الله أفواجًا، فلما حصل هذا النصر أمر الله نبيه أن يحمده على ذلك ويشكره فيكثر من التسبيح والاستغفار، وفي هذا الأمر شيئان:

أولهما: أن النصر سيستمر لهذا الدين ويزداد ما التزمت الأمة بتسبيح الله واستغفاره وشكره، والله يقول: لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ، وقد كان ذلك ظاهرًا في زمن الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، حتى وصل الإسلام إلى ما لم يصل إليه غيره، حتى خالفت الأمة أمر الله، وابتعدت عن دينه، فتفرقت كلمتهم، وتسلط عليهم أعداؤهم، وضعفت قوتهم، ومع ذلك فلا زال في الأمة بقايا خير، وهي راجعة إلى دين الله ما ظهر فيهم تعظيم الله والتزام أمره.

وثانيهما: الإشارة إلى قرب وفاة رسول الله ، فأمر أن يختم حياته بالاجتهاد في العبادة، ولهذا كان بعد نزول هذه السورة يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي؛ يتأول القرآن، وعن ابن عباس أن النبي لما نزلت هذه السورة أخذ في أشد ما كان اجتهاده في أمر الآخرة.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين. وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الصادق الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله.

في صحيح البخاري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لِمَ يدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه ممن قد علم، فدعاهم ذات يوم فأدخله معهم، فما رأيت أنه دعاني فيهم يومئذ إلا ليرِيَهم، فقال: ما تقولون في قول الله عز وجل: إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا جاء نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم، فلم يقل شيئًا، فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، قال: ما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله أَعلمه له، قال: إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ، فذلك علامة أجلك، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ، فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول.

أيها المسلمون، في هذه السورة من الفوائد أنه ينبغي للمسلم أن يكثر من شكر الله على نعمه، فإن النعم إذا شُكرت قرت، وإذا كُفرت فرت. ومنها أنه ينبغي لكل إنسان أن يختم حياته بكثرة الأعمال الصالحة حتى يلقى الله على عمل صالح، ولن يستطيع ذلك إلا من جاهد نفسه على طاعة الله.

اللهم وفقنا لصالح القول والعمل، وأعذنا من كيد الشيطان ونزغاته، واختم لنا حياتنا بصالح الأعمال.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت