العلم والدعوة والجهاد
القرآن والتفسير
عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري
المدينة المنورة
قباء
فساد أحاديث المترفين - معنى حياة الترف - العلاقة بين المكر والغيبة - جمال يوسف -الجمال بين الخالق والمخلوق - أهل الجنة ورؤية الله
أما بعد فقال الله تعالى: وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكئا وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاشَ لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم [يوسف:30-31] .
تصور لنا هاتان الآيتان الجو السائد في تلك البيئة المترفة المتفلتة كما هي العادة غالبا في حياة القصور المنفلتة من ضوابط الشرع وقواعد الأخلاق. فتكون حينئذ أحاديث الفاحشة وقصص الفجور والفساد والإفساد هي الشغل الشاغل لأهلها يتناقلونها فيما بينهم بالرغم مما في ذلك من إشاعة الفاحشة وتشجيع على الخنا والفجور.
فهنا هاتان الآيتان تصور لنا كيف أن نسوة في تلك المدينة أخذن يثرثرن بقصة تلك المرأة الخائنة وما حدث منها من مراودة فتاها وخادمها, ويتظاهرن بلومها على ذلك مع أنهن أشد فسادا منها, فكل واحدة منهن لا تقل عنها فسادا. إنهن نسوة قلة مترفات أفسدتهن حياة القصور, نسوة في المدينة, فقوله في المدينة إشارة إلى البيئة والطبقة التي ينتمي إليها أولئك النسوة, وقوله نسوة وهذا جمع قلة, إشارة بليغة إلى قلة عددهن, إنهن نساء قلائل من علية القوم, قلة تتحكم في المجتمع وتتولى إفساد المجتمع, وليس كل علية في المجتمع فاسدون مفسدون, ولكن إذا غرق العلية من المجتمع في حياة الترف, فإنهم يتحولون إلى عنصر فساد وإفساد, فيسمون حينئذ بلغة القرآن مترفين, قال تعالى: إذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا [الإسراء:16] . حياة الترف معناها حياة البذخ والإسراف والكبر والخيلاء والفخر والمباهاة حياة التفلت الخلقي فليس كل غني بالضرورة مترفا ولا كل كبير بالضرورة مترفا فكم من الأغنياء والكبراء من صالحين ومصلحين, لكن هذا هو الغالب على حياة الترف حياة الإسراف والبذخ والكبر والخيلاء والمباهاة والانفلات الأخلاقي, وهنا أولئك النسوة من الفاسدات المترفات كن فاسدات فأخذن يلكن بألسنتهن قصة امرأة العزيز أعملن ألسنتهن بالغيبة وبحديث الفاحشة, ولذلك وانظر إلى الدقة في تعبير القرآن سمى ثرثرتهن تلك مكرا فلما سمعت بمكرهن [يوسف:31] . لأن في كل من المكر والاغتياب إفسادًا خفيًا فالمكر إفساد خفي والاغتياب إفساد خفي كما أن في تناقل أحاديث الفاحشة وقصص الخنا والفجور إفسادا خفيا ولذلك نهى الشارع الحكيم عن ذلك , بل نهى الرجل والمرأة عن نقل ما يقع بينهما من مباح ونكاح نهى الزوجين عن ذلك فما بالك ما يقع من قصص الخنا والفجور.
لا يجوز تناقلها وإشاعتها فإن في ذلك إشاعة للفاحشة وتشجيعا وتحريضا وإن كان غير مباشر على الخنا والفجور والفساد والإفساد, ربما في بعض الأحيان يكون من المصلحة والنصح التحذير من بعض الظواهر الفاسدة ولكن ليس على سبيل القصص ولا على سبيل التفاصيل فإن كثيرًا من الناس اليوم يقعون في ذلك يتناقلون قصصا بتفاصيلها لا مصلحة من تفاصيلها ووصفها إلا تحريض السامعين على الفساد والإفساد.
فلما سمعت بمكرهن بادلتهن مكرا بمكر وكيدا بكيد, فأعدت لهن حفلا مترفا حفلا مخمليًا كما يقولون في الصحف.
أسرت في نفسها شيئا تلك المرأة الفاسدة الآثمة وقبل أن ندخل في تفاصيل تلك الحفلة فلنستجلي شيئا من إعجاز القرآن العظيم إعجازه البلاغي ولنسمع أنموذجا من بلاغته الرائعة وأسلوبه القصصي البديع انظروا كيف انطوت تلك الآية مع وجازتها وقلة عباراتها على معاني غزيرة لو أراد أي قاص أن ينثرها لاحتاج إلى صفحات ومع ذلك طوتها الآية وتضمنتها في سطرين وقال نسوة في المدينة [يوسف:31] . أشرت إلى ما في هذه العبارة من دلالات كثيرة تشير إلى البيئة وإلى الطبقة التي تنتمي إليها تلك النسوة وإلى الظرف الذي أخذن يثرثرن فيه وفيها إيحاء بالمكان وإيحاء بالعادات الغالبة وفيها تنبيه إلى مساوئ حياة مثل هؤلاء المترفين.
ماذا قال أولئك النسوة وهن يثرثرن بأحاديثهن الفاسدة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه, امرأة العزيز هذا إشارة منهن إلى علو مكانة تلك المرأة في نظرهن إلى علو مكانتها في المجتمع فهي امرأة العزيز امرأة الرجل الذي هو أعلى مسؤول في بلده حينذاك فالمفترض أن تأنف بنفسها مع كل ما يتعارض مع مكانتها أو يدنس منصبها ومع ذلك فهي تراود فتاها عن نفسه، فتاها أي خادمها وعبدها، ولكن القرآن أعرض عن وصفه بالعبودية لم يقل عبدها وخادمها بل قال فتاها وهذا من أدب القرآن دائما يذكر الخادم والعبد بلفظ الفتى وإذ قال موسى لفتاه [الكهف:60] . ودخل معه السجن فتيان [يوسف:36] . أي خادمان وعبدان وهذا من أدب القرآن.
وقد جاءت السنة المطهرة بتفصيله فقال صلى الله عليه وسلم: (( لا يقل أحدكم عبدي أو أمتي بل يقل فتاي وفتاتي ) ) [1] ومثله في هذه الأيام خادمي , خادمتي لا ينبغي للإنسان أن يعبر بمثل هذه الألفاظ لما فيه من إشعار لهذا الإنسان أو تلك الإنسانة بالمهانة والعبودية.
هذا من أدب الشرع من أدب القرآن تراود فتاها [يوسف:30] . أي عبدها وخادمها وكلمة تراود فيها ما فيها من إيحاءات أنها تصور لنا تكرار المحاولة من امرأة العزيز تصور لنا إلحاحها على يوسف , بذل كل وسيلة متاحة لها لأهوائه وإغوائه.
فلماذا امرأة العزيز مع علو مكانها ومكانتها تنزل بنفسها وتهبط بمكانتها إلى هذا الدرك تكون هي الطالبة المرتمية عند أقدام ذلك الفتى النقي الطاهر الذي استعصم بنفسه واستعلى بإيمانه وطهارته ونقائه عن تلك الفتنة القذرة ورفض محاولاتها بكل إباء واحتقار.
يجيب النسوة لأنه قد شغفها حبا أي اخترق حبه شغاف قلبها، وشغاف القلب حجابه وغلافه، فحبه نفذ في أعماق قلبها تمكن من قلبها فذهب عقلها وذهب صوابها فوقعت في الإثم وفي هذا تنبيه خفي من الرب جل جلاله إلي العواقب الوخيمة التي تترتب على التساهل في المخالطة وفي المعاشرة مع الأجنبي والأجنبيات.
هذا أنموذج للأسلوب القرآني الرائع البديع المعجز فسبحانه الذي قال: نحن نقص عليك أحسن القصص [يوسف:31] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[1] البخاري: كتاب العتق (2414) .
الحمد لله رب العلمين والعاقبة للمتقين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاشَ لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم
[يوسف:31] . ورد عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أنه شاهد يوسف ليلة المعراج فوصفه أنه أوتي شطر الحسن [1] وفي رواية أوتي يوسف وأمه شطر الحسن, وفي رواية أوتي يوسف وأمه سارة التي هي جدته امرأة إبراهيم جدته سارة نصف الحسن, ولكن هذا الجمال الذي أوتي يوسف عليه السلام يصح أن يوصف بأنه جمال ملائكي لأنه جمال مقرون بالكمال بالنقاء والطهر والإيمان, إنه جمال الظاهر والباطن فنفس يوسف كانت أجمل من ظاهره، نفس يوسف كانت أنقى وأجمل من ظاهره ولذلك أولئك النسوة لما رأينه اقترن في قلوبهن جمال ظاهره بما سمعنه من تعففه ونقائه وطهارته فوصفوه بأنه ملك كريم, ليس من عادات البشر في زعمهن أن يكون أوتي كل هذا الجمال وكل هذا الحسن ويواجه كل هذا الإغراء وكل تلك الفتنة ومع ذلك يستعلي بنفسه ويستعصم عن الفتنة وعن السوء والفحشاء يستعلي بنفسه وبإيمانه, هذا في الغالب ليس من طبع البشر ولذلك وصفنه بأنه ملك كريم, هذا جمال ملائكي جمال الظاهر والباطن.
أولئك النسوة لما رأين ذلك الجمال جمال يوسف غلبتهن المهابة والدهشة فغبن عن وعيهن وقطعن أيديهن, كل واحدة في يدها سكين تقطع به الفاكهة فمن الدهشة والمهابة أعملن أيديهن بالسكين فجرحنها ذهلن وغبن عن وعيهن لما شاهدن جمال المخلوق, فماذا يحدث للإنسان لو شاهد جمال الخالق سبحانه وتعالى ذي الجلال وذي الكمال الذي له الجمال كله والجلال كله والكمال كله؟
لما شاهد بعض الناس جمال المخلوق ذاك حدث لهم ما حدث. فماذا يكون شأن الإنسان لو شاهد جمال الخالق سبحانه وتعالى؟ مادام الإنسان مكبلا بقيود هذه الحياة الدنيا فإنه غير قادر على مشاهدة الجمال الإلهي ولكنه قد يستشعر ذلك الجمال بقلبه إن كان من أهل الإيمان والإحسان لكنه لا يستطيع مشاهدته مادام مكبلا بأغلال هذه الحياة الدنيوية, أما أهل الجنة في الجنة فيكمل لهم النعيم بالنظر إلى ووجهه الكريم فيكون ذلك نعيما لهم لا أكمل ولا أعظم منه ولذة لهم لا أكمل ولا أعظم منها, يرون ربهم عز وجل كما رأى الصحابة القمر لا يضامون في رؤيته: (( أشار النبي مرة إلى البدر وقال لأصحابه: هل ترون هذا البدر. قالوا: نعم. قال: سترون ربكم يوم القيامة كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته ) ) [2] .
فمن كمال النعيم لأهل الجنة أنهم يتلذذون بزيادة النعيم بلذة النظر إلى وجهه الكريم سبحانه وتعالى وهذا من الثواب الذي أعده الله للمحسنين, كما قال سبحانه: للذين أحسنوا الحسنى وزيادة [يونس:26] . فالحسنى هي الجنة والزيادة هي النظر إلى وجهه الكريم.
روى الإمام أحمد في مسنده والإمام مسلم في صحيحه عن صهيب رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ، ثم قال: (( إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. نادى منادِ: أن يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجز كموه. فيقولون: وما هو ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار. فيكشف الحجاب فيرون ربهم وينظرون إليه يكمل لهم النعيم بذلك فلا أعظم لهم من ذلك النعيم ولا أقر لأعينهم ) ) [3] , أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
اللهم إنا نسألك نعيم الجنة ولذة النظر إلى وجهك الكريم. اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل.
أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدى هديه صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار واعلموا أن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة وبمنهج الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.
يا ابن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تدان ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال عز من قائل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما [الأحزاب:56] . وقال صلى الله عليه وسلم: (( من صلى علي واحدة صلى الله بها عليه عشرا ) ) [4] ، اللهم صل وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبى بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبي السبطين علي وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.
[1] مسلم (162) .
[2] البخاري كتاب التوحيد (6997) .
[3] مسلم كتاب الإيمان (297) .
[4] صحيح مسلم (408) .