العلم والدعوة والجهاد
قضايا دعوية
هاشم محمد علي المشهداني
الدوحة
الريان الكبير
1-الاختلاف المذموم. 2- فتاوى علماء السوء. 3- أسباب الاختلاف. 4- أثر الاختلاف.
5-أنواع الاختلاف. 6- الاختلاف في وجهات النظر. 7- الاختلاف بين الزوجين.
ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم [آل عمران:103] . الاختلاف داء، إذا أصاب الجماعة دمرها من داخلها، وصرفها الله تعالى عن حمل رسالته ودعوته فحملة دعوة الله لا ينبغي أن يكونوا مختلفين.
فما الاختلاف؟ ولماذا؟ وما أثره؟ وما أنواعه؟ وما أدب الإسلام عند الاختلاف؟
الاختلاف لغة: عدم الاتفاق على الشيء.
واصطلاحا: أن ينفرد كل واحد بطريق غير طريق الآخرين في رأي أو فعل أو حال.
وينبغي أن تعلم:
أن اختلاف الأقوال وارد، ولكن اختلاف القلوب هو الاختلاف المنهي عنه في الكتاب والسنة والإجماع، في الكتاب: ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم [آل عمران:103] .
وفي السنة: (( لا تقاطعوا ولا تدبروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا ) ) ( [1] ) .
والإجماع: جاء في العقيدة الطحاوية: ونرى الجماعة حقا وصوابا والفرقة زيغا وعذابا.
والعلم إذا تجرد عن الإخلاص لله عز وجل كان سببا للشقاء إذا غلب صاحبه حب الغلبة والرياسة والثراء.
وعلماء السوء هم الذين يحلون ما حرّم الله كالذي أباح الربا عندما دعا الناس إلى شراء شهادات استثمارية بنية مساعدة الدولة ثم تلاعب بالألفاظ فسمى الفائدة أو الربا بالعائد الاستثماري، والربا هو الربا وهو حرام على جميع أنواع القروض سواء كان قرضا إنتاجيا أو استهلاكيا، وأمثال هؤلاء يوقعون الأمة في اختلاف وعندما يرى البسطاء اختلاف العلماء فيما بينهم، وليس هناك من اختلاف إنما هي التبعية وأكل الفضلات التي يلقيها أصحاب المال والجاه وقد ضرب الله لهؤلاء مثلا بالكلب فقال: واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب [الأعراف:175-176] .
وأما أسباب الاختلاف:
فإن الناس ليسوا سواء في مداركهم وعقولهم وطبائعهم فمنهم الحليم ومنهم العجول، ومنهم السطحي ومنهم الواعي لبواطن الأمور، ومنهم من يفسر الأمور تفسيرا آخذا فيه بقول عمر: التمس لأخيك بضعا وسبعين عذرا ومنهم من يأخذ بالمثل القائل: سوء الظن من حسن الفطن.
طمع وحرص: والدنيا سبب للاختلاف كبير: يقول عليه الصلاة والسلام: (( فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم ) ) ( [2] ) .
التنافس على الدنيا هو الذي أفسد فيما بين الرجل وزوجته والوالد وولده، والإخوة الأشقاء بل يصل الأمر إلى القتل والانتقام بالاتهام الكاذب في العرض والعياذ بالله تعالى.
حظ الشيطان من هذه الأمة: للحديث: (( إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم ) ) ( [3] ) . فالشيطان حريص على أن يفسد فيما بين المسلم وأخيه، والقلب إذا لم يكن عامرا بتقوى الله ومخافته فإن الشيطان يعشعش في أمثال هذه القلوب ويسوسها بيده حيث يريد، قال تعالى: الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا [الكهف:104] . من إيذاء الإخوة لإخوانهم، وتضييع لحقوقهم، ونصرة لشخوصٍ، وإحياء لنعرات جاهلية وإقليمية بغيضة.
وأما أثر الاختلاف:
ضعف وهوان: قال تعالى: ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم (أي قوتكم) واصبروا إن الله مع الصابرين [الأنفال:46] .
صراع ونزاع: للحديث: (( لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ) ) ( [4] ) .
فرقة وتمزق: للحديث: (( افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، ما أنا عليه وأصحابي ) ) ( [5] ) .
وأما أنواع الاختلاف:
اختلاف في الخلق والتكوين: اختلاف في الألوان، والألسنة، والملامح آية من آيات الله سبحانه تدل على عظيم قدرته عز وجل قال تعالى: ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم [الروم:22] . كما أن اختلاف الألوان والألسنة والملامح سبب إلى التعارف فيما بين الناس فلو كان الناس على لون واحد واسم واحد لما تمّ التعارف فيما بينهم قال تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم [الحجرات:13] .
