فهرس الكتاب

الصفحة 4498 من 5777

عيد الفطر: المسلمون بين الأمس واليوم

الرقاق والأخلاق والآداب

آثار الذنوب والمعاصي, الفتن

عبد الله بن محمد البصري

القويعية

جامع الرويضة الجنوبي

1-سبل النجاة من الفتن. 2- أهمية الجهاد في سبيل الله. 3- من فوائد الابتلاء والتمحيص. 4- غياب الثقة بالله بين المسلمين. 5- أثر الغزو الفكري على الأمة الإسلامية. 6- حب الدنيا هو علة المسلمين. 7- البطولة والعزة الحقيقية. 8- الفرحة بالعيد. 9- كلمة للنساء في الحياء.

أما بعد: فأوصيكم ـ أيها الناس ـ ونفسي بتقوى الله عز وجل، فتزودوا بها وحققوها، وتخففوا من الدنيا وطلقوها، واحرصوا على ما يقربكم من خالقكم ومولاكم، عظموا أوامره واجتنبوا نواهيه، واحذروا سخطه وخافوا نقمته، زكوا أنفسكم وجوارحكم وأعمالكم، واحفظوا ألسنتكم وزنوا أقوالكم، اشتغلوا بما فيه نفعكم في دنياكم وآخرتكم، واحرصوا على ما فيه اجتماع أمركم واتفاق كلمتكم، وفروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119] ، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا [الطلاق:2، 3] .

الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

أيها المسلمون، ما أحوج الأمة في أيام محنها وأوقات شدائدها إلى وقفات في مناسباتها وأعيادها، وقفات يتجدد فيها العزم على المجاهدة الحقة، ويعم فيها التوجه على محاربة كل بغي وفساد. ما أحوجها إلى دروس تستعيد فيها كرامتها وقدرها، وترد على من يريد القضاء على كيانها. إن حقًّا على أمة الإسلام وقد تشابكت عليها حلقات من المحن وتقاذفتها أمواج من الفتن وصيح بهم من كل جانب وصوب وتداعى عليهم الأكلة من كل مكان، إن حقًّا عليهم أن يعودوا إلى سيرة نبيهم ؛ ليأخذوا منها الدروس، ويستلهموا العبر، لا في حال سلمهم وأمنهم فقط، ولكن في حال حربهم وجهادهم لأعدائهم، ليس الأعداء الخارجيين فحسب، بل حتى مع أعدائهم الذين هم من جلدتهم ويتكلمون بألسنتهم، ممن قال الله فيهم: يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلاَّ يَسِيرًا [الأحزاب:13، 14] .

الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

أيها المسلمون، إننا اليوم نعيش فتنًا عظيمة ومصائب جمة، فتن شبهات وشهوات، تموج أعاصيرها كموج البحار، وتتقلّب فيها القلوب كما تغلي القدر بما فيها، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي موقنًا ويصبح متشكّكًا، يعادي من كان له وليًّا، ويوالي من كان له عدوًا، ويرى القبيح حسنًا والحسن قبيحًا، ويبيع دينه بعرض من الدنيا قليل. الأمر الخطير العظيم الذي يحتم على كل مسلم يعتز بدينه ويفتخر به ويطمع في أن يلقى الله عليه غير مبدل ولا مغير، يحتم عليه أن يسعى لحفظ هذه النعمة، ويوجب عليه التمسك بهذه المنحة، وأن يبذل الأسباب التي تعينه ـ بإذن الله ـ على الثبات ومواجهة الفتن، إقبالًا على كتاب الله وسنة رسوله، وتطبيقًا لما فيهما قولًا وعملًا واعتقادًا، وطلبًا للعلم وإخلاصًا في تحصيله، وحرصًا على الاتباع وبُعْدًا عن الابتداع، وإكثارًا من الأعمال الصالحة الخالصة، وابتعادًا عن مظان الفتن ومواقعها ومسبباتها.

