فقه
الحدود
ناصر بن محمد الأحمد
الخبر
النور
1-عقوبة الزاني المُحصن وغير المحصن شرعًا 2- حكم الكافر إذا زنى في بلاد المسلمين
3-أثر تطبيق حد الزنى على الأفراد والمجتمعات
أما بعد:
إن الله جلت قدرته ، وبحكمته البالغة ، وضع حدًا لكل جريمة تقع ، حدًا منصوصًا عليه ، لا مجال للاجتهاد ولا مجال للتخفيف ولا حتى للزيادة ، والله جل وتعالى وهو أحكم الحاكمين ، يعلم بأن هذه العقوبة هي المناسبة لهذه الجريمة ، ومن ذلك ، العقوبة التي حدها رب العالمين لجريمة الزنا ، وهو أن يجلد مئة جلدة لو كان الزاني أو الزانية بكرًا لم يتزوج بعد ، على خلاف في تغريبه سنة كاملة ، وإن كان محصنًا فعقوبته الرجم حتى يموت.
أيها المسلمون: هذا حكم الله عز وجل ، ليس فتوى عالم ، أو رأي قاضي ، إنه حكم الله جل وتعالى في مرتكبي هذه الجريمة.وما دام أننا مسلمون فينبغي لنا التسليم والاستسلام لأحكام رب العالمين.
ولقد امتثل رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر الله وحكمه ونفذ وطبق هذه العقوبة فيمن وقع في الزنا وهو محصن ، وكذلك الصحابة من بعده ، فما بالنا نحن لا نمتثل بحكم الله عز وجل ، وقصة ماعز رضي الله عنه ، قصة مشهورة ، ومؤثرة ، لمن قرأها وتأملها ، وفيها تطبيق لهذا الحكم الإلهي وملخصها ، أن ماعز بن مالك رضي الله عنه زل به القدم ، وأخطأ كما يخطأ غيره ، فوقع في الزنا رضي الله تبارك وتعالى عنه وأرضاه ، فأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه وطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يطهره فقال له: ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه ، فرجع غير بعيد ثم جاء فقال: يا رسول الله طهرني ، فقال: ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه ، قال: فرجع غير بعيد، ثم جاء فقال: يا رسول الله طهرني ، فشهد رضي الله عنه على نفسه أربع مرات بأنه فعل الزنا ، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبه جنون؟ فأخبر أنه ليس بمجنون ، فقال: أشرب خمرًا ، فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر ، فبعدها أمر به المصطفى عليه الصلاة والسلام فرجم.
وفي رواية للحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لماعز: (( أحق ما بلغني عنك؟ قال: وما بلغك أعني، قال بلغني أنك وقعت بجارية آل فلان، قال: نعم، فشهد أربع شهادات ،ثم أقر به فرُجم ) )، يقول راوي الحديث: فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد يقول فما أوثقناه، ولا حفرنا له ،ثم صار الصحابة يرجمونه رضي الله عنه، تنفيذًا لحكم الله ورسوله، بالحجارة والعظم والمدر والخزف فلما أوجعته ضرب الحجارة ، تقول الرواية - وهي في صحيح مسلم - أنه اشتد، أي هرب، يقول أبو سعيد الخدري رضي الله عنه فاشتددنا خلفه يقول فأدركناه في الحرة. فانتصب لنا، فرميناه بجلاميد الحرة - يعني حجارة الحرة - حتى سكت، رضي الله تبارك وتعالى عنه.
فبعد ما رُجم صار الناس فيه فرقتين. قائل يقول لقد هلك، لقد أحاطت به خطيئته، وقائل يقول: ما توبة أفضل من توبة ماعز، إنه جاء إلى النبي فوضع يده في يده ثم قال: اقتلني بالحجارة، قال فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة ثم جاء رسول الله وهم جلوس فسلم ثم جلس فقال: (( استغفروا لماعز بن مالك ) ). قالوا: غفر الله لماعز بن مالك، فقال رسول الله: (( لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم ) )رضي الله عنه وأرضاه.
