الرقاق والأخلاق والآداب, فقه
الحدود, الكبائر والمعاصي
سعد بن عبد الله العجمة الغامدي
الطائف
سعيد الجندول
1-الحكمة من الحدود الشرعية. 2- وضع الإسلام للتدابير الوقائية لحماية المجتمع من الرذيلة. 3- تعظيم أمر الزنا والتحذير منه. 4- أسباب الوقوع في الزنا. 5- عقوبة الزاني في الدنيا والآخرة.
أما بعد: فإن من طبيعة البشر أن تكون لهم نزعات، فمنها نزعات إلى الخير والحق، ومنها نزعات إلى الباطل والشر، ولما كانت النفوس الشريرة والنزعات الخاطئة والأعمال السيئة لا بدّ لها من رادع يَكْبَحُ جِمَاحَهَا ويخفف من حِدَّتِهَا شرع ربُّ العبادِ وهو الحكيمُ العليمُ الرَّؤوفُ الرحيمُ حدودًا وعقوباتٍ متنوعةً بحسب الجرائم لتردعَ المعتديَ وتصلحَ الفاسدَ وتُقِيمَ الْمُعْوَجَّ وتكفِّرَ عن المجرم جريمته إِذْ لا يجمع الله بين عقوبة الدنيا والآخرة إن تاب العبد وأناب ورجع عن تلك الجريمة، أما إن عاد ورجع ولم يتب ولم يُقَمْ عليه الْحَدُّ مثلًا في المرة الأخرى فيما يجب فيه الحد أو القصاص فالتكفير عن الأولى وليس عن الأخرى.
ولقد أوجب الله إقامة الحدود على مرتكبي الجرائم كلّ حسب جريمته، فالسارق تُقْطَعُ يَدُهُ لأنه يسرق بها غالبًا، وقُطَّاعُ الطريق إذا قَتَلُوا قُتِلوا، وإن أخذوا المال فقط قُطِّعَتْ أَيْدِيهِمْ وأَرْجُلُهُمْ من خلاف لأنهم يستعينون على قطع الطريق بأيديهم وأرجلهم فَقُطعت نكالًا وجزاءً من جنس العمل، وقاذفُ المحصنات والمحصنين يُجْلَدُ ثمانين جلدة حتى لا تُنتهك الأعراض، أما جريمة فساد الأخلاق وانهيار المجتمع تلك الجريمة التي تكمن في فعل الزنا واللواط فإنها جريمة عظيمة رَتَّبَ عليها الشارعُ عقوبةً أكبرَ، فالزاني الذي يَطَأُ فَرْجًا حرامًا إما أن يكون محصنًا، وإما أن يكون غير محصن، فالمحصن هو البالغ العاقل الذي تزوج امرأة وَوَطِئَهَا بنكاح صحيح، فإذا زنا فإنه يُرْجَمُ بالحجارة حتى يموت ثم يُغَسَّلُ ويُكَفَّنُ ويُصَلَّى عليه ويُدْفَنُ مع المسلمين إذا كان مسلمًا، وأما غير المحصن وهو من لم يتزوج على الوصف الذي ذُكِرَ فإنه إذا زنا يجلد مائة جلدة ويُسَفَّرُ عن البلد أي: يُغَرَّبُ سنةً كاملةً.
أيها المسلمون، إن الإسلام لا يُعَوِّلُ على سلاح التعزير الْمَحْضِ لحفظ المجتمع الإنساني من خطر الزنا تلك الجريمة والرذيلة القبيحة والتحلل السافر من قيود الأخلاق والتي بها تختلط الأنساب ويختلط الخبيث بالطيب، بل إن الإسلام أتى بالتدابير الإصلاحية والوقائية على نطاق واسع، وجعل التَّعْزِيرَ آخِرَ حَلٍّ لتطهير المجتمع من الذين يَعِيثُونَ في الأرض فسادًا ومن أجل أنْ يَحُولَ دون ارتكاب هذه الجريمة حيلولة تامة ولا يدع الأمر يُفْضِي إلى إقامة الحدود على الناس، ولأجل ذلك فإن الإسلام يعتني بإصلاح نفس الإنسان قبل كل شيء، ويعمر قلبه بخشية الله تعالى عالم الغيب والشهادة العزيز الجبار، ويشعره بمسؤوليته يوم القيامة التي لا يستطيع أنْ يَنْجُوَ منها بأي حيلة، ويُنَشِّئُ فيه الميلَ إلى طاعة الله ورسوله التي هي أول مقتضيات الإيمان، ثم ينبهه ولا يزال ينبهه مرة بعد أخرى على أن الزنا والفاحشة من كبائر الذنوب الموجبة للعذاب الأليم في الآخرة، نجد ذلك في مواضع عديدة من القرآن الكريم والحديث الشريف. ثم إن الإسلام بعد ذلك يوفر للإنسان السُّبُلَ الممكنةَ للنكاح ويزيل عن وجهه العقبات، يبيح له الزواج المشروع بمثنى وثلاث ورباع، أي: له الجمع في عصمته بين أربع من النساء إذا كان لا يكتفي بامرأة واحدة ولديه الطاقة والمقدرة على ذلك، ويُهَيِّئُ للزوج سهولةَ طلاقِ زوجته، وللزوجة سهولةَ مُخَالَعَةِ زوجِها إذا لم يحصل بينهما توافق ورغبت مفارقته، ويفتح الله أمامهما باب مراجعة الحكمين ـ أي: حكم من أهله وحكم من أهلها ـ ومراجعة القاضي ليحصل بينهما التوافق أو يفترقا ويتزوجا حيث شَاءَا، قال تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ الزَّانِي لا يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [النور: 2، 3] ، وقال رسول الله: (( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة ) )رواه البخاري ومسلم.
فهذه عقوبة من يفعل تلك الفاحشة الكبرى والسيئة العظمى، جريمة الزنا التي يترتب عليها اختلاط الأنساب وتوريث الأجانب وانتهاك الأعراض وفقر الأغنياء وانتشار الأمراض، وما ظهر الربا والزنا في قوم إلا وظهر فيهم الفقر والمرض وجَوْرُ السلطان. وفي الحديث عن النبي: (( أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء، ولن يدخلها الله في شيء، ولن يدخلها الله الجنة، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين ) )رواه أبو داود والنسائي وابن حبان رحمهم الله. وقال أيضًا عليه الصلاة والسلام: (( ما من ذنب بعد الشرك أعظم من نطفة وضعها رجل في رحم لا يحل له ) )رواه أحمد والطبراني رحمهما الله تعالى.
والزنا كله خبيث، لا يفعله إلا خبيث، وأعظمه جرمًا وأشده إثمًا وأكثره عذابًا يوم القيامة أن يزني الرجل بحليلة جاره أو امرأة مغيبة ـ أي: زوجها غائب عنها ومسافر ـ؛ لما فيه من اعتداء على حق الجار والخيانة له، والغائب الذي أَمِنَهُ وأَمَّنَهُ على أهله وَوَثِقَ به في ماله وبيته وزوجته وبنته، وقد يحصل القرب بين المتجاورين ويقع الاتصال والاختلاط فما يَلْبَثُ الشيطانُ حتى يُوقِعَ الشخصَ ويَزُجَّ به وبدينه وكرامته في الشر والفساد ويعبث بكرامة غيره وبِأَحَقِّ الناس عليه وأَلْصَقِهِمْ به، فَيَثِبَ على امرأته ويسلبها العفاف والشرف، ويُفْضِي بها وبدارها إلى الخراب وسوء المستقبل بالطلاق والفراق وكراهية الناس لها وتمزيق عرض زوجها وغيرته التي تقتله حينًا وتحمله على الانتقام حينًا آخر، قال رسول الله لأصحابه: (( ما تقولون في الزنا؟ ) )قالوا: حرام حرمه الله ورسوله، فهو حرام إلى يوم القيامة، فقال رسول الله: (( لأَنْ يَزْنِيَ الرجلُ بعشرِ نِسْوَةٍ أيسر من أن يزني بامرأة جاره ) )رواه أحمد والطبراني، وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سألت رسول الله: أيُّ الذنب أعظم عند الله؟ قال: (( أن تجعل لله ندًا وهو خلقك ) )، قلت إن ذلك لعظيم، ثم أيّ؟ قال: (( أن تقتل ولدك مخافة أنْ يَطْعَمَ معك ) )، قلت: ثم أيّ؟ قال: (( أنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ ) )رواه البخاري ومسلم. وليس معنى هذا أن الزنا مباح ولكن لِيُعْلَمَ عِظَمُ حَقِّ الجار ويَأْمَنَ كلٌّ على عرضه وماله وجميع حقوقه، فإذا كان الزنا حرامًا فإنه أشد حرمة وأعظم عندما يُرتكب مع حليلة الجار، وعذابه أشد وأنكى.
والله تعالى لا يُحَرِّمُ شيئًا على العباد ولا يمنعهم من ارتكابه إلا لما فيه من الضرر وما يترتب عليه من البلاء، ومما هو معلوم من الدين بالضرورة أن الزنا حرام، لذلك فكل طريق مؤدية إلى الزنا فهي حرام، أي: أن كل أسباب ودواعي الزنا محرمة.
فمنها: خلوة الرجل بالمرأة التي ليست من محارمه؛ لأن ذلك مَدْعَاة إلى إِغْرَاءِ الشيطان لهما بالفاحشة مهما بلغا من التقوى والإيمان، فما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما، قال رسول الله: (( لا يَخْلُوَنَّ رجل بامرأة إلا مع ذي محرم ) )رواه البخاري ومسلم، وقال أيضًا عليه الصلاة والسلام: (( لا يخلون رجل بامرأة فإن ثالثهما الشيطان ) )رواه أحمد. فكما أنه لا يجوز للمرأة أنْ تَخْلُوَ بالرجل الأجنبي عنها وتختلطَ به وتحتكَّ به وتشاركَه الأعمال مشاركةَ اختلاطٍ واخْتِلاَءٍ، فلا يجوز أيضًا أن يخلو بها خادم أو سائق أجنبي عنها أَيْ: غَيْر محرم لها.
ومن ذلك أيضًا: سفر المرأة من غير محرم، قال رسول الله: (( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم ) )رواه البخاري ومسلم. والعبرة بالمسافة في السفر وما يُسَمَّى سفرًا شرعًا وعرفًا، وليس العبرة بالزمن في السفر. فما يجوز فيه قصر الصلاة الرباعية يُعْتبر سفرًا، وبأي وسيلة كان السفر على الدواب أو السيارات أو القاطرات أو الطائرات أو السفن والبواخر.
ومن الأسباب أيضًا: تبرج النساء وخروجهن بثياب الزينة والطيب لِيُلْفِتْنَ أنظارَ الناس إليهن ليقعوا في شباكهن وحبائلهن وحبائل الشيطان الرجيم.
ومن أسباب الزنا كذلك: خروج النساء سافرات كاشفات الوجوه والأيدي غير متحجبات بالحجاب الشرعي الذي أوجبه الله وفرضه الله على النساء المؤمنات.
ومن أسباب الفتنة العظيمة المنتشرة بين نساء المسلمين: ذلك الحجاب المتبرج، أي: أن صاحبته تعتبر متبرجة، ومنه البراقع الفاتنة التي تُظْهِرُ الْوَجْنَتَيْنِ والعيون الساحرة الخائنة، فالنقاب غَيْر البُرْقُع لأن الخرق في النقاب على قدر عينٍ واحدة لرؤية الطريق من سماكة الحجاب، غير هذه البراقع المعروفة فلنتنبه لهذا.
ومنها: مصافحة المرأة الأجنبية للرجل، والنظر من المرأة إلى الرجل والعكس، واستماع الأغاني أو مزاولتها، وتداول الصور والأفلام الخليعة، أفلام الجنس أو مسرحيات وتمثيليات الحب والعشق والغرام، وكل يوم تظهر وسائل فتنة وشرٍّ تُرَقِّقُ ما قبلها، فها هي القنوات الفضائية والشبكة العنكبوتية تنشر الفضائح مما لا تمارسه بعض الحيوانات مع بعضها علنًا، فكيف بمن ينتسب للجنس البشري؟! إنهم يمارسون أعمالًا ويرتكبون أفعالًا عَلَنِيَّةً يندى لها الجبين ويستنكرها كل غيور ويخشى من عواقبها الأليمة التي لا تختص بأصحابها وإنما يعمُّ عقابها الجميع نتيجة السكوت وعدم الإنكار والتغيير، قال تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال: 25] ، وقال عز وجل: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: 41] .
كل ما تم ذكره من الأسباب المؤدية إلى الزنا محرمٌ بنص القرآن الكريم والسنة الصحيحة، وكل ما أدى إلى الحرام فهو حرام، وقد نهى الله المؤمنين عن الاقتراب من الزنا وأسبابه، ولم يَقُلْ لهم: (ولا تزنوا) ، وإنما أمرهم بالابتعاد عن الأسباب المؤدية إليه حتى لا يقعوا فيه فقال تعالى: وَلاَ تَقْرَبُواْ ?لزّنَى? إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلًا [الإسراء: 32] .
والإنسان إذا زنا تعلق قلبه بالزنا، بَدَّدَ ثروتَه، ومَحَقَ مالَه، وجَنَى على دينه وإيمانه، وأصبح أَسِيرَ شهوته وطَوْعَ إرادة الشيطان الرجيم، يتحكم فيه الْمُومِسَاتُ والْبَغَايَا، وينصرف عن زوجته إلى امرأة بَغِيٍّ خبيثة لا تَرُدُّ عن نفسها كَفَّ لاَمِسٍ ولا تبالي بمن أتاها، قد جمعت من الأمراض المعدية والآفات المهلكة أشدها فتكًا وأسرعها هلاكًا، وهل يُصَابُ بِالسَّيَلان والزُّهْرِيِّ وغيرهما من الأمراض الجنسية الخبيثة إلا الزناة ومَنْ لا يبالي بنطفته أين يضعها وكيف يخرجها؟! وقد يجنون على أناس أبرياء، فينقل الزاني إلى امرأته أو الزانية إلى زوجها مرضًا فينتشر البلاء وقد يقتصر عليهم، وقد يصاب البريء ببعض ذلك ويناله الشر والأذى وهو منه بعيد وله مجانب، كَأَنْ يتزوج امرأة صالحة كانت لدى خبيث فتنقله إلى الطرف الثالث الصالح، وقد يخرج أولاد الزناة مصابين بأمراض أو مُشَوَّهِينَ، أجارنا الله من ذلك وجميع المؤمنين والمؤمنات.
وقد تقتل الزانيةُ ولدَها فتجمع على نفسها مصيبتين، وتحارب الله بكبيرتين من الذنوب: الزنا وقتل النفس التي حرم الله بغير حق، وربما وضعته على الطريق حَيًّا وتركته يموت أو يحيا، وليست بسائلة عنه ولا متحنّنة عليه لأنه نطفة وضعت في غير محلها، وربما بَلَتْ به أحدَ عبادِ الله المستورين ووضعته في سيارته أو أمام بيته مع أنه يوجد الآن أساليب متعددة لمنع الحمل أصلًا، نعوذ بالله من الفتن والفواحش ما ظهر منها
وما بطن.
ولقد كان الرسول يأخذ البيعة من النساء عندما فتح مكة على هذه الأمور، فقالت له هند بنت عتبة حين قال لها: (( ولا تزنين ) )، قالت: أَوَتَزْنِي الحُرَّة؟! قال: (( ولا تقتلن أولادكن ) )، قالت: ربَّيناهم صغارًا ونقتلهم كبارًا! وَأَكْرِمْ بها من حُرَّةٍ أَبِيَّةٍ تستنكر الزنا من الحرائر وتراه من شأن الإماء والولائد اللائي يَعِثْنَ بفروجهن.
قال تعالى: يأَيُّهَا ?لنَّبِىُّ إِذَا جَاءكَ ?لْمُؤْمِنَـ?تُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى? أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِ?للَّهِ شَيْئًا وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلْـ?دَهُنَّ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهُتَـ?نٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَ?سْتَغْفِرْ لَهُنَّ ?للَّهَ إِنَّ ?للَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [الممتحنة: 12] .
الحمد لله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وحذر من الأسباب الموصلة إليها رحمة بعباده وصيانة لهم عما يضرهم في دينهم ودنياهم، أحمده على إحسانه وأشكره على لطفه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا.
أما بعد: ففي صحيح البخاري رحمه الله في حديث منام النبي الذي جاء فيه أنه جاءه جبريل وميكائيل قال: (( فانطلقنا فأتينا على مثل التنور، أعلاه ضيق وأسفله واسع، فيه لَغَطٌ وأصوات، قال: فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة، فإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضَوْضَؤُوا ـ أي: صاحوا من شدة حره ـ فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الزناة والزواني ـ يعني من الرجال والنساء ـ فهذا عذابهم إلى يوم القيامة ) ). وعن عطاء في تفسير قوله تعالى عن جهنم: لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ [الحجر: 44] قال:"أشد تلك الأبواب غَمًّا وحَرًّا وكَرْبًا وأَنْتَنُهَا رِيحًا للزناة الذين ركبوا الزنا". وورد في الأثر:"يا معشر المسلمين، اتقوا الزنا فإن فيه سِتَّ خصال، ثلاثًا في الدنيا، وثلاثًا في الآخرة، فأما التي في الدنيا: فَذَهَابُ بَهَاءِ الوجه، وقِصَرُ العمر، ودوامُ الفقر، وأما التي في الآخرة: فسخط الله تبارك وتعالى، وسوء الحساب، والعذاب بالنار"، وعن النبي أنه قال: (( من مات مُصِرًّا على شرب الخمر سقاه الله تعالى من نهر الغوطة، وهو نهر يجري في النار من فروج المومسات ) )أي: الزانيات يجري من فروجهن صديد وقيح في النار ثم يسقى ذلك لمن مات مصرًّا على شرب الخمر.
ورد في الحديث أن فتى شابّا أتى النبي فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مَهْ مه، فقال عليه الصلاة والسلام: (( ادْنُهْ ) )، فدنا منه قريبًا، فقال: (( اجلس ) )فجلس، فقال: (( أتحبه لأمك؟ ) )قال: لا والله جعلني الله فداك، قال: (( ولا الناس يحبونه لأمهاتهم ) )، قال: (( أفتحبه لأختك؟ ) )قال: لا والله جعلني الله فداك، قال: (( ولا الناس يحبونه لأخواتهم ) )، قال: (( أفتحبه لعمتك؟ ) )قال: لا والله جعلني الله فداك، قال: (( ولا الناس يحبونه لعماتهم ) )، قال: (( أفتحبه لخالتك؟ ) )قال: لا والله جعلني الله فداك، قال: (( ولا الناس يحبونه لخالاتهم ) )، قال: فوضع يده عليه وقال: (( اللهم اغفر ذنبه وطهّر قلبه وحصّن فرجه ) )قال: فلم يكن الفتى بعد ذلك يلتفت إلى شيء من ذلك. رواه الإمام أحمد رحمه الله.
فأقول لمن كان واقعًا في هذه الفاحشة: عليه أن يستغفر الله تعالى ويتوب إليه توبة صادقة، فباب التوبة مفتوح، والله يقبل توبة التائبين ويبدلهم فوق ذلك بدلًا من السيئات حسنات، فعليهم أن يعودوا إلى الله ويتذكروا قول الله تعالى: إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَـ?لِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدّلُ ?للَّهُ سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَـ?تٍ وَكَانَ ?للَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [الفرقان: 70] .
أما المسلمون الذين عصمهم الله من تلك الفاحشة وغيرها فعليهم أن يفيقوا من غفلتهم ويستيقظوا من سباتهم العميق، وخاصة ممن ابتلي بالعمالة الوافدة من الخدم والسائقين والعمال الآخرين الذين يعتبرون ارتكاب تلك الجريمة من أبسط المنكرات ولا غبار عليها في نظرهم ويمارسونها في بيوت المسلمين لأنهم نَشَؤُوا وتَرَبَّوْا عليها في بلادهم، ولا أقول ذلك جزافًا ولا أتفوّه به بهتانًا وزورًا، وإنما هو واجب النصيحة وتغيير المنكر والأمر بالمعروف والخروج من إثم السكوت عن البيان مما اطلعتُ عليه وبلغني بأي طريق ليقف كل مسلم سدًا منيعًا ويغلق كل أبواب الشر والفساد عن أهل بيته ومن يعولهم ويقوم عليهم بالتربية والرعاية ومن هم تحت يده من العمالة الذين أفسدوا بيوت المسلمين بارتكاب ما حرم الله، وعلى كل مسلم غيور أن يطهر بيته من خبثهم ويستعين بالله على الاكتفاء والاستغناء عنهم بأي وسيلة مهما كلفه الثمن، وإذا كان مضطرًا ضرورة لا مناص عنها فليستقدم رجلًا مع زوجته والتأكد من إسلامهما وأنهما زوجان شرعيان لبعضهما. وإن جرائمهم المتعددة غائبة عن كثير من المسلمين الذين يستنكرون التركيز والإشارة والتلميح والتصريح لقليل مما يفعلون، ولكن خوف المصلحين وتخوفهم على مجتمعهم من الانغماس في الرذيلة يجعلهم قائمين بواجب النصيحة لأمتهم خوفًا من الله عز وجل ومن أليم عقابه إن هم سكتوا وكتموا ولم يبينوا. وإن كل مسلم يستطيع الوقوف على ما ذكر بالتلميح بأسلوبه الخاص ليطهر هذا البلد الطيب من شر أهل الفساد ولينجو الجميع من عذاب الله وسخطه، وليقوم كل بمسؤوليته المسؤولية التي ليست موكولة لجهة معينة، بل سوف يسأل عنها الجميع يوم الوقوف بين يدي الله عز وجل.
