فهرس الكتاب

الصفحة 3963 من 5777

صفات عباد الرحمن

الإيمان

خصال الإيمان

عبيد بن عساف الطوياوي

حائل

جامع الخلف

1-توحيد الله تعالى هو الغاية من خلق الإنس والجان. 2- صفات عباد الرحمن. 3- تربية الناشئة على الخير في صغرهم.

أما بعد: فيا أيها الإخوة المؤمنون، عليكم بوصية ربكم لكم ولمن كان قبلكم، يقول جل جلاله وتقدست أسماؤه: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ?لَّذِينَ أُوتُواْ ?لْكِتَـ?بَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّـ?كُمْ أَنِ ?تَّقُواْ ?للَّهَ [النساء:131] .

فاتقوا الله ـ يا عباد الله ـ بفعل أوامره والبعد عما نهى عنه، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] .

أيها الإخوة المؤمنون، تعلمون ـ رحمني الله وإياكم ـ بأن الله جل جلاله ما خلقنا إلا لعبادته، وما أوجدنا على هذه الأرض إلا من أجل توحيده وطاعته، أليس هو القائل: وَمَا خَلَقْتُ ?لْجِنَّ وَ?لإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] ؟! بلى أيها الإخوة، وهي حقيقة لا جدال فيها، يعترف بها الجميع، بل لو سألت طفلًا في أوائل سني عمره عن الهدف من خلق الإنس والجن، لقال لك: للعبادة، ولو طلبت منه دليلًا لأورد لك الدليل.

ولكن ـ أيها الإخوة ـ يوجد من يغفل عن هذا الهدف، فينساق خلف عبادة هواه أو عبادة الدنيا أو عبادة الشيطان، وهذه عبادات واردة، ذكرها الله في كتابه، وذكرها النبي في سنته.

فيوجد من يعبد هواه، أي: يطيع ما يمليه عليه هواه، ويعمل ما يوافق مزاجه، وقد قال الله في هذا وأمثاله: أَرَءيْتَ مَنِ ?تَّخَذَ إِلَـ?هَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا [الفرقان:43] .

ويوجد من يعبد الشيطان، يقول جل جلاله: لاَ تَعْبُدِ ?لشَّيْطَـ?نَ إِنَّ ?لشَّيْطَـ?نَ كَانَ لِلرَّحْمَـ?نِ عَصِيًّا [مريم:44] ، فقد يتخذ الشيطان إلها يعبد من دون الله.

وكذلك الدنيا، فيوجد من يكون عبدًا للدنيا، تكون الدنيا إلهًا له يعبدها من دون الله، يقول النبي: (( تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم ) )رواه البخاري.

وقد يوجد من يعبد غير ذلك، ولذلك أمر الله بأن لا يعبد إلا إياه، يقول تبارك وتعالى: وَقَضَى? رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّـ?هُ وَبِ?لْو?لِدَيْنِ إِحْسَـ?نًا [الإسراء:23] ، وقال: إِنِ ?لْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذ?لِكَ ?لدّينُ ?لْقَيّمُ وَلَـ?كِنَّ أَكْثَرَ ?لنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [يوسف:40] .

أيها الإخوة المؤمنون، قد ذكر الله لنا صفاتِ عباده، ومن ذلك ما جاء في سورة الفرقان، ينبغي للمسلم أن يعرض نفسَه على هذه الصفات، فإن وجدها فليحمدِ الله ويسأله الثباتَ، وإن لم يجدها فليبادر إلى توبة، يقول جل جلاله: وَإِنّى لَغَفَّارٌ لّمَن تَابَ وَامَنَ وَعَمِلَ صَـ?لِحًَا ثُمَّ ?هْتَدَى? [طه:82] .

فمن صفات عباد الرحمن في سورة الفرقان ما جاء في قول الله تعالى: وَعِبَادُ ?لرَّحْمَـ?نِ ?لَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى? ?لأرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَـ?هِلُونَ قَالُواْ سَلاَمًا [الفرقان:63] ، هذه أولى صفاتهم في هذه الآيات، يمشون هونا أي: بتواضع ووقار، بلا تجبر ولا استكبار، الكبر ليس من صفاتهم، والأَشَر والبَطَر ليس من سماتهم، وإذا خاطبهم الجاهلون وأساء إليهم السفهاء قابلوا ذلك بالعفو والصفح والغفران، ولا يقولون إلا خيرًا.