أما أقوى الأسلحة وأمضاها في اتقاء الفتن ـ خاصة والمسلمون يمرون بالظروف المعاصرة والمتغيرات المتسارعة ـ فهو الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، إذ به تُردّ عاديات الطغيان وكيد الشيطان، وبه ينتصر الحق ويزهق الباطل، فيكون الدين كله لله، ويبقى دين محمد مصدّقًا لما بين يديه من الحق ومهيمنًا عليه. ومن رحمة الله تعالى وتأييده لعباده المؤمنين أن هذه الفريضة العظيمة والشعيرة الجليلة لا تنتظر تكافؤ العدد والعدة بين المؤمنين وعدوهم، بل يكفي المؤمنين أن يعدّوا ما استطاعوا من القوى، وأن يتقوا الله ويثقوا بنصره، ويثبتوا عند المواجهة ويصبروا، وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا [آل عمران:120] .

ولقد عرف الأعداء أهمية الجهاد وخطره عليهم، فبذلوا قصارى جهدهم وعملوا ليلًا ونهارًا لإضعاف روح الجهاد في نفوس المسلمين وقلوبهم، فأبعدوا أهل الإسلام عن كل طريق جادّ، ونفخوا في القوميات الإقليمية والنعرات الجاهلية، وقطعوا حبال الأخوة الجامعة، وحاربوا الجهاد والمجاهدين بتهمة التطرّف والمتطرفين حينًا، وباسم الأصولية والأصوليين حينًا آخر، ثم باسم الإرهاب والإرهابيين كما هو الحال اليوم.

الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

معاشر الإخوة في الله، إن المحن والبلايا وإن كرهتها النفوس إلا أنها تكشف عما في القلوب وتظهر مكنون الصدور، بها ينتفي الزيف والرياء، وتنكشف الحقيقة بكل جلاء. إنها محك لا يخطئ وميزان لا يظلم، والرخاء في ذلك كالشدة، والمؤمن الصادق ثابت في السراء والضراء. ولقد يظن الإنسان في نفسه قبل البلاء القدرة والشجاعة، ويحسب فيها التجرد والنزاهة، ويتوقع منها البعد عن الشح والحرص، فإذا نزلت النازلة ووقعت الواقعة واشتبكت الجيوش وحمي الوطيس تبين من بكى ممن تباكى، وأدرك المرء أنه كان بحاجة إلى تمحيص ومراجعة، وأن من الخير له أن يعتبر ويتعظ ويستدرك قبل أن يكون عبرة ويقع ضحيةً.

الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

أيها المسلمون، إن الناظر فيما أصاب المسلمين من ابتلاء هذه الأيام يرى اختلافًا كثيرًا في مواقف الناس واتجاهاتهم، من صابر ثابت ومن جَزِع خائف، هذا موقن بنصر الله، وذاك شاكّ في وعد الله. ومن أسف أن كثيرًا منهم ومع أنهم يعيشون في غنى وسعة ويتقلبون في أمن وأمان ورخاء إلا أنهم أصبحوا يعيشون قلقًا وهمًّا، ويجدون في أنفسهم خوفًا وفَرَقًا، مما يخبئه لهم المستقبل القادم على ضوء الأوضاع الراهنة، وما كان هذا الخوف والفزع ليحدث بهذه الصورة المزرية التي جعلت كثيرًا منهم تختل عنده الموازين والتصورات، فيصدق الكذَبَة ويكذّب الصادقين، ويخوّن الأمناء ويأتمن الخائنين، بل ويقوّي صلته بالخلق وينقطع عن الخالق، أقول: ما كان هذا ليحدث لولا ضعف العقيدة في النفوس، واهتزاز بناء التوكل في القلوب، والغفلة عن سنن الله في نصر أوليائه وخذلان أعدائه.

أيها الإخوة، لقد مر بالمسلمين في تاريخهم الطويل أزمات وأزمات، وحلّت بهم بلايا ونكبات، سقطت دول وقامت دويلات، ونشبت نزاعات وخلافات، سقطت مقدّسات في أيدي الأعداء، وابتلي مجاهدون وعلماء، وسقط كثير من الشهداء، فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [آل عمران:146] . إن مظاهر الضعف والهزائم التي أصابتهم لم تورث في نفوسهم شكًّا في عقيدتهم، ولم تدفعهم إلى التطلع إلى ما عند أعدائهم، إنهم لم يعتقدوا الحق إلا في دين الله، لم يهنوا ولم يستكينوا حتى في حال الهزائم العسكرية؛ لأنهم علموا أن ما يحل من هزائم وما يقع من نكبات ما هو إلا من سنن الله في الابتلاء والتمحيص، ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ [محمد:4] ، وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ [آل عمران:141] .

أما في الواقع المعاصر ـ أيها الإخوة ـ فقد عرف العدو سر القوة ومصدر العزة، فعمل عمله في الغزو الفكري على كل الأصعدة، وكرّسَ جهده في قَلْب المفاهيم وإفساد التصورات بشتى الطرق، فاختلفت الحال واختلّ الميزان، فوُجِد في المسلمين من يشك في صلاحية الإسلام عقيدة وشريعة، ظهر فيهم من يوالي أعداء الله وأعداء رسوله الموالاة الممنوعة، وخرج من يعتقد الخير في غير دين الله، ووُجِد من ينشد السعادة في غير حكم رسول الله؛ ذلك لأن أكثرهم اليوم صار إمّعة مقلدًا، يتلقّى ثقافته من جرائد مخدوعة ومجلات مشبوهة، ويستقي معلوماته من قنوات مغرضة وإذاعات مبغضة، قدوته كُتّاب مأجورون وصحفيون مفلسون، إن أحبوا حمدوا ومدحوا، وإن أبغضوا ذموا وقدحوا، أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون، مصادرهم وكالات أنباء يهودية ماسونية، ومعتمدهم على أخرى نصرانية صليبية، يدسون السم في العسل، ويكتمون الحق وهم يعلمون.

أيها المسلمون، إن التخلي عن هذا الدين أو التشكك فيه والتخلف عن ركب محمد ، إنه لخسارة ما بعدها خسارة، وإن خذلان المسلمين المستضعفين المظلومين وعدم نصرهم ولو بالدعاء لهم وتوضيح قضاياهم على حقيقتها، إنه لقاصمة ما بعدها قاصمة. إنه ـ وربّي ـ التلاشي والاضمحلال، ومن ثم الهلاك والفناء. إن الحياة الحقيقية ليست صورة اللحم والدم، ولا هي امتلاء العضلات قوة وفتوة، وإن القوة العظمى والأمان الحقيقي ليسا في العيش في ذُرَى البشر وحماهم مهما كانت قوتهم وأسلحتهم. إن الحياة والقوة في تقوية الصلة بالله، وإن العزة التي لا تُضَام والمَنَعة التي لا تُرام إنما هي في السير على نور من الله والاستجابة لندائه: رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا [آل عمران:193] . لقد خرج الدعاة الفاتحون من أسلافنا العظماء مُرَقَّعِي القمص مَخْصُوفِي النعال، فحكموا العالم بحسن سيرتهم وصدق سريرتهم، صدقوا الله فصدقهم، ونصروه فنصرهم، وأحيوا دينه وشرعه وسنة نبيه فأحيا قلوبهم ونوّر بصائرهم، لقد شع نور الإيمان في جنباتهم، فميزوا به الخير من الشر، وعرفوا به النفع من الضر، وفرقوا بين المعروف والمنكر، ميزوا الصديق فوالوه، وتبينوا العدو فنابذوه.

أما المقطوعون عن الله في هذا الزمان فإن نظرتهم لم تتجاوز الحياة الدنيئة بمتعها، وتطلعهم لم يتعد حدود مآربهم الشخصية، تمسكوا بالقشور والماديات، واستغرقوا في الشهوات والملذات، فملؤوا الدنيا ظلمًا وجورًا، وأترعوها فسادًا وخلاعة. وإن التقدم الملموس في مجال التقنيات والآليات والعلوم التجريبية لم يغن عن عالم اليوم شيئًا، فالعالم يموج بفلسفات الشرق الملحد والغرب الكافر، إيمانًا بالماديات البحتة، وإنكارًا للحقائق الغيبية، واطراحًا للقيم العالية، ونبذًا للأخلاق النبيلة. تَقَاتُل على المصالح الخاصة والأنانيات المستحكمة، وصراع على مقدرات الشعوب وثرواتها، حروب تتفجر وأمراض تتنوع، والإنسانية تزداد كآبة وتحسّرًا. شحّت الموارد، ونزعت البركات، فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون، ويسعون في الأرض فسادًا، والله لا يحب المفسدين.

الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

أيها المسلمون، إن علة العلل في عالم اليوم هي ما ران على القلوب من الرضا بالحياة الدنيا والاطمئنان بها، والغفلة عن آيات الله وسننه. إن نفوس كثير من المسلمين اليوم نفوس صغيرة ذليلة، فقدت طعم العزة ولذة الانتصار، وإن أفئدتهم أفئدة غافلة لاهية، نسيت ربها وخالقها، وتناست وعده، واستخفت بوعيده، استصغروا أنفسهم، واستعظموا أعداءهم، وتناسوا إيمانهم وجنود ربهم، وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ [المدثر:31] .

إن الناشئة في كثير من بلاد المسلمين اليوم يُذَادون عن كتاب الله ذَوْدًا، ويصرفون عن سنة نبيهم وهدي سلفهم، دينهم تُعَكَّرُ منابعه، وتاريخهم تُشَوَّهُ مصادره، يُبعَد علماؤهم ويحاربون، ويُقرّب أعداؤهم ويسالمون. إن الرقيب ليلمح أجسامًا تتحرك في مآرب الدنيا، وطغامًا كثيرًا من الكبار والصغار، نسوا الله فأنساهم أنفسهم، غفلوا عما خلقوا من أجله، واشتغلوا بما لا ينفعهم الاشتغال به، جهلوا ما تنفعهم معرفته، وعرفوا ما يضرهم العلم به، خلت قلوبهم من ماء حياتها ومادة غذائها، فامتلأت هواءً، وأُتْرِعَت غُثَاءً، فرغت أو كادت تفرغ من محبة الله والأنس بطاعته، وشحنت بالغفلة وكراهية الموت.

وإذا أردت على ذلك دليلًا وبرهانًا فانظر إلى ما يشغل الناس اليوم به أنفسهم، وفيم يقضون أوقات فراغهم، وعلام يجتمعون، وفيم يتناقشون، وما الهمّ الذي يتَلَجْلَجُ في صدر كل واحد منهم. إنك ستجد عقولًا خِواءً، وأفئدة هواءً، وسترى فتيانًا يضحكون ولا يبكون، ينطلقون إلى المنتديات يلعبون، ويتجمعون في أماكن اللهو يعبثون، ستُلْفِي أجسامًا وقوى تستغل في غير ما خلقت له، سهرها على لعب الورق، وتفكيرها في كيفية الفوز فيه، راحتها وأنسها الدشوش والقنوات، ولذتها استماع الأغاني والمزامير، ولاؤها في المنتخب والنادي، وهمّها ظهور نصره أو أفول هلاله، اتفاق على التشجيع واتحاد على حب الرياضة، متابعات واهتمامات، ولقاءات وتحليلات، ثغور وفنيات، وجرائد رياضية وصفحات، وهنا مقالات هجومية وهناك ردود دفاعية، مناوشات وسباب، ولوم وعتاب، وكأنما يخطط القوم لغزو اليهود وتحرير فلسطين، أو يعدون لنصر المظلومين على الظالمين، وحينما تقرأ وصف مباراة وتحليلها فكأنما توصف لك معركة حربية شرسة، وكأنما ينعت لك قواد عظماء فاتحون، منتصر رابح ومهزوم خاسر، وهذا مدرب قدير وذاك قائد فذ، وهذه خطة هجومية وتلك دفاعية، إلى آخر ما هنالك من إفك وكذب، في سلسلة من تزويق الكلام وزخرفة القول والتلاعب بعقول الرعاع والطغام.

وإذا كان الأمر كذلك ـ أيها الإخوة ـ فإن المسلمين اليوم أحوج ما يكونون إلى ما يرد عليهم اعتزازهم بإيمانهم وثقتهم بأنفسهم ورجاءهم في مستقبل مشرق تكون كلمة الله فيه هي العليا ودينه هو الظاهر. يجب على المسلمين أن يستشعروا مسؤوليتهم وريادتهم، وأن عليهم دعوة هذه القطعان الضالة إلى الدين القويم وهدايتهم إلى الصراط المستقيم.

إن الأمة تكون عزيزة حين تربي أبناءها على خلق الشجاعة وصرامة العزم، وحين تعوّدهم علو الهمة وبعد النظرة، تكون عزيزة حين تلد أبطالًا وتعدّ أجيالًا وتبذل جهودًا لا تعرف حدودًا، لا يقعد بها بخل ولا يلهيها غنى. لا يصنع التاريخ ـ أيها الإخوة ـ إلا الرجال الأعزّة، أهل الحق والإيمان والعقيدة، وأصحاب المبادئ السامية والأهداف النبيلة، المتمسكون بدينهم وقيمهم وأخلاقهم.

ولتعلموا ـ رحمكم الله ـ أن العزة والأمن والرخاء باقية لأهل الإيمان والحق ما استقاموا على النهج وأصلحوا نفوسهم؛ ذلك أن العزة لا تجتمع مع السفاسف والدنايا، والأمن لا يتفق مع الجرأة على انتهاك حرمات الله وتعدي حدوده، والرخاء لا يكون مع البعد عن الله ومعاداة رسوله وأوليائه.

الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

أيها المسلمون، إن حقًّا على أمة الإسلام أن تجدّ لا أن تلعب، وأن تبكي لا أن تضحك، كيف اللعب والأقصى في يد اليهود؟! وإلى متى الهزل ومسرى رسول الله تدنسه القرود؟! وعلام الضحك ونحن في مؤخرة الركب؟! نسام كما تسام البهائم، ونخدر بالألعاب كما يفعل بالأطفال. إننا نحن المسلمين قوم أعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله. هكذا أعلنها الفاروق على ملأ هم خيرة الخلق بعد الرسل، وهكذا نقولها اليوم وفي كل يوم، وسيبقى التاريخ يرددها ويكررها ما بقيت للكرامة عين تطرف وقلب يرجف، وستظل نبراسًا يضيء للأجيال طريقهم نحو المجد والقيادة.

أما ما تزعمه وسائل الإعلام المأجورة من بطولات رياضية وزعامات فنية فذلك هو عين الخداع للأمة ولشبابها، وذلك والله هو تخدير العقول والعواطف، وجعلها تنفق طاقتها في غير ما خلقت له، بل هو ـ ورب الكعبة ـ تنفيذ مخططات الصهاينة اليهود، لإبعاد المسلمين عن مصدر عزتهم ومنبع كرامتهم، وإقصائهم عن سر تفوقهم وسبب تغلبهم الذي ما كاد المسلمون يبتعدون عنه ويتخلون عن منهجه حتى انزووا في بقعة ضيقة ومساحة صغيرة، وعاشوا على هامش العالم بعد أن كانوا في مقدمة الركب، يتأثّرون ولا يؤثّرون، ويستوردون ولا يصدرون، يُقضى الأمر على غيبة منهم، ولا يُسْتَشهدون وهم شهود.

ألا فاتقوا الله أيها المسلمون، وقوموا بواجباتكم، واستمسكوا بدينكم، فإن المسلم الحق عزيز غيور، لا يقبل النيل من دينه ولا من نفسه، ولا أن يمس في أهله ولا ماله بغير حق، جاء رجل إلى رسول الله فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاءني رجل يريد أخذ مالي؟ قال: (( فلا تعطه مالك ) )، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: (( قاتله ) )، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: (( فأنت شهيد ) )، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: (( هو في النار ) ).

الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

أما بعد: فاتقوا الله ربكم في كل حين واعبدوه، واحمدوه على أن أتم عليكم شهركم واشكروه، واستمروا على طاعته إلى أن تلقوه، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر:18] .

الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

أيها المسلمون، إن العيد في الإسلام غبطة في الدين والطاعة، ومظهر للقوة والإخاء، إنه فرحة بانتصار الإرادة الخيرة على الأهواء والشهوات، وسرور بالخلاص من إغواءات شياطين الإنس والجن، إنه رضا بطاعة المولى وبهجة في الحياة الدنيا.

في الناس ـ أيها الإخوة ـ من تطغى عليه فرحة العيد فتستبد بمشاعره ووجدانه، لدرجة تنسيه واجب الشكر والاعتراف بالنعم، وتدفعه إلى الزهو بالجديد والإعجاب بالنفس، حتى يبلغ درجة المَخْيَلَة والتباهي. وما علم هذا المتباهي أن العيد قد يأتي على أناس قد ذلوا من بعد عز، فاعتاضوا عن الفرحة بالبكاء، وحل محل البهجة الأنين والعناء. كم في هذا العيد من يتيم ينشد عطف الأبوة الحانية، ويتلمس حنان الأم الرؤوم، يرنو إلى من يمسح رأسه، ويتطلع إلى من يخفف بؤسه. كم من أرملة فقدت عشيرها، وتوالت عليها المحن، تذكرت بالعيد عِزًّا قد مضى تحت كنف زوج عطوف. فحق على كل ذي نعمة ممن صام وقام أن يتذكر هؤلاء المنكوبين، فيرعى اليتامى، ويواسي الأيامى، ويرحم أعزاء قوم قد ذلوا.

كم هو جميل أن تظهر أعياد الأمة بمظهر الواعي لأحوالها وقضاياها، فلا تحول بهجتها بالعيد دون الشعور بمصائبها التي يرزح تحتها فئام من أبنائها، فلا تنسى أرض الإسراء في فلسطين، ولا أراض للمسلمين أخرى منكوبة، بمجاهديها وشهدائها، بأيتامها وأراملها، بأطفالها وأسراها. إنك ـ أيها المسلم ـ حين تأسو جراح إخوانك إنما تأسو جراحك، وحين تسد حاجة جيرانك إنما تسد حاجة نفسك، وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ [البقرة:272] .

الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

أيها الإخوة في الله، إن الابتهاج بالعيد نعمة لا يستحقها إلا الشاكرون، وما الشكر عليها إلا صمود لنوائب الدهر، ويقظة لدسائس العدو، وعمارة للأرض بنشر دين الله. ومن هنا ـ أيها الإخوة ـ فإن أعياد المسلمين يشارك فيها حق المشاركة ويبتهج فيها صدق الابتهاج أهل الطاعات من الصائمين والقائمين والركع السجود. أما من لم يصم لله عاصيًا، أما من لم يقم بما أوجب الله عليه معرضًا فلا عيد له ولا بهجة، ولا فرحة يستحقها ولا سرور. العيد مناسبة لتجديد أواصر الرحم بين الأقرباء، وتفقد حبال الود مع الأصدقاء، تتقارب القلوب على المحبة، وتجتمع الأفئدة على الألفة، وترتفع عن الضغائن وتنسى الأحقاد.

في العيد تنطلق السجايا والميول على فطرتها، وتبرز العواطف والعادات على حقيقتها، وقد قيل: من أراد أن يرى أخلاق الأمة فليراقبها في أعيادها. والمجتمع السعيد الصالح هو الذي تسمو أخلاقه في العيد إلى أرفع ذروة، وتمتد فيه مشاعر الإخاء إلى أبعد مدى، حيث يبدو في العيد متماسكًا متعاونًا متراحمًا، تخفق القلوب فيه بالحب والوفاء، وتنبض بالبر والصفاء.

فاتقوا الله أيها المؤمنون، وودعوا شهركم، وابتهجوا بعيدكم، بالبقاء على العهد، وإتباع الحسنة الحسنة، فإن ذلك من علامات قبول الطاعات، وقد ندبكم نبيكم عليه الصلاة والسلام بأن تتبعوا رمضان بست من شوال، فمن فعل ذلك فكأنما صام الدهر كله، تقبل الله منا ومنكم الصيام والقيام.

الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

أيها المسلمون، وثَمَّة كلمة أخيرة نخص بها أمهاتنا والأخوات، ندعوهن فيها إلى العودة إلى الحياء، وإلى التجمّل والتزيّن بالسِّتْر، فإننا نرى كثيرًا منهن إلى البذاءة سائرات، وفيما يغضب الله ماضيات، ملابس وأقمشة غالية، وأجسام وأبدان شبه عارية، قد شققن الثياب من كل ناحية، وفتحن الملابس من كل جهة، قص للشعور وتقصير للثياب، وتفنّن في نزع الجلباب والحجاب، وجوه تحمر وتصفر، وأصباغ للرموش وعدسات للعيون، ألا فليرجعن إلى الحياء، وليعدن إلى الفضيلة، فإن المجتمعات ما عانت من المصائب والمحن ولا انتشرت فيها الفتن والإحن إلا يوم ضاع منها الحياء، وصدق الذي لا ينطق عن الهوى حيث قال: (( إذا لم تستح فاصنع ما شئت ) ).

ألا فاتقين الله يا إماء الله، واتقوا الله أيها الأولياء، يا من تركتم لنسائكم الحبل على الغارِب، وأطلقتم لهن العَنَان، يلبسن ما شئن، ويفصّلن ما أردن، يذهبن للسوق وحدهن، ويختلطن بالبائعين، ويضاحكن العمال والخياطين، لا رقيب ولا حسيب، ولا آمر ولا ناهي، أنسيتم أنكم عنهن مسؤولون، وأمام الله في القيامة موقوفون، وعلى تقصيركم وتهاونكم نادمون؟! يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6] .

الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت