الإيمان
أشراط الساعة
عبد الله بن صالح القصير
الرياض
جامع الأمير متعب
1-أعظم فِتَن الدنيا الدجال 2- أحاديث فتنة الدجال 3- أسباب للعصمة من فتنة الدجال
أما بعد، فيا أيها الناس، اتقوا الله، وآمنوا بكل ما أخبركم به الله في كتابه أو على لسان نبيه محمد مما كان ومما سيكون. ومن ذلك ما جاء عن النبي من ذكر الفتن وأشراط الساعة، فإن كل ما ثبت عنه فإنه حق يجب اعتقاده والعمل بما يقتضيه إرشاده ؛ طلبا للعافية في الدين والدنيا والآخرة.
وأبلغ ما يكون من أشراط الساعة وأعظم فتنة بين يديها فتنة الدجال؛ عصمنا الله وإياكم وأهلينا وذرياتنا منها؛ فقد صح عن النبي أنه قال: (( ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمر أكبر من الدجال ) ) [1] . وأنه ما من نبي إلا وقد أنذر به أمته تنويهًا به وتنبيهًا على خطر فتنته، وتحذيرا للأمة من شبهه، وما يكون معه من الخوارق.
أيها الناس، ولما كان نبينا آخر الأنبياء وأمته آخر الأمم، وتقرر أنه سيخرج في آخر هذه الأمة، قال فيه قولا بليغا لم يقله نبي من الأنبياء قبله لأمته، ـ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ـ، فبين صفته، ونبّه على أنواع فتنته، وجلى أمره؛ ليكون كل مسلم على بينة منه، ومعرفة بسبيل العصمة من فتنه، والنجاة من شبهه. فجزاه الله عنا خير ما يجزي نبيًا عن أمته لقاء بيانه ونصحه وشفقته.
أيها المسلمون: ومن ذلك ما ثبت عن أبي أمامة الباهلي قال: خطبنا رسول الله فكان أكثر خطبته حديثًا حدثناه عن الدجال وحذرناه، فكان من قوله أن قال: (( إنه لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم ـ عليه السلام ـ أعظم من فتنة الدجال. وإن الله ـ تعالى ـ لم يبعث نبيًا إلا حذر أمته الدجال. وأنا آخر الأنبياء وأنتم آخر الأمم، وهو خارج فيكم لا محالة. وإن يخرج وأنا بين ظهرانيكم فأنا حجيج لكل مسلم، وإن يخرج من بعدي فكل حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم. وإنه يخرج من خلة بين الشام والعراق، فيعيث يمينًا ويعيث شمالًا، يا عباد الله! اثبتوا. فإني سأصفه لكم صفة لم يصفها إياه نبي قبلي.
إنه يبدأ فيقول: أنا نبي ـ قال عليه الصلاة والسلام: ولا نبي بعدي ـ، ثم يثني فيقول: أنا ربكم - قال عليه الصلاة والسلام: ولا ترون ربكم حتى تموتوا. وإنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، وإنه مكتوب كافر، يقرأه كل مؤمن كاتب أو غير كاتب.
وإن من فتنته أن معه جنة ونارًا؛ فناره جنة وجنته نار، فمن ابتلي بناره فليستغث بالله، وليقرأ فواتح سورة الكهف فتكون عليه بردًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم.
وإن من فتنته أن يقول لأعرابي: أرأيت إن بعثت لك أباك وأمك أتشهد أني ربك؟ فيقول: نعم، فيتمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه، فيقولان: يا بني، اتبعه فإنه ربك.
وإن من فتنته أن يسلط على نفس واحدة فيقتلها وينشرها بالمنشار حتى يلقى شقين ثم يقول: انظروا إلى عبدي هذا فإني أبعثه الآن ثم يزعم أنه له رب غيري، فيبعثه الله، ويقول له الخبيث: من ربك؟ فيقول: ربي الله، وأنت عدو الله، أنت الدجال، والله ما كنت بعد أشد بصيرة بك مني اليوم )) .
وجاء في رواية أبي سعيد عند مسلم قال رسول الله: (( ذلك الرجل أرفع أمتي درجة في الجنة ) ) [2] .
وإن من فتنته يأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت.
وإن من فتنته أن يمر بالحي فيكذبونه فلا تبقى لهم سائمة إلا هلكت، وإن من فتنته أن يمر بالحي فيصدقونه فيأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت، حتى تروح مواشيهم من يومهم ذلك أسمن ما كانت وأعظمه، وأمده وأدرَّه ضروعًا.
عباد الله، وإنه لا يبقى شيء من الأرض إلا وطئه الدجال وظهر عليه، إلا مكة والمدينة، لا يأتيها من نقب من نقابها إلا لقيته الملائكة بالسيوف صلتة حتى ينزل عند الضريب الأحمر، عند منقطع السبخة، فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات فلا يبقي منافق ولا منافقة إلا خرج إليه، فينفي الخبث منها كما ينفى الكير خبث الحديد، ويدعى ذلك اليوم يوم الخلاص.
فقالت أم شريك بنت أبي العكر: يا رسول الله! فأين العرب يومئذ؟ - تريد الذين يجاهدون في سبيل الله، ويذبون عن حريم الإسلام، ويمنعون أهله من صولة أعداء الإسلام - قال: (( العرب يومئذ قليل، وجلهم ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح، فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح إذ نزل عليهم عيسى ـ عليه السلام ـ، فرجع ذلك الإمام ينكص يمشي القهقري ليقدم عيسى عليه السلام يصلي، فيضع ـ عيسى عليه السلام ـ يده بين كتفيه ثم يقول له: تقدم فصلِّ فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم، فإذا انصرف قال عيسى ابن مريم ـ عليه السلام ـ: افتحوا الباب، فيفتح ووراءه الدجال ومعه سبعون ألف يهودي، كلهم ذو سيف محلى وساج - أي الطيلسان الضخم الغليظ - فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء وينطلق هاربا، ويقول عيسى ـ عليه السلام ـ: إن لي فيك ضربة لن تسبقني بها، فيدركه عند باب اللدِّ الشرقي فيقتله، فيهزم الله اليهود، فلا يبقى شيء مما خلق الله يتوارى به يهودي إلا أنطق الله ذلك الشيء، لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابة - إلا الغرقد فإنها من شجرهم لا تنطق - إلا قال: يا عبد الله يا مسلم هذا يهودي فتعال اقتله... ) )الحديث. رواه ابن ماجة في سننه [3] ، والحاكم في مستدركه [4] ، وصححه ووافقه الذهبي، وحسنه الحافظ ابن حجر [5] ، وقوى إسناده غير واحد من أهل العلم.
فاتقوا الله عباد الله، واحذروا فتنة عدو الله، واعلموا أنه لا عصمة لكم ولا نجاة إلا بالتمسك بكتاب الله وسنة عبده ورسوله ومصطفاه، ومن ذلك أن تتعوذوا من فتنة الدجال دبر كل صلاة قائلين: اللهم إني أعوذ بك من جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال.
ومن إرشاده لاتقاء فتنة الدجال ما أشار به في قوله: (( من سمع بالدجال فلا يأته، ومن حضره فَليَنْأَ عنه، إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث به من الشبهات ) ) [6] .
ومن أسباب العصمة منه الإعراض عن الكذب والكذابين، والحذر من تلبيساتهم وشبهاتهم؛ فإنهم من جنسه، ومن أصغى إلى كلامهم وتلبيساتهم كان على خطر من فتنة الدجال. فاحذروا هذه التلبيسات وأصناف المخترعات التي تهدف إلى تضليل الناس وإيقاعهم في الحيرة والالتباس، وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى? عَلَيْكُمْ ءايَـ?تُ ?للَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِ?للَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَى? صِر?طٍ مّسْتَقِيم [سورة آل عمران:101] .
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين والمؤمنين من كل ذنب، فاستغفروه يغفر لكم؛ إنه هو الغفور الرحيم.
[1] أخرجه مسلم ح (2946) .
[2] صحيح مسلم ح (2938) ولفظه: (( هذا أعظم الناس شهادة عند رب العالمين ) ). واللفظ الذي ذكره الخطيب عند ابن ماجه.
[3] أخرجه ابن ماجه ح (4077) .
[4] مستدرك الحاكم (4/492-494) .
[5] فتح الباري (13/93) .
[6] صحيح ، أخرجه أبو داود ح (4319) ، وأحمد (4/431) .
لم ترد.