وأما الصفة الثانية: فعباد الرحمن كما قال تعالى: يِبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَـ?مًا [الفرقان:64] ، يبيتون لربهم لا لشهواتهم المحرمة، ولا لملذاتهم المشبوهة، إنما لربهم سجدًا وقيامًا، أي: في طاعة وعبادة، يقضون ليلهم سجدًا على وجوههم، وقيامًا على أقدامهم، ليسوا كمن يقضي ليله يتابع القنوات ويسهر للنظر ومتابعة ما حرم الله في وقت ينزل به الرب جل جلاله إلى السماء الدنيا، ويقول سبحانه: هل من مستغفر فأغفر له، هل من تائب فأتوب عليه، هل من سائل فأعطِِيَه. فعباد الرحمن يتحينون مثل هذه الفرصة، فيمضونها لله لا لشهواتهم، لله سجدًا وقيامًا.

وصفة أخرى هي أنهم مع هذا كله لم يَنْغَرُّوا بأعمالهم، ولم يتّكلوا على عبادتهم وطول قيامهم، إنما يسألون الله النجاة من النار، فيقولون كما قال جل جلاله: رَبَّنَا ?صْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا [الفرقان:65، 66] .

وَ?لَّذِينَ إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [الفرقان:67] ، هذه طريقتهم في الإنفاق، لا إسراف ولا تقتير، وهكذا يريد الله جل جلاله: وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى? عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ?لْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا [الإسراء:29] . عبادُ الرحمن ينفقون، ولكن نفقاتهم باعتدال، فلا يسرفون؛ لأن الله لا يحب المسرفين، ولا يبذرون؛ لأن المبذرين كانوا إخوان الشياطين، ولا هم بخلاء؛ لأن البخل ليس من صفات المؤمنين.

ومن صفاتهم أيضًا أنهم لا يشركون بالله ولا يعتدون على الدم الحرام ولا يزنون، يقول جل جلاله: وَ?لَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ?للَّهِ إِلَـ?هَا ءاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ?لنَّفْسَ ?لَّتِى حَرَّمَ ?للَّهُ إِلاَّ بِ?لْحَقّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذ?لِكَ يَلْقَ أَثَامًا [الفرقان:68] ، فالشرك والقتل والزنا من كبائر الذنوب، ففي الحديث أن النبي سئل: أي الذنب أعظم؟ فقال: (( أن تجعل لله أندادًا وهو خلقك ) )قال السائل: ثم أي؟ قال: (( أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك ) )، قال: ثم أي؟ قال: (( أن تزاني حليلة جارك ) ). فعباد الرحمن أصحاب توحيد، عملهم لله، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، أي: بما يحق أن تقتل به النفوس: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس. ومن صفاتهم أيضًا أنهم لا يزنون، بل يحفظون فروجهم عن الزنا.

يقول جل جلاله: وَمَن يَفْعَلْ ذ?لِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَـ?عَفْ لَهُ ?لْعَذَابُ يَوْمَ ?لْقِيـ?مَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا [الفرقان:68، 69] ، يضاعف أي: يزاد ويكرر نسأل الله العافية، ويخلد فيه أي: العذاب، مهانًا حقيرًا ذليلًا.

أيها الإخوة، هناك أدلة تنصّ على عدم خلود المؤمن في النار ولو فعل من المعاصي ما فعل، أما من مات على الشرك فهو من الخالدين في النار، لا شك في ذلك.

أيها الإخوة المؤمنون، وبعد هذه الآيات قال جل جلاله: إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَـ?لِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدّلُ ?للَّهُ سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَـ?تٍ وَكَانَ ?للَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَـ?لِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى ?للَّهِ مَتابًا [الفرقان:70، 71] . ما أرحم الله بعباده، يشركون ويقتلون ويزنون، ثم يتوبون فيقبل توبتهم، بل يبدّل شركهم إيمانًا ومعصيتهم طاعة، بل يجعل سيئاتهم حسنات، وكان الله غفورًا رحيمًا.

روى الإمام أحمد من حديث أبي ذر أن النبي قال: (( إني لأعرف آخر أهل النار خروجا من النار، وآخر أهل الجنة دخولًا إلى الجنة، يؤتى برجل فيقول: نَحّوا عنه كبارَ ذنوبه، وسلوه عن صغارها، قال: فيقال له: عملت يوم كذا كذا وكذا، وعملت يوم كذا كذا وكذا، فيقول: نعم، لا يستطيع أن ينكر من ذلك شيئا، فيقال: فإن لك بكل سيئة حسنة، فيقول: يا رب، عملت أشياء لا أراها ها هنا ) )، يقول الراوي: فضحك رسول الله حتى بدت نواجذه.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قُلْ ي?عِبَادِىَ ?لَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى? أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ?للَّهِ إِنَّ ?للَّهَ يَغْفِرُ ?لذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ ?لْغَفُورُ ?لرَّحِيمُ [الزمر:53] .

بارك الله لي ولكم بالقرآن، ونفعني وإياكم بما فيه من البيان، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أيها المسلمون، ومن صفات عباد الرحمن ـ جعلني الله وإياكم منهم ـ أنهم لا يشهدون الزور، ولا يحضرون مجالسه، لا يشهدونه ولا يشاهدونه، والزور هو الكذب والباطل، ومنه مجالس السوء ومجالس الكذب، وكذلك من الزور مجالس الغناء، فعباد الرحمن ليس لديهم وقت يقضونه في مثل هذه الرذائل، وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِرامًا [الفرقان:72] ، فهم لا يحضرون مجالس الزور، وإذا اتفق مرورهم بهذه المجالس التي فيها الزور فإنهم يمرون كرامًا.

ومن صفاتهم أنهم إذا ذكروا بآيات ربهم لم يَخِرُّوا عليها صُمًّا وعميانًا، إذا وُعظوا اتَّعظُوا، وإذا ذُكّروا تذكّروا، يسمعون آياتِ الله، فيقابلونها بالقبول، ويؤلونها الاهتمام، تجد الآيةُ عندهم آذانًا صاغية وقلوبًا واعية، فيزداد بها إيمانهم، ويتم بها يقينهم، وتحدِث لهم نشاطًا، ويفرحون بها.

ومن صفاتهم أيضا: وَ?لَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْو?جِنَا وَذُرّيَّـ?تِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَ?جْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان:74] ، يسألون الله الذرية الصالحة التي تَقَرُّ بها أعينهم في الدنيا والآخرة.

وهنا وقفة: تأملوا حال عباد الرحمن وهم يسألون الله صلاح ذرياتِهم، لا شك أن ذلك بعد فعلهم لأسباب الصلاح، أما من سأل الله صلاح ذريته وقد سعى إلى جلب كل ما يعمل على فسادهم فهذا لا شك عبث وحماقة، تجلبُ لهم ما يُنمِّي بذرة الفساد في نفوسهم، وما يهدِم أخلاقَهم، وما يُدرِّسُهم الرّذيلة وتأْمَلُ صلاحَهم،‍ إن حالك كحال الذي قال الشاعر عنه:

ألقاه في اليم مكتوفًا وقال له: إياك إياك أن تبتل بالماء

فإذا كنت تريد صلاح ذريتك، عليك فعل الأسباب، افعل الأسباب ثم اسأل الله تعالى.

ومن صفات عباد الرحمن أنهم يسألون الله أن يجعلهم قدوة لغيرهم بالخير، وهذا معنى قوله تعالى: وَ?جْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا.

هذه صفات عباد الرحمن، فماذا لهم؟ قال جل جلاله: أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ ?لْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَـ?مًا خَـ?لِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبّى لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا [الفرقان:75-77] .

أسأل الله لي ولكم علمًا نافعًا وعملًا خالصًا وسلامة دائمة.

اللهم إنا نسألك نصر الإسلام وعزَّ المسلمين، اللهم انصر الإسلام وأعزَّ المسلمين...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت