الأسرة والمجتمع
الأبناء
عثمان بن جمعة ضميرية
الطائف
غير محدد
1-فطرية حب الأبناء والذرية. 2- الأبناء عمل صالح يمتن في صحائف الآباء. 3- واجب
الآباء تربية الأبناء. 4- الأمور التي ينبغي أن يغرسها الأب في صدور أبنائه. 5- القدوة في
وبعد:
أيها المؤمنون: لقد قضت إرادة الله سبحانه وحكمته أن يجعل لهذه الأمة منسكا فريدا مجيدا وطريقا واضحا تسير على هداه المستقيم، ولكل أمة جعلنا منسكًا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم.
وبفضل هذا المنهج كانت أمتنا خير أمة أخرجت للناس تربط بين أفرادها أوثق الأواصر والروابط ، ولن يجد الإنسان في علاقات الناس رابطة أقوى وأرسخ من رابطة الأبوة والبنوة ، ومع بداهة التسليم بقوة هذه الرابطة ورسوخها وانفرادها بالسمو والحنان بين جميع العلاقات والارتباطات والمشاعر الإنسانية ، فهي محتاجة دائما إلى التذكير بحقوقها والتحذير من عقوقها.
ونجد في القرآن الكريم صورا حية مشرقة عن لهفة الأبوة على البنوة ، حبا لنيلها وحرصا على خيرها واهتماما بصلاح أمرها ورجاء لسعادتها وفوزها، ولا عجب في ذلك: المال والبنون زينة الحياة الدنيا. وحب الذرية والأبناء فطرة بشرية عميقة تقر بها العين: والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إمامًا.
والأولاد امتداد لأعمار آبائهم القصيرة وتجديد لوجودهم الفاني وخلف لسلف راحل يذكرونه ويدعون له ، فإذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: (( صدقة جارية أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له ) ).
ولذلك اهتم الإسلام اهتماما عظيما بالأولاد من البنين والبنات وجعل ذلك مسؤولية من أعظم المسؤوليات على الآباء والأمهات ينبغي أن تؤدى بجزم وعزم وأمانة ومضاء على الوجه الذي يتطلبه الإسلام.
ولو تتبعنا آيات القرآن الكريم لوجدناها تهيب بالآباء للقيام بمسؤولياتهم وتحذرهم من التقصير بالواجب، وتؤكد أن هذا التقصير يؤدي بصاحبه إلى الهلاك، وبالمجتمع إلى الدمار: يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقًا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى. يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم.
أيها المؤمنون: إن تبعة المؤمن ومسوؤليته في نفسه وفي أهله مسؤولية ثقيلة رهيبة، فالنار هناك وهو متعرض لها وأهله ، عليه أن يحول نفسه وأهله دون هذه النار التي تنتظر هناك وقودا من الناس والحجارة ، ولن يقبل عندها عذر عن التقصير ولا ينفع عندئذ الاعتذار، لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون.
وفي التوجيهات النبوية كثير من الروائع الممتعة التي تضع الأب والأم أمام مسؤولياتهما تجاه الأولاد بتربيتهم والعناية بهم:
قال عليه الصلاة السلام: (( كلكم راع.. الرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته ، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها.. الخادم.. ) )، (( لأن يؤدب الرجل ولده خير من أن يتصدق بصاع ) ) (( ما نحل والد ولدًا أفضل من أدبٍ حسن ) )وقال عليه السلام: (( إن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ أم ضيع ) ).
وإذا كان المربون من آباء وأمهات ومعلمين مسؤولين عن تربية الأولاد وعن تكوينهم وإعدادهم للحياة ، فعليهم أن يعلموا بجلاء ووضوح حدود مسؤوليتهم ومراحلها المتكاملة وجوانبها المتعددة ليستطيعوا النهوض بمسؤوليتهم على أكمل وجه وأنبل معنى.
وأول ما ينبغي على الوالد أن يلقن أبناءه أصول دينهم وتعاليمه من أركان الإيمان والإسلام ومبادئ الشريعة وأن يربيهم على حب نبيهم وحب آله وأصحابه من الرعيل الأول رضوان الله عليهم وأن يربي فيهم روح المراقبة لله تعالى في كل تصرفاتهم وأحوالهم.
ولذلك أمرنا النبي أن نأمر أولادنا بالصلاة وهم أبناء سبع وكان الصحابة يعلمون أولادهم مغازي رسول الله وسيرته كما يعلمونهم السورة من القرآن.
وعن هذه التربية الإيمانية الصحيحة تنبثق التربية الأخلاقية التي تغرس في الولد الفضائل السلوكية والوجدانية ، فلا عجب أن يولي الإسلام هذا الجانب عنايته الكبرى ، فمن حق الولد على الوالد أن يحسن أدبه ويحسن اسمه وأن يعلمه الخير والأدب ، فهو مسؤول عن تعليم أولاده منذ الصغر بتنشئهم على الصدق والأمانة والاستقامة والإيثار وإغاثة الملهوف واحترام الكبير وإكرام الضيف والإحسان إلى الجار والمحبة للآخرين ، ومسؤول عن تنزيه ألسنتهم من السباب والشتائم والكلمات النابية القبيحة وعن كل ما ينبئ عن فساد الخلق، ومسؤول عن ترفعهم عن دنايا الأمور وسفاسف العادات وقبائح الأخلاق والإضرار بالآخرين وإيذائهم وعن كل ما يحط بالمروءة والشرف والعفة.
وبعد ذلك أيها المؤمنون يقوم الآباء بتربية عقول أبنائهم وأجسامهم ونفوسهم أما أن يفعل هذا (تربية الاجسام) فقط ثم يترك لولده الحبل على الغارب يفعل ما يشاء ويهيم على وجهه كالعجماوات والبهائم، يرتع ويلعب ويلهو ويسرف ويخالط رفاق السوء فيكون أشد انحرافا منهم، فإنه العقوق من الأب للابن، وإنه لضياع للمسؤولية كبير وإنه إلقاء باليد إلى التهلكة ويحصد الأب بعدها ويجني المرارة وسوء الأخلاق والعقوق ويندب حظه العاثر مع أولئك الأولاد الأشقياء، وقد كان هو سببا لشقاوتهم وشقائهم.
فاقدروا أيها الآباء مسؤوليتكم، واعلموا أنكم أنتم القدوة الأولى لأبنائكم، فهم صورة عنكم يصلحون بصلاحكم، ويتخلقون بأخلاقكم، فحذار أن تقودوا أولادكم إلى ما لا تحمدون، إذ كيف يتعلم الولد الحب والحنان في بيت يسوده النزاع والشقاء؟
وكيف يحسن إلى الضعفاء والمساكين من يجد أباه يظلم الآخرين ويمنع حقوقهم؟ كيف يتعلم الأخلاق طفل يرى أمه أو أباه ينغمسان في الرذيلة؟
كيف يحترم الآخرين ويوقرهم من يجد أباه لا يحترم كبيرا ولا يرحم صغيرا؟ كيف يتعلم الصدق من يجد أباه يكذب على أمه أو يكذب عليه ولا بفي له بما يعده؟
إنها القدوة التي يتأثر بها الولد في بيته قبل أن تؤثر فيه الكلمة أو الموعظة ، فكونوا جميعا قدوة لأبنائكم ، وليكن رسول الله قدوة لكم.
والله عز وجل يقول: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الأخر.0
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم..
لم ترد.