فهرس الكتاب

الصفحة 1867 من 5777

الكذب ومظاهره

الرقاق والأخلاق والآداب

آفات اللسان

حمد بن إبراهيم الحريقي

الرياض

البساتين

1-فشو الكذب في مجتمعات المسلمين. 2- الكذب هو الإخبار عن الشيء بخلاف الواقع. 3- ذم الكذب. 4- التحذير من الكذب. 5- للكذب في مجتمعاتنا صور.

أما بعد:

عباد الله: اتقوا الله تعالى وكونوا مع الصادقين.

نلقي الضوء في هذه الخطبة على خصلة ذميمة وعمل مرذول وظاهرة اجتماعية انتشرت مع الأسف في أوساط المسلمين وشاع ذلك في منتدياتهم ومجالسهم وعلاقاتهم ومعاملاتهم وقلَّ أن يسلم منه الصغير والكبير والذكر والأنثى، والناس فيه بين مقل ومستكثر إلا من رحم الله والله المستعان.

ذلك يا عباد الله هو الكذب: والكذب هو الإخبار عن الشيء بخلاف الواقع وليس الإخبار مقصورًا على القول، بل قد يكون بالفعل كالإشارة باليد أو هز الرأس وقد يكون بالسكوت.

ولا شك أن الكذب عمل مرذول وصفة ذميمة فهو من خصال النفاق ومن شعب الكفر والكذب من أسباب رد القول ونزع الثقة من الكاذب والنظر إليه بعين الخيانة، والكذب دليل على ضعة النفس وحقارة الشأن، والكذاب مهين النفس بعيد عن عزتها المحمودة:

لا يكذب المرء إلا من مهانته أو فعله السوء أو من قلة الأدب

لبعض جيفة كلب خير رائحة من كذبة المرء في جد وفي لعب

قال صلى الله عليه وسلم: (( وإياكم والكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا ) ) [أخرجه البخاري ومسلم] .

قال العلامة الماوردي رحمه الله:"والكذب جماع كل شر وأصل كل ذم لسوء عواقبه وخبث نتائجه، لأنه ينتج النميمة، والنميمة تنتج البغضاء، والبغضاء تؤول إلى العداوة، وليس مع العداوة أمن ولا راحة، ولذلك قيل من قل صدقه قل صديقه".

وكتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله إلى بعض عماله: إياك أن تستعين بكذوب فإنك إن تطع الكذوب تهلك. وقيل في ذم الكذاب: لا تطلبوا الحوائج من كذاب فإنه يقربها وإن كانت بعيدة ويبعدها وإن كانت قريبة. وقد قال ذلك الشاعر الحكيم:

إذا ما المرء أخطأه ثلاث فبعه ولو بكف من رماد

سلامة صدره والصدق منه وكتمان السرائر في الفؤاد

أما عن مظاهر الكذب فهي كثيرة جدًا فليست مقصورة على كذب الناس بعضهم على بعض ولا يفهم ذلك بل الأنواع كثيرة والطرق منتشرة بين الناس نسأل الله لنا ولهم الهداية.

فمن المظاهر:

الكذب على الله ورسوله عليه الصلاة والسلام: كحال من يفتي بغير علم فيضل ويُضل قال سبحانه: وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ?لْكَذِبَ هَـ?ذَا حَلَـ?لٌ وَهَـ?ذَا حَرَامٌ لّتَفْتَرُواْ عَلَى? ?للَّهِ ?لْكَذِبَ إِنَّ ?لَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى? ?للَّهِ ?لْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ [النحل:116] .

وأما من كذب على رسوله فقد قال عنه عليه الصلاة والسلام: (( من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار ) ) [أخرجه البخاري ومسلم] .

ومن المظاهر الكذب في البيع والشراء كحال من ينفق سلعته بالأيمان الكاذبة وغيره كثير، وكذلك الكذب لإفساد ذات البين، وهناك من يكذب لإضحاك السامعين وتشويقهم، وهناك من يكذب للمفاخرة وإظهار الفضل له ونسبة الخير له، وهناك الكذب المقرون بالحسد فهناك من إذا رأى أحدًا من الناس متفوقًا في العلم أو مترقيًا في المناصب أو غير ذلك يحسده فيقلل من شأنه ويرميه بكل نقيصة ويتهمه بما ليس فيه حتى يصرف الناس عنه ويشككهم في عمله وصدقه. وهناك أيضًا الكذب في المطالبات والخصومات، فقل من يصدق في حال المطالبات أو الخصومات، وهذا ما يشاهد مرارًا وتكرارًا عند الخصومات في المحاكم وغيرها وعند حوادث السيارات وغير ذلك. وهناك من يكذب لكي يتخلص من بعض المواقف الحرجة كمن يكذب على والديه ومن يكذب على مديره أو أستاذه وهكذا.

وهناك الكذب لاستدرار العطف وكسب قلوب الناس كمن يكذب في مسألة الناس واستجدائهم، فتراه يظهر الفقر والفاقة أو يزعم أنه مريض أو أن الديون قد ركبته وربما حمل معه صكًا يوهم أنهم معسر ومحتاج إلى المساعدة نسأل الله السلامة والعافية.

اللهم اجعلنا من الصادقين، اللهم اجعلنا من الصادقين.

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

أما بعد:

فمن مظاهر الكذب المتعددة الكثيرة: الكذب والتملق لأرباب الثراء وأصحاب المناصب، فمن الناس من يتزلف لهؤلاء ويمدحهم بما ليس فيهم ويخلع عليهم صفات لا يستحقونها، بل وينشئون فيهم الأشعار والقصائد مع علمهم أنهم أقل من ذلك وأنهم لا يستحقون ما أضفي عليهم ولكنه يتملقهم ويتزلف إليهم لينال عندهم مالًا أو جاهًا أو مكانة.

ومن الكذب الأثيم والدجل العظيم الدجل الإعلامي العالمي الذي يقلب الحقائق ويلبس على الناس، فيرفع الأقزام ويضع الأعلام، ويغري بالرذيلة ويزري بالفضيلة، والله المستعان.

ومن مظاهر الكذب أخيرًا الكذب على الأولاد، فكثيرًا ما يكذب الوالدان على أولادهما الصغار رغبة في التخلص منهم أو تخويفًا لهم كي يكفوا عن العبث واللعب أو غير ذلك، ولا شك أن هذه صورة سيئة وقدوة أسوأ وإهمال في التربية، فينشأ الولد على ذلك ومعرفة الكذب من أمه وأبيه.

وينشأ ناشىء الفتيان منا على ما كان عوده أبوه

اللهم ارزقنا علمًا نافعًا وعملًا صالحًا ولسانًا صادقًا وقلبًا ذاكرًا. وصلوا وسلموا عباد الله على خير خلق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت