الرقاق والأخلاق والآداب
الكبائر والمعاصي
عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
الرياض
جامع الإمام تركي بن عبد الله
1-الزنا سبب اختلاط الأنساب وضروب الفساد. 2- عذاب الزاني في الآخرة. 3- الأضرار الاجتماعية والنفسية لجريمة الزنا. 4- الوسائل المفضية إلى الزنا حرام. 5- حد الزاني في الدنيا.
أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.
عباد الله، إن من الجرائم التي حرمها الله في كتابه وحرمها رسوله في سنته وأجمع المسلمون على تحريمها جريمةَ الزنا، فجريمة الزنا من أعظم الجرائم، هي من كبائر الذنوب، هي تلي في المفسدة قتلَ النفس بغير حق، وقد دل القرآن ودلت السنة على تحريم تلك الجريمة.
ذلكم ـ يا عباد الله ـ أنها تنافي نظام مصلحة العالم، من حفظ الأنساب، وصيانة الفروج، والبعد عن محارم الله، وهي تدل على قلة الدين، وضعف الورع، وفساد المروءة، وانحراف الفطرة السوية، قال تعالى: وَلاَ تَقْرَبُواْ ?لزّنَى? إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلًا [الإسراء:32] ، فأخبر تعالى عن فحش الزنا في نفسه، وهو ما انتهى قبحه، وأخبر عن سبيله، وهو سبيل بوار وبلاء وفقر وضعف للإيمان وقلة التقوى والخوف من الله.
أيها المسلمون، إن الله حرم هذه الجرائم حفظًا للأمة من الضياع، فإنه ـ والعياذ بالله ـ بانتشار هذه الجريمة تختلط أنساب الناس وتضيع، ولا يألو أحد على أحد، ينتقض البناء، ويصبح الإنسان لا يدري الأب له من الأم، فتضيع الأمة، ويحصل البلاء والفساد، ولهذا حرمها الله في كتابه بآيات بيناتٍ محكمات قال تعالى: ?لزَّانِيَةُ وَ?لزَّانِى فَ?جْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ ?للَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِ?للَّهِ وَ?لْيَوْمِ ?لآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مّنَ ?لْمُؤْمِنِينَ ?لزَّانِى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَ?لزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرّمَ ذ?لِكَ عَلَى ?لْمُؤْمِنِينَ [النور:2-3] ، حُرِّم الزنا، وحُرم نكاح الزانيات على المؤمنين، فإن المؤمن طيب لا يليق به إلا الطيبات من النساء، ?لْخَبِيثَـ?تُ لِلْخَبِيثِينَ وَ?لْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَـ?تِ وَ?لطَّيّبَـ?تُ لِلطَّيّبِينَ وَ?لطَّيّبُونَ لِلْطَّيّبَـ?تِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّءونَ مِمَّا يَقُولُونَ [النور:26] .
أيها المسلمون، وقد أخبر الله عن عذاب الزاني والزانية، وأن عذابهما أليم، فذكر الشرك بالله والقتل والزنا، قال تعالى: وَ?لَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ?للَّهِ إِلَـ?هَا ءاخَرَ ، تلك في صفات عباد الرحمن، وَ?لَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ?للَّهِ إِلَـ?هَا ءاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ?لنَّفْسَ ?لَّتِى حَرَّمَ ?للَّهُ إِلاَّ بِ?لْحَقّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذ?لِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَـ?عَفْ لَهُ ?لْعَذَابُ يَوْمَ ?لْقِيـ?مَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَـ?لِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدّلُ ?للَّهُ سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَـ?تٍ وَكَانَ ?للَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَـ?لِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى ?للَّهِ مَتابًا [الفرقان:68-71] . فأخبر عن عذاب الزاني بقوله: وَمَن يَفْعَلْ ذ?لِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَـ?عَفْ لَهُ ?لْعَذَابُ يَوْمَ ?لْقِيـ?مَةِ ، ما لم يرفع العبد موجب ذلك بالتوبة النصوح والأعمال الصالحة.
ويقول: (( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن ) ) [1] ؛ إذ لو كان الإيمان قويًا لمنعه من ممارسة تلك الفاحشة الشنعاء، وأخبر أن فشو الزنا إنما يكون قربَ الساعة ودليل على فساد الأمة، يقول: (( لا تقوم الساعة حتى يقل العلم ويثبت الجهل ويُشرب الخمر ويظهر الزنا ) ) [2] ، وأخبر أن الزاني إذا زنى انتزع الإيمان منه كما يخلع الرجل قميصه [3] ، كل ذلك دليل على قبح هذه الفاحشة وشناعتها.
أيها المسلم، إن هذه الفاحشة الشنعاء ضررٌ على الإنسان في نفسه، وضررٌ على المزني بها، وضررٌ على المجتمع بأسره. فهذا الزاني تعدى حدود الله، ولم يكتفِ بما أباح الله له، بل تعدى ذلك إلى ما حرم الله عليه، فإن الله جل وعلا أمره بالاقتصار على ما أباح له من النساء، فقد تعدى حدود الله، وجاوزها من الحلال إلى الحرام، فضعف الإيمان من قلبه، وأصبح مفسدًا لغيره، فاسدًا في نفسه.
