الرقاق والأخلاق والآداب
أعمال القلوب
علي بن عبد الرحمن الحذيفي
المدينة المنورة
المسجد النبوي
1-بيان النبي لأصول الدين وفروعه. 2- وجوب محاسبة النفس. 3- فضل مراقبة الله تعالى. 4- موقف المسلم من المشتبهات. 5- الحاجة إلى الإصلاح والطريق إليه.
أما بعد: فاتقوا الله، اتقوا الله وأطيعوه، واخشوا يومًا لا يجزي فيه أحد عن أحدٍ شيئًا، وإنما هي الأعمال يَشقى بها الشقي، ويسْعَد بها السعيد.
عباد الله، إن اللهَ تعالى قد أرسل إليكم عبدَه محمَّدًا بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، وأنزل عليه القرآن الكريمَ نورًا مبينا، ما من خير وفضيلةٍ إلا دلّ عليها وأمر بها، وما من شرٍّ ورذيلة إلا نهى عنها، قال الله تعالى: مَّا فَرَّطْنَا فِى ?لكِتَـ?بِ مِن شَىْء [الأنعام:38] ، وقال تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ?لْكِتَـ?بَ تِبْيَانًا لّكُلّ شَىْء وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى? لِلْمُسْلِمِينَ [النحل:89] ، ويقول النبي: (( إن الحلالَ بيّن، وإن الحرامَ بين، وبينهما أمور مشتبهاتٌ، لا يعلمهنّ كثير من الناس، فمن اتّقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعِرضه، ومن وقع في الشبهاتِ وقع في الحرام، كالراعي يرعَى حولَ الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكلّ ملِكٍ حمى، ألا وإنّ حمى الله محارمه، ألا وإن في السجد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كلُّه، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ) )رواه البخاري ومسلم من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه [1] ، وفي الحديث الآخر: (( إن الله فرض فرائضَ فلا تضيِّعوها، وحدَّ حدودًا فلا تعتدوها، وحرّم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمةً بكم فلا تَسألوا عنها ) ) [2] .
فإذ قد علمتَ ـ أيها المسلم ـ ما يجب لله عليك من الفرائض وما لغيرك من الحقوق وجبت عليك محاسبةُ نفسك محاسبةً شديدةً دائمة بلا انقطاع؛ ليخفَّ عليك الحسابُ في الآخرة، فمن راقب اللهَ تعالى وخشيه في كلِّ ما يأتي وما يذر قلَّ تقصيره في الفرائض والواجبات، وكفَّ نفسَه عن المحرَّمات، وأدَّى الحقوق الواجبةَ لغيره عليه، قال الله تعالى: إِنَّ ?لَّذِينَ هُم مّنْ خَشْيةِ رَبّهِمْ مُّشْفِقُونَ وَ?لَّذِينَ هُم بِئَايَـ?تِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَ?لَّذِينَ هُم بِرَبّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ وَ?لَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى? رَبّهِمْ ر?جِعُونَ أُوْلَئِكَ يُسَـ?رِعُونَ فِى ?لْخَيْر?تِ وَهُمْ لَهَا سَـ?بِقُونَ [المؤمنون:57-61] .
فمن راقب ربَّه وخشِيه وحاسب نفسَه وألزمها بما يقرِّبه إلى الله ويُباعده من الذنوب والآثام صَلح باله وحسُن حاله ومآله، قال الله تعالى: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ وَنَهَى ?لنَّفْسَ عَنِ ?لْهَوَى? فَإِنَّ ?لْجَنَّةَ هِىَ ?لْمَأْوَى? [النازعات:40، 41] . فمن حاسب نفسَه وراقبها وسيطَر عليها صَبَر على عبادة الله عز وجل التي هي أعظمُ إكرامٍ للعبد م ربِّه امتثالًا لقول الله تعالى: رَّبُّ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَ?عْبُدْهُ وَ?صْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:65] ، وامتثالًا لقول الله تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِ?لصَّلو?ةِ وَ?صْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَ?لْعَـ?قِبَةُ لِلتَّقْوَى? [طه:132] ، امتثالًا لقول الله تعالى: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?صْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَ?تَّقُواْ ?للَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران:200] ، وتأسِّيًا بأصحاب رسول الله المحافظين على العبادة، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في الصلاة جماعة: (ولقد رأيتُنا وما يتخلَّف عنها إلا منافقٌ معلومُ النفاق، ولقد كان يُؤتى بالرجل يُهادَى بين الرجلين من المرض حتى يُقام في الصف) [3] ، ويقول عمر رضي الله عنه: (أيها الناس، حاسِبوا أنفسكم قبل أن تُحَاسبوا، وزنُوها قبلَ أن تُوزَنوا، وتأهَّبوا للعرض الأكبر على الله) [4] ، ويقول النبي: (( الكيِّس من دان نفسَه وعمِل لما بعد الموت، والعاجِز عن أتبَع نفسَه هواها وتمنى على الله الأماني ) ) [5] .
عباد الله، مَن حاسَب نفسَه وعمل على سنّة كثُر خيره، وقلَّ شره، وحسُنت عاقبته، وقدِم على ربِّه وهو عنه راض، وأدخله مُدخلًا كريمًا، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا. فحاسبوا أنفسكم في أقوالكم فإنّ اللهَ يقول: مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18] ، ويقول تعالى: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـ?فِظِينَ كِرَامًا كَـ?تِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار:10-12] . وحاسبوا أنفسكم على أفعالكم فإن الله يقول: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة:7، 8] . وحاسبوا أنفسَكم في نواياكم وما يعتلجُ في صدوركم فإن الله تعالى يقول: وَ?عْلَمُواْ أَنَّ ?للَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى أَنفُسِكُمْ فَ?حْذَرُوهُ [البقرة:235] .
وإذا لم يتبيَّن لك ـ أيها المسلم ـ وجهُ الشرع في عمل ما فاسأل العلماءَ عن حكم الله فيه، قال الله تعالى: فَ?سْأَلُواْ أَهْلَ ?لذّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ [النحل:43] . ولو راجع المسلم نفسه فيما اشتبه عليه فتردَّد في ذلك الأمر فليحذر أن يفعله لقول النبي: (( البرُّ ما اطمأنَّت إليه النفس واطمأنَّ إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردَّد في الصدر وكرهتَ أن يطّلع عليه الناس ) ) [6] ، والمراد بالنفس هنا النفس المطمئنة التي تحبّ ما يحبّ الله وتكره ما يكره الله تعالى، والتي وثِقت بالله وتوكّلت عليه في كل أمورها، والمراد بالنفس أيضًا النفس اللّوامة التي تلوم صاحبها على التقصير في الواجبات وتلومه على فعل بعض المحرّمات، والقلب يراد به هنا القلب الذي سلِم من الشهوات وسلم من الشبهات، فإنه هو القلبُ الذي يعرف البرَّ والإثم إذا اشتبها، ويعرف الخير والشر إذا التبسا، وأما النفس المريضة بالشهوات والقلبُ المريض بالشهوات والشبهات فلا يعرف المتشابه من الأمور، ولا يحبّ ما يحبُّه الله، بل يكره ما يحبّ الله، ويحبُّ ما يكره الله تعالى، ولا ينْزَجر عمّا حرم الله، قال الله عز وجل: فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـ?بَهَ مِنْهُ ?بْتِغَاء ?لْفِتْنَةِ وَ?بْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ?للَّهُ وَ?لراسِخُونَ فِي ?لْعِلْمِ يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا [آل عمران:7] ، وقال تعالى: إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ?لظَّنَّ وَمَا تَهْوَى ?لأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مّن رَّبّهِمُ ?لْهُدَى? [النجم:23] .
فمحاسبة النفس مع التمسُّك بالسنة هو سبيلُ النجاة، وأما من أعطى نفسَه هواها وسرَّحها في مراتع الضّلال والشهوات والفساد وأضاع حظَّها من العبادة لله وأعرض عن سنة رسول الله ولم يحاسِب نفسَه فقد ساء حالُه وخبُث مآله، قال الله تعالى: فَأَمَّا مَن طَغَى? وَءاثَرَ ?لْحَيَو?ةَ ?لدُّنْيَا فَإِنَّ ?لْجَحِيمَ هِىَ ?لْمَأْوَى? [النازعات:37-39] ، وقال تبارك وتعالى: وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَ?تَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف:28] ، وقال تعالى: وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَـ?رُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ وَلَـ?كِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ?للَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيرًا مّمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ?لَّذِى ظَنَنتُم بِرَبّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مّنَ ?لُخَـ?سِرِينَ فَإِن يَصْبِرُواْ فَ?لنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مّنَ ?لْمُعْتَبِينَ [فصلت:22-24] .
