وقفات مع حدث حي المباركية - نهاية الإجازة
الرقاق والأخلاق والآداب, موضوعات عامة
اغتنام الأوقات, جرائم وحوادث
حمود بن عبد الله إبراهيم
الدمام
جامع بلاط الشهداء
1-خطورة استباحة دماء المسلمين. 2- وجوب طاعة ولاة الأمور بالمعروف وتحريم الخروج عليهم. 3- مفاسد الأعمال التخريبية. 4- الغاية من الجهاد. 5- المحاسبة بعد الإجازة.
أما بعد: فاتقوا الله حق التقوى.
أيها الإخوة، لقد تابع الجميع أحداث حيّ المباركية التي هزّت مدينتا الآمنة، فهو حدث والله أحزن كلَّ من في قلبه ذرّة إيمان، وأفرح كلّ عدو يتربّص بالإسلام والمسلمين المصائب والشرور، ولنا مع هذا المصاب الجلل عدة وقفات:
الوقفة الأولى: خطورة استباحة دماء المسلمين، فلا أدري كيف يغفل أولئك الشباب عن الوعيد الشديد الذي ورد في الكتاب والسنة وما فيهما من تعظيم جرم الدم الحرام، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله: (( لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما ) )رواه البخاري، وقال عزّ شأنه: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ ?للَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ، ويقول عليه الصّلاة والسّلام: (( لزوالُ الدّنيا أهونُ عند الله من قتلِ رجلٍ مسلم ) )أخرجه النسائي والترمذي، وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي: (( أوّل ما يقضى بين الناس في الدماء ) )رواه البخاري ومسلم.
قال النووي:"فيه تغليظ أمر الدماء، وأنها أوّل ما يقضى فيه بين الناس يوم القيامة، وهذا لعظم أمرها وكثير خطرها، وليس هذا الحديث مخالفًا للحديث المشهور في السنن: (( أول ما يحاسب به العبد صلاته ) )؛ لأنّ هذا الحديث الثاني فيما بين العبد وبين الله تعالى، وأما الحديث الأول فهو فيما بين العباد".
وقال ابن حجر:"وفي الحديث عظم أمر الدّم، فإن البداءة إنما تكون بالأهمّ، والذنب يعظم بحسب عظم المفسدة وتفويت المصلحة وإعدام البنية الإنسانية غاية في ذلك".
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: (إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسَه فيها سفكَ الدم الحرام بغير حلّه) رواه البخاري، وقال: (( لا يُشِير أحدُكم إلى أخيه بالسلاح؛ فإنه لا يدري لعلَّ الشيطانَ ينزِغ في يده، فيقعُ في حفرةٍ من النار ) )متفق عليه.
وحرَّم على المسلم الإشارةَ على أخيه المسلم بالسّلاح ولو مازحًا، قال النبيّ: (( من أشار إلى أخيه بحديدةٍ فإنّ الملائكة تلعنُه حتى يدعَها، وإن كان أخاه لأبيه وأمه ) )رواه مسلم. فإذا كان المزاح بالسلاح يؤدّي إلى ذنب عظيم واستحقاق لعن الملائكة له فما بالك إذا وصل الأمر إلى القتل العمد؟! وبأي دليل يبيح أحد لنفسه أن يقتل رجلَ أمن يساعد على نشر الأمن في هذه البلاد المباركة، وهو رجل موحد مسلم تنطبق عليه كل تلك النصوص الواردة في حرمة المسلم؟! فما بال أولئك الشباب يلقون بأيديهم إلى التهلكة، ويحلون دماء المسلمين من أجل شبهة لا تعارض النصوص الواضحة الصريحة الصحيحة؟! والله المستعان.
الوقفة الثانية: إن طاعة ولاة الأمور بالمعروف وعدم الخروج عليهم هي عبادة نتقرب بها إلى الله، وليست مسألة مزاجية أو اختيارية ترجع لاختيار الشخص أو تنقض بشبهة لا دليل عليها.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة:"ولهذا كان المشهور من مذهب أهل السنة أنهم لا يرون الخروج على الأئمة وقتالهم بالسيف وإن كان فيهم ظلم، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي ؛ لأن الفساد في القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتال ولا فتنة، فيدفع أعظم المفسدتين بالتزام أدناهما، ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته".
ويقول رحمه الله في السياسة الشرعية بعد أن ذكر الأثر: (إن السلطان ظلّ الله في الأرض) ، ثم قال:"ولهذا كان السلف كالفضيل بن عياض وأحمد بن حنبل رحمهما الله وغيرهما يقولون: لو كان لنا دعوة مستجابة لدعونا بها للسلطان... إلى أن قال رحمه الله: فالواجب اتخاذ الإمارة دينا وقربة يتقرب بها إلى الله، فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات"إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى.
ورحم الله الإمام أحمد بن حنبل الذي رفض الخروج على المأمون وهو الذي فرض على الناس بدعة القول بخلق القرآن، وقال لمن استفتاه في الخروج على ولي الأمر:"سبحان الله! الدماء الدماء، لا أرى ذلك، ولا آمر به، الصبر على ما نحن فيه خير من الفتنة، تسفك فيها الدماء"، قال له السائل: والناس اليوم في فتنة يا أبا عبد الله، قال:"وإن كان، فإنما هي فتنة خاصّة، فإذا وقع السيف عمّت الفتنة وانقطعت السبل، الصبر على هذا ويسلم لك دينك خير لك".
فإذًا ما قام به الشباب من منازعة السلطان ومحاربته والخروج عليه يعتبر مصادمة للنصوص الكثيرة المستفيضة الواردة في طاعة السلطان، وأيضا مصادمة لأقوال وأفعال سلف هذه الأمة المباركة وعلمائهم. وعندما وقعت بعض الأحداث المشابهة في زمن الشيخ ابن باز وابن عثيمين لم نسمع منهم إلا التأكيد الشديد على عدم الخروج على ولي الأمر، فلماذا لا يقتدي أولئك الشباب بمن مات فهو أبعد عن الفتنة إن كانوا لا يثقون بالعلماء الأحياء؟!
الوقفة الثالثة: سلبيات ما قام به أولئك الشباب: إنَّ ما قام به أولئك الشباب لم يستفد منه إلا أعداء الدين والشواهد في هذا كثير جدا، فمن ذلك:
1-تشويه صورة الإسلام والمسلمين، فعندما يرى غير المسلمين مثل هذه الأحداث سينفر من الدين؛ ولهذا الرسول الله امتنع عن قتل رأس الكفر والنفاق عبد الله بن أبي بن سلول خوفا من نفرة الناس عن الإسلام، فما بالكم ـ أيها الإخوة ـ بقتل أناس مسلمين؟! أليس هذا من الصدّ عن سبيل الله وتنفير الناس من الدين؟!
2-إضعاف المسلمين وإضعاف قوتهم ووحدتهم وإثارة البلبلة في صفوفهم وتقطيع الأواصر فيما بينهم، فبدلا من أن نقف صفا واحدا ضد الأعداء يقتل بعضنا بعضا؛ حتى يجلس أعداؤنا مكتوفي الأيدي يتفرجون ويهزؤون بنا عند حدوث مثل ذلك الحدث.
3-اجتراء أعداء الدين على ثوابت الأمة وعقيدتها، فتجدهم يتجرؤون على الثوابت والعقائد استغلالا وانطلاقا من هذه المصائب التي حلّت بنا حتى لا يدعوا شيئا من الدين إلا ويطعنوا فيه.
4-ترويع الآمنين وسفك الدماء المعصومة وسلب الأموال، والله جل وعلا امتن علينا بنعمة الأمن، وأولئك الشباب يجحدون نعمة الله عليهم بأفعالهم، ثم إن الله جعل أموالنا وأعراضنا ودماءنا محرمة علينا، فبأي حجّة يقف أولئك الشباب أمام الله حين يسألهم ربهم عن سبب سفك دماء المسلمين وسلب أموالهم بغير حق؟!
5-إفساح المجال للمؤسسات التنصيرية في العالم كردّ فعل لغلق وتحجيم المؤسسات الإسلامية، والشواهد في هذا كثيرة جدا.
6-تطاول المغرضين على العلماء والدعاة، والذي بسببه تزيد الفجوة بين العلماء وشباب الأمة ليضيع الشباب بين الشبهات والشهوات.
7-إيجاد الذرائع لمزيد من العدوان والتسلط على الإسلام وأهله عموما وعلى هذه البلاد المباركة خصوصا.
8-انتشار البدع والشبهات ومحاربة السنة بحجة محاربة فكر الإرهاب، وخاصة في بلاد المسلمين الأخرى.
الوقفة الرابعة: ما الغاية من الجهاد؟ إن الغاية من الجهاد هي تعبيد الناس لرب العالمين عز وجل، وإنقاذهم بإذنه تعالى من الظلمات إلى النور، وإخراجهم من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ومن جور الأديان والمذاهب إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا وشقائها إلى سعتها وسعادتها، ومن عذاب النار يوم القيامة إلى جنات النعيم؛ ولذلك فلا ترى المجاهد المدرك لهذه الغاية من جهاده إلا خائفًا على نفسه وعلى الناس من عذاب الله عز وجل في الدنيا والآخرة، ولا تراه إلا ناصحًا للعباد رحيمًا بهم يريد من دعوته وجهاده هداية الناس وإنقاذهم بإذن الله تعالى في الدنيا والآخرة. ولذلك فإن الجهاد في الإسلام إنما شرع رحمة بالناس، بسبب ما يترتب عليه من المصالح العظيمة وذلك من نشر للتوحيد وإزالة الفتنة والشرك والظلم عنهم، فكيف يتحقق التوحيد ويحارب الشرك والكفر بقتل أناس مؤمنين موحدين مثل رجال الأمن؟! نسأل الله العافية والسلامة.