ثم المزني بها قد ظلمها وأساء إليها وقضى على شرفها وعفتها وكرامتها، إنها المرأة المُعَدَّة لتربية الأجيال، والمهيَّأة لأن تكون راعية على بيتها، وإذ أفسد عرضها ذلك المجرم، وقضى على عفتها وشرفها، فمن يثق بها بعد ذلك؟! إنها تصبح امرأة لا قيمة لها في مجتمعها، ولا يُركن إليها، ولا يُطمأن إليها، بل ذلك الذي زنى بها لو عُرض عليه الزواج بها لكانت نفسه تنفر منها، ولا يريدها؛ لأنه شعر أنها امرأةٌ ليس عندها انضباط في نفسها، قضى وطره منها، ثم هي أبغض النساء إليه. إذًا فقد سعى في القضاء عليها وعلى كرامتها، ولوّث سمعتها، وأساء إليها وإلى أهلها وأسرتها، فقد ارتكب إثمًا وجرمًا كبيرًا.
ثم هو سبَّب إيقاع العداوة والبغضاء، فربما ـ والعياذ بالله ـ انتُقم منه، وأشعل نار الفتنة بينه وبين أهل تلك الفتاة، فصارت جريمةً عظيمة يتعدى ضررها وشرها، وتلك المرأة التي أفسد كرامتها تبقى حسيرةً ملوَّثة السمعة بما أقدمت عليه من تلك الجريمة التي زينها ذلك المفسد الذي أفسد كرامتها وقضى على عرضها.
ثم إن جريمة الزنا ضررها بعد الزاني والمزني بها ضررٌ على المجتمع بأسره، نعم إنه ضرر على المجتمع، وأي ضرر أعظم من إيجاد طبقة من البشر لا يعرفون مَنِ الأبُ ومَن الأمُ، يعيشون بين الناس وهم لا ينتسبون لأحد، ولا يؤمون بيتًا معينًا، وإنما هم كلٌّ على مجتمعهم إن لم يتداركهم الله بتربية وتوجيه سليم، وإلا أصبحوا عالة على المجتمع من حيث التربية، من حيث الإنفاق، من حيث الرعاية.
والواقع أن هذه النُّطَف لا يسلم المجتمع من شرها، فإنها تحقد على المجتمع المترابط، وتنظر إليه نظرةَ الحاقد على هذا المجتمع، ينظر فيرى هذا يعرف أباه، ويعرف أمه، ويعرف أعمامه وأخواله، وهذا المسكين لا يعرف شيئًا من ذلك، فيمتلئ قلبه غلًا على هذا المجتمع، فيسعى في الفساد والإفساد إن لم يتداركه الله بمن يوجهه ويربيه.
إذًا هذا الزاني قد ألقى نطفة وكوّن إنسانًا لا يعرف له أبًا ولا أمًا، ولا من يرعاه، ولا من يقوم بكفايته، ولا من يتولى شأنه، وينشأ على هذه النشأة في حقد على المجتمع، وسخطٍ على المجتمع، لما أوقعت تلك الجريمة ذلك الإنسان فيما أوقعته فيه.
أيها المسلمون، إن الله جل وعلا مدح المؤمنين بقوله: وَ?لَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـ?فِظُونَ إِلاَّ عَلَى? أَزْو?جِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـ?نُهُمْ فَإنهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ?بْتَغَى? وَرَاء ذ?لِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ ?لْعَادُونَ [المعارج:29-31] . فالزاني فاته وصف الفلاح، ووقع في اللوم، واتصف بالعدوان؛ لأنه تعدى إلى ما حرم الله عليه، والله جل وعلا جعل هذه الفروج محفوظة إلا بالعقد الشرعي وملك اليمين، حتى لا يجاوز العباد ما حُدَّ لهم.
أيها المسلمون، جاء شاب إلى النبي يستأذنه في الزنا يقول: يا رسول الله ائذن لي في الزنا، جاهلٌ تحريم الزنا أو يعلم التحريم، ولكن يرى أن له ظروفًا ربما تبيح له الزنا، فدعاه النبي وقال: (( يا هذا، أترضى بالزنا لأمك؟! ) )قال: لا، قال: (( والناس لا يرضونه لأمهاتهم، أترضاه لزوجتك؟! ) )قال: لا، قال: (( والناس لا يرضونه لزوجاتهم، أترضاه لابنتك؟! ) )قال: لا، قال: (( والناس لا يرضونه لبناتهم، أترضاه لعمتك؟! ) )قال: لا، قال: (( والناس لا يرضونه لعماتهم، أترضاه لخالتك؟! ) )قال: لا، قال: (( والناس لا يرضونه لخالاتهم ) )، ثم إنه ضرب صدره وقال: (( اللهم أعفه وحصنه وطهر قلبه ) )، قال رضي الله عنه: فما هممت بفاحشة بعد ذلك [4] . إنه أراد أن يقرر له أنك تنصف من نفسك، فإذا كنت لا تريده لبناتك وأخواتك وعماتك وخالاتك وأمهاتك وزوجاتك وتراه شناعة وقبحًا، إذًا فعامل الناس بمثل ما تحب أن يعاملوك به، هكذا المسلم يستقيم على الحق، ويرضى لإخوانه ما يرضى لنفسه.
أيها المسلمون، إن الله جل وعلا لما حرم الزنا حرم كل وسيلة تفضي إليه، وكل وسيلة تقرب إليه، وكل ذريعة تجعل المسلم يقع فيه.
فأولًا: أمرنا بغض البصر رجالًا ونساءً فقال: قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَـ?رِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذ?لِكَ أَزْكَى? لَهُمْ إِنَّ ?للَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