عباد الله، إنَّ أحوالَ المسلمين توجب التفكُّرَ والتدبُّر والمراجعة والإصلاح لهذه الأحوال، فقد تكالب عليهم أعداءُ الإسلام، وتفرّقت كلمة المسلمين، وتشتّت آراؤهم، وتفشّت بينهم البدع، وصار بعضُهم يكيد لبعض، وصار بأسُهم بينهم، واشتدَّت كُرُباتهم، وساءت أحوالهم، وكلُّ مسلم يعلم أنَّ سببَ ذلك كلِّه هو تفريطهم في دينهم، فإذا أصلَح المسلمون ما بينهم وبين ربهم أصلح الله ما بينهم وبين الناس وأصلح ذاتَ بينهم، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى? يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مّن دُونِهِ مِن وَالٍ [الرعد:11] .
وإن أوَّل خطوة لإصلاح حال المسلمين هي صَلاح الفرد والجماعة، بأن يحاسَب كلٌّ نفسَه على كلِّ شيء قبل أن يحاسبَه الله؛ أن يحاسب نفسه: ماذا قدَّم للإسلام من عملٍ صالح؟ هل هو معظِّمٌ لأمر الله بالامتثال والخضوع والانقياد والمحبة؟ هل هو معظِّم لنهي الله بالابتعاد عن محارم الله وبُغضها؟ هل هو معظِّم لشرع الله؟ قال الله تعالى: ذ?لِكَ وَمَن يُعَظّمْ حُرُمَـ?تِ ?للَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبّهِ [الحج:30] ، هل المسلم معظِّمٌ لسنَّة رسول الله بالتعليم والاتباع والتعلُّم وكراهية المخالفة والابتداع؟ هل هو قائم بحقوق الوالدين والأقربين والمسلمين؟ هل يحدِث لكلِّ ذنب توبةً نصوحا؟ هل يبكي على خطيئته؟ هل يزداد كلَّ يوم علمًا وفقها وعملًا صالحًا في دين الله دين الإسلام الذي رضيه الله للعالمين؟
إن الربَّ جل وعلا يوجب علينا أن نلقاه في الآخرة بالأعمال، لا بادِّعاء مجرَّدٍ من بيِّنات الأفعال، ويوجب علينا أن نعيشَ في هذه الدنيا صادِقين في أقوالنا وأفعالنا التي نتقرّب بها إلى ربِّنا، مخلصين مُحبِّين لخالقنا، خاضعين منقادين متواضعين لجبَّار السموات والأرض، والله يُكرم من يُكرمه، ويهين من أهان أمرَه، وهل شَقي بطاعة الله أحد؟! وهل سعِد بمعصية الله أحد؟! قال الله تعالى: وَقُلِ ?عْمَلُواْ فَسَيَرَى ?للَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَ?لْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى? عَـ?لِمِ ?لْغَيْبِ وَ?لشَّهَـ?دَةِ فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [التوبة:105] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيد المرسلين وبقوله القويم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كلِّ ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[1] صحيح البخاري: كتاب الإيمان، باب: فضل من استبرأ لدينه (52) ، صحيح مسلم: كتاب المساقاة (1599) واللفظ له.
[2] أخرجه الدارقطني (4/183-184) ، والطبراني في الكبير (22/222) ، وأبو نعيم في الحلية (9/17) ، والبيهقي في الكبرى (10/12-13) ، والخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه (2/9) من رواية مكحول عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه، وقد اختلف في رفعه ووقفه، ورجح الدارقطني الرفع، وحسنه أبو بكر ابن السمعاني في أماليه كما في جامع العلوم والحكم (1/150) ، والنووي في الأربعين رقم (30) ، إلا أن مكحولًا لم يصح له سماع من أبي ثعلبة، ولذا ضعفه الألباني في غاية المرام (4) .