الوقفة الخامسة: إن الجهاد الحقيقي يوحد المسلمين صفا واحدا ويوحّد كلمتهم ولا يفرقهم، حيث إن استقراء التاريخ يدل على أن الجهاد في سبيل الله عز وجل يوحد صفوف المسلمين ويضيق أبواب الخلاف، وما من وقت كان المسلمون يقارعون فيه أعداءهم الكفار إلا وكانوا فيه في غاية الإخاء والاتحاد، ولم يجد الخلاف إليهم سبيلا، ولذلك فلا يحق ولا يصح بأي حال من الأحوال تسمية ما يقع في بلاد الحرمين جهادا، فنحن لم نجن منه إلا الفرقة والتشرذم والتنازع وكيد وشماتة الأعداء بنا.
أسأل الله أن يهدي شباب المسلمين للخير والصلاح، وأن يوفقهم للرفق ونبذ العنف، كما أسأله أن يهدي باقي المطلوبين وأن يجعلهم قرة عين لأسرهم ومجتمعهم، إنه جواد كريم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه غفور رحيم.
أما بعد: فيا عباد الله، في هذا اليوم وفي هذه الساعات نودّع إجازة صيفية مضت بكل أحداثها وأفراحها وآلامها، ونستقبل غدا بداية عام دراسي جديد، وإنه من المناسب جدا أن نتأمل ونتدبر في تلك الإجازة التي مرت علينا جميعا، ولنتفكر كيف كان تعاملنا معها، وكيف كان حال أولادنا مع تلك الإجازة.
أيها المسلمون، إنه من المعلوم لدينا جميعا أنه ما من شيء إلا وهو مسجّل علينا أو لنا في صحائف الملائكة الكرام الحافظين الموكلين بنا، قال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:16-18] ، فكل شيء مسجّل وحتى الأنين عند سكرات الموت، فما بالكم بإجازة كاملة مضت بكل أيامها وساعاتها ودقائقها وما فعل فيها من خير أو شر؟!
عباد الله، البعض قد استغل تلك الإجازة أحسن استغلال، فكم رأينا في هذا المسجد المبارك من شباب حفظوا كتاب الله جل وعلا أسأل الله أن يجعله لهم نورا في الدنيا والآخرة، وكم من أسر في هذا الحي وغيره قد سافرت لصلة أرحامها وزيارة أقاربها أسأل الله يصلهم كما وصلوا أرحامهم فهم على خير وأجر من بداية مسيرهم حتى رجوعهم إلى بيوتهم والأعمال بالنيات، وكم من أسر ذهبت للسياحة والنزهة في هذه البلاد المباركة ولم يفوّتوا في رحلتهم زيارة مكة للعمرة أو زيارة المسجد النبوي، فهنيئا لهم المتعة والعبادة في بلاد التوحيد.
وفي المقابل كم رأينا وسمعنا من أناس ضيعوا أنفسهم وضاع أولادهم في تلك الإجازة، ما بين سهر على القنوات ومواصلة الليل بالنهار، أو معاكسة بنات المسلمين والتسكّع في الأسواق وتفريط للصلوات، وسفر لبلاد الرذيلة والعهر، ووالله يا حسرتهم على ما فرطوا في جنب الله إن لم يتداركوا أنفسهم بالتوبة العاجلة والرجوع إلى الله فورا دون تواني أو تسويف أو تأجيل.
أيها المسلمون، لا بد أن نقف مع أنفسنا لحظات للمحاسبة ومراجعة الحسابات قبل أن يباغتنا الموت فجأة دون مقدمات، قال تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:99، 100] ، فبعد أن جاءه ملك الموت لقبض روحه طلب من ربه أن يرجعه إلى الدنيا لكي يعمل صالحا ويعوض ما فاته في الدنيا بسبب غفلته وبسبب صحبته للأشرار وبسبب بعده عن الخير ونفرته منه، فلم ولن يجاب إلى طلبه لعودته للدنيا.
وأما الحسرة في الآخرة فهي أضعاف أضعاف الحسرة التي تحدث عند الموت، قال تعالى: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ [الأنعام:31] .
فلنعلنها توبة ـ عباد الله ـ انطلاقا من هذا اليوم الذي هو في بداية شهر شعبان، وشهر شعبان تشرع فيه العبادة، فقد كان رسول الله يصوم من شعبان ما لا يصوم من غيره من الشهور، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: وما رأيته في شهر أكثر صياما منه في شعبان، ولمسلم في رواية: كان يصوم شعبان إلا قليلا، وفي رواية النسائي عن عائشة قالت: كان أحبّ الشهور إلى رسول الله أن يصوم شعبان. الحديث.
أسأل الله أن يوفّقنا للتوبة النصوح عاجلا غير آجل.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا من كل خير، والموت راحة لنا من كل شر...