الأسرة والمجتمع, الرقاق والأخلاق والآداب
أعمال القلوب, المرأة
فهد بن حسن الغراب
الرياض
جامع شيخ الإسلام ابن تيمية
1-الاستقامة سلوك المؤمنين الخيار. 2- التوحيد هو العمود الذي يقوم عليه الإسلام. 3- من تمام الاستقامة إقامة شعائر الدين وإظهارها. 4- كيد الأعداء ضد المرأة.
أيها المسلمون، هذه شمس العيد قد أشرقت، في يوم تبسمت لكم فيه الدنيا، أرضُها وسماؤها، شمسُها وضياؤها، جئتم تسألون الله الرضا والقبول، وتحمدونه على الإنعام بالتمام، والتوفيق للصيام والقيام، فجددوا أواصر الأخوة.
ففي العيد يتناسى ذوو النفوس الطيبة أضغانهم، فيجتمعون بعد افتراق، ويتصافون بعد كدر، ويتبادلون التهاني، تبتسم منهم الشفاه، وتضيء منهم الجباه. وليس من العيد التلذذ بالمعاصي والخروج على القيم، ليس من العيد العبث بالآداب وتضييع الصلوات، والسهرات المحرمة والرقصات الماجنة، اختلاط وطبول وتصرف غير مسؤول.
أيها المسلمون، مضت ليالي رمضان بفضائلها، فهنيئًا للذين أطاعوا ربهم وأخلصوا العمل لخالقهم، فاجعلوا الاستقامة شعارهم، وصالح الأعمال غايتهم، قيل للإمام أحمد رحمه الله: متى الراحة؟ قال:"عند وضع أول قدم في الجنة".
في استدامة الطاعة وامتداد زمانها نعيم للصالحين وقرة عيون للمؤمنين وتحقيق آمال للمحسنين، (( خير الناس من طال عمره وحسن عمله ) ).
عباد الله، إن الاستقامة على الطاعة بامتثال الأوامر واجتناب النواهي والزواجر هي صفات عباد الله المؤمنين، إِنَّ ?لَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ?للَّهُ ثُمَّ ?سْتَقَـ?مُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ?لْمَلَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِ?لْجَنَّةِ ?لَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ ، عن سفيان بن عبد الله قال: قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك، قال: (( قل: آمنت بالله، ثم استقم ) ).
فإياك والمعاصي بعد شهر الغفران، فالعاصي في شقاء، والخطيئة تذل الإنسان وتخرس اللسان، وأقبح بالذنب بعد الطاعة، والبعد عن المولى بعد القرب منه.
أيها المسلمون، إن قضية القضايا وأصل الأصول كلمة التوحيد، وشعار الإسلام وعلم الملة"لا إله إلا الله"، وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5] . التوحيد لباب الرسالات السماوية، وعمود الإسلام وشعاره، ووسيلة كل نجاح، وشفيع كل فلاح، يُصيِّر الحقير شريفًا، والوضيع غِطريفا، يطوِّل القصير، ويقدم الأخير، ويُعلي النازل، ويُشهر الخامل. صفاء المعتقد هو أساس الفضائل ولجام الرذائل، يحتم على أهله العمل به الدعوة إليه والصبر على الأذى فيه. ألا وإن معظم الشرور والنكبات التي أصابت أمة الإسلام وأشد البلايا التي حلت بها إنما كانت بسبب ضعف التوحيد في النفوس وتنحيته عن الميدان.
أيها المسلمون، أمة شرَّفها الله بالإسلام فكيف ترضى غيره بديلًا؟! كيف يحلو لها أن تتخلف عن السير تحت لوائه، وترضى أن تقاد ذليلة تحت ألوية جاهلية ودعوات عنصرية وانتماءات حزبية؟! لقد جرب المسلمون في هذه الأعصار وفي كثير من الأمصار مناهج ومشارب ومسالك ومذاهب، فلم يصلح لهم منها سبيل، لا طريق إلا صراط الله، ولا هدي إلا هدي رسول الله ، ولا نهج إلا نهج سلف الأمة.
ألم تستبن الأمة بعد طول هذه المعاناة أن التخلي عن دينها هو الدمار، وهو قرة عين الاستعمار؟! إن جميع الحروب المعلنة على المسلمين ساخنها وباردها، عسكريِّها وفكريِّها، كلها باسم الدين، ولا يكون الانتصار عليها إلا بتجريد التوحيد. إن يستقم توحيد الأمة تنتصر على عدوها، وتعلُ كلمتها، وتُحرَسْ نعمتها، وتدُمْ عزّتها، وتشتدّ قدرتها، وتزددْ قوتها، وإن لم تقمْ الأمة بذلك فهي على خطر أن ينالها وعيد الله: وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أَمْثَـ?لَكُم [محمد:38] .
لقد جاء العيد، والأمة تواجه حربًا صليبية مسعورة، تستهدف دينها ومقدساتِها، إنه عام عصيب، لاقت فيه الأمة أعتى المآسي وأدمى المجازر، فظائعَ دامية وجرائم عاتية ونوازل عاثرة، وجراحًا غائرة، غصصًا تثير كوامن الأشجان، وفجائع تبعث على الأسى والأحزان، المسلمون فيها ما بين قتيل مرمّل، وجريح مجندل، وأسير مكبّل، وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِ?للَّهِ ?لْعَزِيزِ ?لْحَمِيدِ [البروج:8] .
أيها المسلمون، إن من تمام الاستقامة أن يظهر المسلمون شعائر الدين، وأن يعتزوا بتلك التعاليم، إقامة للصلوات، وأداء للأمانات، وقيام بالواجبات، وبعد عن المحرمات، وتورع عن المشتبهات، استقامة في الأقلام، وصلاح في الإعلام، وقيام بالتربية، وكف عن الرشوة، عزوف عن الربا، وبعد عن الزنا، وتنزه عن الغناء، حفظ للفروج، وتنزيه للأسماع، وحفظ للأبصار، وتطهير للقلوب، إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36] .
من الأمور العظام التي أخذ يتكلم فيها بعض المثقفين، وتلوكها السنة بعض الإعلاميين، ويثيرها بعض الحاقدين، وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا [النساء:27] ، إنه أمر المرأة وحقوقها.
كأن الإسلام ظلمها وما أعطاها حقها بل هضمها، أو لعل القرآن نسيها، أو أن السنة تجاهلتها، تنوعت غاراتهم، وتعددت هجماتهم، وكثرت اتهاماتهم. فمرة هجوم على الحجاب، وأخرى يدعون للاختلاط، وثالثه بالطعن في مناهج التعليم، يزعمون أنهم يسعون لحريتها وإعطائها حقها، وهم يكيدون لتقييدها، يريدونها صورة مبتذلة على أغلفة المجلات، يريدونها دمية تتقلب في الدعايات، يريدونها ألعوبة في السهرات، يريدونها بضاعة مزجاة في المراقص والبارات، يريدونها غانية لقضاء الشهوات يريدونها خارجة على القيم، نابذة لتعاليم الإسلام، راكضة خلف الأعداء، وملاحقة للسفهاء، نازعة للحياء، خالعة للحجاب، متهاونة بالتصوير، مزاحمة للرجال في الأسواق، رافعة صوتها في الطرقات، لابسة للعباءة على الأكتاف، مرتدية للضيق والشفاف، مخالفة لجميل العادات، لاهثة خلف رديء المحدثات. تردّد عبارات الحاقدين، وتتبنى أفكار العلمانيين، وتستحسن مقالات الحداثيين، وتنشر أفكار العقلانيين، لقد أحكموا في أعناقهن ربقة التقليد والتشبه بالعدو الكافر، في آدابه وفنونه وغير المفيد من مناهجه وعلومه، فتبعوا سننهم، حتى لو دخلوا جحر الضب دخلوه، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ [البقرة:11] .
أما لكم في تجارب الآخرين مزدجر؟! أما في ما بلغوه من حضيض مدّكر؟! ولكن وبفضل الله يبقى السواد الأعظم من نساء هذا البلد، صالحات مصلحات، قانتات تائبات، صامدات في وجه الزوابع.
فيا جوهرة مصونة، يا درة مكنونة، يا مسلمة تمسكت بدينها واعتزت به، ورفعت رأسها بحجابها وسمت به، يا حرة ما غرها كيد الكائدين، وما خدعها مكر الماكرين، أرضت ربها وصلت خمسها وقرت في بيتها، وأطاعت في طاعة الله بعلها، وحفظت فرجها، وربت طفلها، يا شريفة ما انخدعت بالدعايات، يا شهمة ما عكفت على الشاشات، ولا زلت قدمها في المعاكسات، علمت أن الله كرمها، وبالإسلام شرفها، وبالحجاب صانها، وبالبيت حماها، وبالتربية خصها، فأخرست ألسنة الحاقدين، وضربت مثلًا للمنصفين، قامت برسالتها كما أراد الله، فما تعطل نصف مجتمعها، ولا انطلى عليها مكر أعدائها.