[3] أخرجه مسلم في المساجد ومواضع الصلاة (654) .
[4] روي هذا الأثر من طرق لا تثبت، فأخرجه ابن أبي الدنيا في محاسبة النفس (ص29-30) ، وأحمد في الزهد (ص120) ، وأبو نعيم في الحلية (1/52) من طريق جعفر بن برقان، عن ثابت بن الحجاج، عن عمر رضي الله عنه نحوه، وثابت لم يدرك عمر. وعند ابن أبي شيبة في المصنف (13/270) : عن جعفر بن برقان، عن رجل لم يسم، عن عمر. وأخرجه ابن المبارك في الزهد (ص103) عن مالك بن مغول بلاغا عن عمر. وأخرجه مالك في الموطأ (2/111 ـ رواية أبي مصعب ـ) بسند منقطع بين يحيى بن سعيد وعمر. وعلقه الترمذي في صفة القيامة (2459) بصيغة التمريض. وأورده الألباني في السلسلة الضعيفة (1201) .
[5] أخرجه أحمد (4/124) ، والترمذي في صفة القيامة والرقائق والورع (2459) ، وابن ماجه في الزهد، باب: ذكر الموت والاستعداد له (4260) ، والبزار (3489) ، والطبراني في الكبير (7/281، 284) ، وأبو نعيم في الحلية (1/267، 8/174) ، والبيهقي في الكبرى (3/369) من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه، قال الترمذي:"هذا حديث حسن"، وصححه الحاكم (191، 7639) ، وتعقبه الذهبي في الموضع الأول بأن فيه أبا بكر بن أبي مريم وهو ضعيف، ولذا ضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (5319) .
[6] أخرجه أحمد (4/227، 228) ، والدارمي في البيوع (2533) ، وأبو يعلى (1586، 1587) ، والطبراني في الكبير (22/402) ، وأبو نعيم في الحلية (2/24، 6/255) ، والبيهقي في الدلائل (6/292) من حديث وابصة بن معبد رضي الله عنه نحوه، وضعفه ابن رجب في جامع العلوم والحكم (2/94) . ويشهد له ما أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب (2553) عن النواس بن سمعان رضي الله عنه بلفظ: (( البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس ) ).
الحمد لله على توفيقه وامتنانه، والشكر له على فضله وإحسانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن نبينا وسيّدنا محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه وإخوانه.
أما بعد: فاتقوا الله ـ عباد الله ـ حقَّ التقوى، وتمسَّكوا من الإسلام بالعروة الوثقى.
عباد الله، إن محاسبةَ المسلم نفسَه في كلِّ صغيرة وكبيرة في تمسُّكه بسنَّة المصطفى هو سفينةُ النجاة وصَلاحُ الحياة والفوزُ برضوان مولاه، قال الله تعالى: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?تَّقُواْ ?للَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَ?تَّقُواْ ?للَّهَ إِنَّ ?للَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر:18] ، وفي الحديث عن النبي: (( من سرَّته حسنتُه وساءته سيّئتُه فهو مؤمن ) ) [1] ، وعن أنس رضي الله عنه أنه قال: (إنكم لتعملون أعمالًا هي أدقّ في أعيُنكم من الشعر كنّا نعدُّها على عهد رسول الله من الكبائر) رواه البخاري [2] ، وذلك لمحاسبتهم أنفسَهم.
عباد الله، إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] ، وقد قال رسول الله: (( من صلَّى علي صَلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرًا ) ).
فصلوا وسلِّموا على سيد الأولين والآخرين وإمام المرسلين.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وسلّم تسليمًا كثيرًا...
[1] أخرجه أحمد (1/18) ، والترمذي في الفتن، باب: ما جاء في لزوم الجماعة (2165) ، والبزار (166، 167) ، والبيهقي في الكبرى (5/389) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال الترمذي:"هذا حديث صحيح غريب من هذا الوجه"، وصححه ابن حبان (6728، 7254) ، والحاكم (387) ، وأورده الألباني في صحيح سنن الترمذي (1758) .
[2] صحيح البخاري: كتاب الرقاق، باب: ما يتقى من محقرات الذنوب (6492) وفيه: (من الموبقات) .