وليس هذا الفساد الخلقي على إطلاقه على جميع العمالة الوافدة، فهناك ولله الحمد منهم من هو بعيد عن ذلك وغيره، قائم بما أوجب الله عليه، مبتعد عما نهى الله عنه. ولكن الكلام عن الغالبية العظمى التي تمارس تلك الفاحشة مع بعضهم البعض وفي بيوت المسلمين سواء ذلك السائق مع تلك الخادمة الأجنبية عنه أو الخادمة التي تدخل من تريد من عمال نظافة الشوارع وغيرهم إلى بيت كفيلها في غيابهم عنه أو في ساعات نومهم وراحتهم، ولا يظن أحدٌ أن رجلًا أو امرأة يستقدم لوحده دون زوج ويبقى عدة سنوات أنه خالٍ من تلك الغريزة، ومن ظن ذلك أو اعتقده أو تغافل عنه فقد غلط على نفسه ويجب أن يصحح وضعه، وإن الغيرة لتقتل كثيرًا من السائقين الذين يعملون لدى عائلات قد تكون نظيفة إلا من زوجة أو بنت، وسبب تلك الغيرة القاتلة إما أنه يريد أن يكون هو البطل فيها أو الغيرة الإسلامية الحقيقية ولكنه لا يستطيع أن يُغَيِّرَ شيئًا مما يرى ويُمَارَس فعلًا، فهل يتم استغفال أولئك السائقين لغيرتهم الدنيئة أو النظيفة مع تلك الممارسات أم لا؟ الجواب معروف لدى الجميع، وهل أولئك الغافلون ينتبهون لأعراضهم ولا يتركون الحبل على الغارب لنساء ناقصات عقل ودين؟ وهل يغارون على محارمهم ويخرجون معهم إلى المستشفيات والمتنزهات والأسواق إن دعت الضرورة لذلك؟ وهل يراقبون الهواتف التي أصبحت وسيلة للشر والفساد والمواعيد؟ هل تبتعد عنا الغفلة ونجد الصحوة ونبتعد عن الثقة المفرطة التي جنى المجتمع آثارها السيئة؟ هل تتحرك الغيرة لدى الرجال ممن تركوا الحبل على الغارب لنسائهم، وخاصة ممن ترك الأمر للسائق للذهاب بالنساء في كل مكان ولدى الخياطين وحتى الحلاقين بحجة اختيار تلك القصَّة للأولاد بنين وبنات وتقف إحداهن أمام محلّ الحلاقة أو في السيارة لتختار من يعجبها من الحلاقين أو الزبائن؟ فهل نرى التغيير لتلك المنكرات والقضاء عليها من أولئك الرجال أم أنهم سُلِبوا القوامة على النساء أو أعطوها بالوكالة للسائقين؟ هل نجد الغيرة على المحارم حتى لو كان ذهابهن إلى صلاة التراويح وغيرها مع السائقين؟ إن الانتباه واجب، والحذر من ترك الوسائل المفضية لذلك سهلة بين أيديهن حتى ولو كان في رمضان سواء لمن سُمِحَ لهن بالذهاب إلى المساجد أو القابعات في البيوت أو المتسكعات في الأسواق، وهل تتحرك الغيرة لدى الذين تزوجوا زواج المسيار وينتبهون لكيد النساء ومكرهن؟ فهذه إشارة لأمور قد تُمَارَسُ يجب الانتباه لها، واللبيب بالإشارة يفهم.
فاللهَ اللهَ ـ أيها الرجال ـ في الغَيْرَة على محارمكم وأعراضكم واليقظة التامة وإيجاد الحلول المناسبة التي تكفل للجميع البعد عن تلك الجريمة البشعة التي سُهِّلَتْ أسبابُها ووسائلُها كما ذكرت في الخطبتين ليقف كل منا سدًا منيعًا ضدّ وقوعها وممارستها لنخرج جميعًا من المسؤولية وعظم الأمانة والجواب عنها يوم القيامة.
وإن كان انتشار الزنا وظهوره وكثرته من علامات الساعة التي أخبر عنها رسول الله ولكن الإخبار عن ذلك لا يعني السكوت على هذه الجريمة وعدم الغيرة على الأعراض وإنكار المنكر والوقوف ضد وقوعه وأسبابه المؤدية إليه، كلا فإن الأمانة وثقلها عظيم تنوء بها الكواهل ويعجز عن حملها كثير من الناس، ويسدّد الله المؤمنين والمؤمنات ويثبتهم ويتوب عليهم.
قال تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب: 72، 73] ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [الأنفال: 27، 28] ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم: 6] ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ [التغابن: 14] ، وقال تعالى: سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ الزَّانِي لا يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [النور: 1-3] ، وقال تعالى: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا [الإسراء: 32] ، وقال تعالى: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا [الفرقان: 68-71] .