أيها الأحبة في الله: بهذه القوة وبهذه الصرامة كان رسول الله يطبق أحكام الله عز وجل، مع أنه كان أرحم الخلق بصحابته وكان يعطف عليهم، ولكن دين الله عز وجل وشرعه وحكمه لا محاباة فيه لأحد، ولهذا استقرت أوضاع الناس، وأمن الناس. حتى الكفار كان لو حصل منهم شيء من ذلك، نفذ فيهم حكم الله، روى مسلم في صحيحه حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله أتي بيهودي ويهودية قد زنيا، فانطلق رسول الله حتى جاء يهود، فقال: ما تجدون في التوراة على من زنى، قالوا: نسّود وجوههما، ونحممهما، ونخالف بين وجوههما، ويطاف بهما، قال: فأتوا بالتوراة إن كنتم صادقين، فجاءوا بها فقرأوها حتى إذا مروا بآية الرجم، وضع الفتى الذي يقرأ، يده على آية الرحم، وقرأ ما بين يديها وما وراءها، فقال له عبد الله بن سلام وهو مع رسول الله: مُره فليرفع يده، فرفعها فإذا تحتها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله فرجُما قال عبد الله بن عمر، كنت فيمن رجمهما، فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه.
قد يقول قائل بأن هؤلاء كفار، وقد يكون مباحٌ في دينهم بعض ما يفعلون. نقول: نعم، هم يفعلون ما يشاءون في بلادهم، لكن في بلاد المسلمين، وفي الأرض الذي يطبق فيها حكم الشرع، فإنه لا يجوز لهم مخالفة أحكام الإسلام، ولو وقع فيهم مخالفة وفعل يحرمه الإسلام، فإن على الحاكم المسلمين، ويرجم الزاني المحصن في بلاد المسلمين، وإن كان كافرًا في الأصل. هذا حكم الله عز وجل.
فالرسول طبق في هذا اليهودي واليهودية حد الزاني المحصن، فأمر برجمهما.
ثم الصحابة من بعد رسول الله لم يتساهلوا ولم يتهاونوا في رجم الزاني المحصن، حفاظًا على شريعة الله، وحفاظًا على المجتمع.
فهذا عمر بن الخطاب، رضي الله عنه ،يخطب على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يقول: إن الله قد بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أُنزل عليه آية الرجم، قرأناها ووعيناها وعقلناها ، فرجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده ، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله ، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله ، وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء ، إذا قامت البينة أو كان الحَبَلُ أو الإعتراف. هذا نص خطبة عمر ، كما حفظها عنه ابن عباس رضي الله عنهم جميعًا.
والذي خشيه عمر رضي الله عنه ، وقع كله أو بعضه ، يقول رضي الله عنه ، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل ما نجد الرجم في كتاب الله، قال: بهذا الخوارج ومن وافقهم في القديم ، وتشدق سفلة في زماننا هذا وقالوا إن الرجم وحشية ، وإهانة للإنسان أن يرجم بالحجارة أمام الناس حتى يموت.
ثم يعلل عمر رضي الله عنه لماذا يخشى لو ترك الناس تطبيق هذا الحكم فيقول: فيضلوا بترك فريضةٍ أنزلها الله ، ولقد صدق عمر رضي الله عنه ، وكيف لا يضل الناس بترك شيء أنزله الله ، وما هذه التخبطات في حياة البشر عمومًا ، وحياة المسلمين خصوصًا ، إلا بتركهم فرائض وفرائض أنزلها الله ، ومن بينها حد الرجم في حق الزاني المحصن. علق الإمام النووي رحمه الله عند شرحه لهذا الأثر في صحيح مسلم فقال: وهذا من كرامات عمر رضي الله عنه ، ويحتمل أنه علم ذلك من جهة النبي صلى الله عليه وسلم.
أيها المسلمون: إنه يجب وجوبًا على جميع المسلمين ، فوق كل أرض ، وتحت أي سماء ، أن يقيموا حدود الله ، فإن فيها نفع لهم ، لأنها تمنع الجرائم وتردع الزناة ، ويكف من تحدثه نفسه بانتهاك الحرمات.ويتحقق الأمن لكل فرد.
والله لو علم كل من يسير في هذا الطريق ، أنه سوف يرجم بالحجارة حتى يموت لو ثبت عليه ذلك ، لقلب الموضوع في رأسه ألف مرة قبل أن يُقدم ، أما إن أمن الطريق ، وأمن المسير ، وأمن النتائج ، فإنك تشاهد وتسمع بكثرة انتشار جرائم الزنا في مجتمعات المسلمين.
إن أي عمل من شأنه أن يعطل إقامة الحدود ، فهو تعطيل لأحكام الله ، ومحاربة له ، لأن ذلك من شأنه إقرار المنكر وإشاعة الشر بين الناس.
ما بالكم إذا تعدى الأمر ، وصارت هناك أنظمة تحمي هذه الجريمة ، ليس فقط لا تطبق حدود الله ، بل تحمي الزناة وتدافع عنهم ، وتُقرهم على ذلك.
كلنا يسمع هذه الأيام بانتشار الأمراض المترتبة على تفشي الزنا في المجتمعات ، من أمراض الزهري والسيلان ، وهذا صار قديمًا، وظهر الإيدز الذي هو أخطر مما مضى بكثير ، وكم حاولت الدول أن تجد علاجًا وحلًا لهذا المرض.وقبل أسبوعين أو ثلاثة طالعتنا الصحف والمجلات والتلفاز ، بمؤتمرات عالمية ، وعلى مستوى دول ، أقيمت لمناقشة هذا المرض ، ومحاولة إيجاد الحلول ، وها أنتم تقرأون بين فترة وأخرى ، إعلان عن محاضرة طبية تلقى هنا أو هناك حول هذا المرض.
فنقولها صريحة أيها الأخوة ، إنه لا علاج لمرضى الإيدز إلا الحجارة ، لا العقاقير الطبية ، ولا الأدوية الكيماوية ، ولا المحاضرات ولا المؤتمرات.إنه لا علاج ولا حل ، إلا بالرجم بالحجارة ، العلاج الرباني ، والعلاج النبوي ، لأنه الدواء الذي وصفه لنا رب العالمين ، لإيقاف انتشار هذه الجريمة في المجتمعات. تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون. تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون. وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون.
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه...
أما بعد:
إن الزنا كما تعلمون ، جريمة من أفحش الجرائم وأبشعها ، إنه عدوان على الخلق والشرف والكرامة ، إنه مقوض لنظام الأسر والبيوت ، إنه مروج للكثير من الشرور والمفاسد ، إنه يقضي على مقومات الأفراد والجماعات ، إنه يذهب حتى بكيان الأمة.
إنه يهدد المجتمعات بالفناء ، إنه سبب مباشر في انتشار الأمراض الخطيرة ، التي تفتك بالأبدان ، وتنتقل بالوراثة من الآباء إلى الأبناء ، وأبناء الأبناء.فيا من تمارس مثل هذه الرذائل، إن كنت لا تفكر في نفسك فشفقة وعطفًا على أولادك الأبرياء. أن يصابوا بأمراض قد يموتون بسببها ، والسبب هو أنت ، وفي مقابل ماذا؟ ، في مقابل شهوة محرمة ، قد لا تستمتع بها إلا بضع دقائق. لكل هذا ولغيره جعل الله سبحانه وتعالى بحكمته البالغة وبعلمه الأزلي عقوبة الزاني المحصن: الرجم بالحجارة.
وقد يحدث أن يغفل المرء عن الجناية التي يرتكبها الجاني ، وينظر إلى العقوبة الواقعة عليه ، فيرق له قلبه ، ويعطف عليه ، ويقول لماذا هذه العقوبة القاسية. فيقرر كتاب الله عز وجل ، بأن ذلك مما يتنافى مع الإيمان ، لأن الإيمان يقتضي التسليم لجميع أحكام الله ، ولأن الإيمان يقتضي الطهر والتنزه عن الجرائم والسمو بالفرد والجماعة ، إلى الأدب العالي والخلق المتين، قال الله تعالى: الزانية والزاني فاجلدوا كل واحدٍ منهما مئة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين.
إن الرحمة بالمجتمع أهم بكثير من الرحمة بالفرد ، نعم ، إنه بالنظرة القاصرة المحدودة ، قد نرى بأن هذا قسوة وشدة في حق هذا الذي زل وأخطأ ، وكان يمكن أن يعالج الموضوع بغير هذه الطريقة ، لكن بالنظر إلى المجتمع ، وشمولية النظرة ، وما يترتب على ذلك من أمور ، مقارنة بعدد الزناة في المجتمع لو حصل تساهل في مثل هذا الموضوع ، أدرك الإنسان بأن حكم الله يجب أن يطبق ، وحكم الله يجب أن يشاع ، ويجب أن يشاهد الناس الرجم ، ولابد أن يُأتى بالزاني أمام الناس ، ويمارس المسلمون عملية الرجم ، تنفيذًا لشريعة الله ، ومحافظة على مجتمعهم من الفساد.
فقسا ليزدجروا ومن يك حازمًا فليقس أحيانًا على من يرحم
اللهم آمنا في أوطاننا، اللهم طهر مجتمعاتنا من الزنا والبغاة والظلمة...