أ- فلا سخرية في إسلامنا: قال تعالى: لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم [الحجرات:11] .
ب- ولا انتقاص. عيّر أبو ذر بلالا بأمه وقال له: يا ابن السوداء، فقال النبي: (( ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل وإنك امرئ فيك جاهلية ) ) ( [6] ) .
ج- ولا طبقية في إسلامنا: أن يقسم البشر إلى طبقات ودرجات: وقد زوج النبي بنت عمته زينب بنت جحش من زيد بن حارثة العبد الذي يباع ويشترى وتقول عائشة رضي الله عنها: ما بعث رسول الله سرية فيها زيد إلا أمره عليهم ولو عاش بعده لاستخلفه.
اختلاف الأئمة رضوان الله عليهم: كتب ابن تيميه كتابا سماه (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) وذكر أسباب اختلاف الأئمة فيما بينهم في وصول الحديث إلى أحدهم وعدم وصوله إلى الآخر وكذا اللفظ المحتمل لمعنيين، وكذا عدم معرفة الناسخ للحديث السابق وهكذا، فلا يجوز أبدا أن يكون اختلاف الأئمة سببا إلى الصراع والتناحر كما جرى من قبل كما ذكر صاحب كتاب (ما لا يجوز الخلاف فيه بين بعض المسلمين) فذكر صورا من التعصب المقيت الذي مر على الأمة المسلمة في بعض فتراتها كأن يكتب على باب المسجد: ممنوع دخول الكلاب والحنابلة. وإن الحنفية لا تتزوج الشافعي، والمسلم يسعى للوصول إلى الدليل الأقوى فيأخذه وإن كان على غير قول إمامه، فإن لم يستطع فلا بأس بأن يكون متبعا لأحد الأئمة رضوان الله عليهم من غير تعصب مقيت.
الاختلاف في وجهات النظر في الصف المسلم: ولابد من الأخذ بالقواعد التالية لتفادي تفاقم الخلاف إلى اختلاف القلوب والمعاداة والكيد والمكر بعد ذلك:
أ- إبداء وجهة النظر حق لكل مسلم يقول عمر: (رحم الله من أهدى إلي عيوبي) .
ب- وجوب الاستماع للرأي الآخر: يقول عمر عندما قال له رجل: اتق الله، فاعترض الناس على الرجل: كيف تقول لأمير المؤمنين: اتق الله؟ فقال عمر: لا خير فيكم إذا لم تقولوها ولا خير فينا إذا لم نسمعها منكم، والكلمة إن لم تسمع في السر، تمردت وانفجرت وسمعت علانية رغم الأنوف.
ج- وجوب التنازل عن الخطأ إذا تبين وجه الحق: ورسول الله: عندما اختار مكانا لغزوة بدر جاءه الحباب بن المنذر يقول: أهو منزل أنزلكه الله أم هي الحرب والمشورة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: (( بل هي الحرب والمشورة ) )فقال الحباب بن المنذر: فإني أعلم مكان كذا وهو خير من المكان الذي أنت فيه. ويأخذ رسول الله بقوله )) ( [7] ) .
د- استحضار إخلاص المخالفين في الرأي: من الغباء بمكان أن يفسر الرأي الآخر أنه الرغبة في التدمير وشق عصا الطاعة، وحب الظهور وهذا لحن ملّت قلوب المخلصين سماعه لسماجته وسطحيته وظلمه. وإذا دام الأمر كذلك فلا يبقى في الصف إلا الإمعات ممن لا يحسنون إلا الموافقة حفاظا على المناصب الوهمية من الضياع، وأي ضياع أعظم من خلو الصف من الرجال.
الاختلاف بين الزوجين: ولابد لاختلاف الزوجين من ضوابط:
أ- لا يكون أمام الأبناء حتى لا يزرع الشر في قلوبهم، ويحملون بذور العداوة منذ الصغر.
ب- المعرفة بطبيعة المرأة: للحديث: (( استوصوا بالنساء خيرا فإنهن خلقن من ضلع أعوج وأعوج ما في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوجا فاستوصوا بالنساء خيرا ) ) ( [8] ) . فالعيب الذي تريد إصلاحه يحتاج منك إلى سنين حتى يستقيم، فلا تتعجل الأمور قبل أوانها، والزمن جزء من العلاج.
ج- أن تستحضر جوانب الخير فيها، للحديث: (( لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا أحب منها آخر ) ) ( [9] ) ، جوانب الخير من عفة وتقوى لله عز وجل، وقيام ببعض واجبات الأسرة.
د- التدرج في التأديب: فآخر الدواء الكي، فلا يجوز التعجل في استخدامه قبل إقامة الحجة وتقويم العوج بالوسائل المتاحة والتي نص عليها القرآن: قال تعالى: واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن [النساء:34] .
وأما أدب الاختلاف في إسلامنا:
1-جواز تعدد الصواب: رجلان على عهد النبي افتقدا الماء فتيمما فصليا، ثم وجدا الماء فاكتفى أحدهما بالصلاة التي تيمم لها، وأما الآخر فلم يطمئن قلبه إلا أن يتوضأ فيعيد الصلاة فلما ذكرا ذلك لرسول الله: قال للأول: (( أصبت السنة ) )وقال للثاني: (( لك الأجر مرتين ) ) ( [10] ) .
احترام عقول وعواطف الآخرين: تأمل معي: رب العزة سبحانه يخاطب أعداءه المخالفين لمنهجه فيقول: وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين [سبأ:24] .
2-ثم احترام عواطف الآخرين: لما انتصر المسلمون في غزوة (حنين) أعطى الرسول الطلقاء (حديثي العهد بالإسلام) ممن أسلموا في فتح مكة الغنائم، ومنع منها الأنصار وهم الذين نصروا الله ورسوله من أول الإسلام، وهم أهل التضحيات.
انظر كيف عالج رسول الله الأمر: خرج إليهم رسول الله (إلى الأنصار) ثم قال: (( ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف بين قلوبكم؟ قالوا: بلى، قال رسول الله: ألا تجيبون يا معشر الأنصار؟ قالوا: وبماذا نجيب يا رسول الله قال: والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصُدقتم: جئتنا طريدا فآويناك، وعائلا فآسيناك وخائفا فآمنّاك ومخذولا فنصرناك، قالوا: المنُّ لله ورسوله، فقال: أوجدتم في نفوسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا، تألفت بها قوما أسلموا ووكلتم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام، أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس في رحالهم بالشاة والبعير وتذهبون برسول الله إلى رحالكم، فوالذي نفسي بيده، لو أن الناس سلكوا شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرءً من الأنصار اللهم ارحم الأنصار، وابناء الأنصار، وابناء ابناء الأنصار، فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا بالله ربا ورسوله قسما ثم انصرف وتفرقوا ) ) ( [11] ) .
بأبي هو وأمي رسول الله: كيف عالج الأمر وهو النبي وطاعته عبادة، ورأيه وقوله وحي من الله تعالى، ومخالفته عذاب في الدنيا والآخرة، تأمل كيف تناول الأمر فذكرهم بنعم الله عليهم، ثم أثنى عليهم بذكر مواقفهم الكريمة فلا ينبغي أن تداس بالأقدام مواقف المخلصين عند الاختلاف بالرأي كما هو الحال في واقعنا. ثم زهدهم بالدنيا ورغبهم فيما عند الله والدار الآخرة، ثم جعل من نفسه واحدا منهم ودعا لهم بالدعاء المستجاب الذي لا يرد ففاضت الدموع ورضيت القلوب وقنعت.
3-مدارة الناس وحملهم على الحق شيئا فشيئا: فيقول النبي لعائشة: (( لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لأمرت بهدم الكعبة ولبنيتها على قواعد إبراهيم ) ) ( [12] ) .
فنتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه.
وجود الرجل الحكيم الرحيم بمن معه الذي تجتمع عنده القلوب: ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر [آل عمران:159] .
يقول النبي: (( إنما أنا لكم مثل الوالد لولده ) ) ( [13] ) .
( [1] ) متفق عليه.
( [2] ) متفق عليه.
( [3] ) رواه مسلم.
( [4] ) متفق عليه.
( [5] ) رواه أبو داود بإسناد صحيح.
( [6] ) رواه أحمد.
( [7] ) تهذيب سيرة ابن هشام ص 156.
( [8] ) رواه البخاري ومسلم.
( [9] ) رواه مسلم.
( [10] ) رواه أبو داود والنسائي.
( [11] ) حديث صحيح رواه أحمد من فقه السيرة ص 421 للغزالي.
( [12] ) رواه مسلم.
( [13] ) رواه أبو داود والنسائي.
لم ترد.