الأسرة والمجتمع, العلم والدعوة والجهاد
القرآن والتفسير, المرأة
عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري
المدينة المنورة
قباء
خطورة الاختلاط - التحذير من الخدم - صور من المخالفات الشرعية مع الخدم والسائقين تنبيهات للمستقدمين
أما بعد:
فقال الله تعالى: فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين [يوسف:28-29] .
في الجمعة الماضية ذكرنا ثلاثة دروس وثلاث مسائل مستفادة من هاتين الآيتين والآيات قبلهما والمسألة الرابعة تنبهنا هذه الآيات إلى خطورة الاختلاط وخاصة مع الخدم يوسف هنا كان مثالا رائعا للنقاء والطهر والأمانة ولم يكن في الحقيقة عبدا مملوكا بل هو سيد كريم ابن سادات كرام لكن كان من البلاء الذي ابتلي به وصبر عليه أنه اتخذ قهرا عبدا مملوكا فاضطر أن يخدم العزيز في قصره واضطر كارها إلى مخالطة أهله فإذا كان غير يوسف مكانه ماذا كان الحال لقد أثبت العزيز في موقفه لا مبالاته وعدم غيرته على أهله إذ كيف رضي أن يضع شابا جميلا عند أهله ليخدمهم منذ البداية كيف رضي بذلك بل حتى بعد أن ثبتت إدانة امرأته وعلم أنها راودت يوسف عن نفسه لم يحاول إبعاد يوسف عنها البلاء منها وليس منه ولكن على الأقل لكي لا تتكرر تلك المحاولة الآثمة من امرأته الآثمة الخائنة وهذه الدياثة هي من أسوأ ما يمكن أن تنتجه حياة المدنية المترفة اللاهية المتفلتة المتحللة من ضوابط الأخلاق وآداب الشرع إن الشرع يأمر الرجل أن يحمي عرضه وأن يغار على أهله وحريمه وأن يحتاط من أجل الحفاظ على عرضه وأخلاقه وأن يبتعد عن الشبهات (( فمن ابتعد عن الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ) ) [1] ، كما قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك منع الشرع الاختلاط وأمر بغض البصر وأمر المرأة بالاحتشام وأمرها بالحجاب أمام الأجنبي حتى لو كان خادما إن مسألة الخدم هي من مظاهر الرفاهية في حياتنا اليوم نعم بحمد الله تعالى جرت الخيرات في أيدي كثير من الناس وكثير من البيوت صار فيها خدم وخادمات ولكن لا تنسى أيها المسلم أن هذه الخادمة أجنبية عنك لا تنسى أيتها المسلمة أن هذا الخادم أو السائق أجنبي عنك فلا تنسوا ذلك لا تنسوا آداب الشرع ولكن من مشكلات هذه الظاهرة من مشكلات مسألة الخدم أنك ترى بعض الناس يأتي بخادمة فتاة جميلة محل فتنة وإغراء فيضعها في بيته أمامه وربما أمام أولاده فتيانا مراهقين أو شبانا يأتي بالفتنة عينها فيضعها أمامه وأمام أولاده ثم يقول لنفسه هو وأولاده لا تحترقوا وترى بعض الناس وترى بعض الناس يتخذ خادما أو سائقا شابا لا تدل هيئته على أنه من أهل الديانة والأمانة والعفاف فماذا يتوقع من يفعلون ذلك هل يتوقعون إلا الخراب والدمار والفساد العريض في بيوتهم انظروا موقف العزيز الذي تصوره لنا تلك الآيات إن فيه تحذيرا مبطنا من ربنا عز وجل تحذيرا لكل عاقل فيه غيره وفيه نخوه وفيه دين وإيمان من أن يؤول به الحال إلى مثل هذه الحال إذا كنا قد بلينا بهذه المسألة واضطررنا إليها في حياتنا المرفهة في هذا العصر فعلى كل منا أن يحتاط لدينه ولعرضه ولأخلاقه ولدين أهله وأولاده وعرضهم قارن بين موقف العزيز الذي بعد أن ثبتت إدانة زوجه وفسادها يقول ليوسف أعرض عن هذا لفلف القضية واسترها لا تتحدث بها وأنت أيتها الزوجة الخائنة استغفري لذنبك قارن بين هذا الموقف وبين موقف آخر يمثل النقاء والعفاف والطهر والحرص على صيانة الأخلاق والأعراض إنه موقف ذلك الشيخ الجليل صاحب موسى عليه السلام لما عاون موسى تلك المرأتين اللتين وجدهما عند بئر أو ماء يسقيان وسط الرجال فعاونهما وسقى لهما ثم تولى إلى الظل وجلس يشكو إلى ربه حاجته وفقره ويسأله أن ينزل عليه من فضله أن ينزل عليه من خيره وسرعان ما جاءته الإجابة جاءته إحدى المرأتين تمشي على استحياء إنها من بيئة شعارها الحياء والحشمة والنقاء والطهر ليست مثل تلك البيئة التي صورتها الآيات بيئة العزيز وامرأته قالت له: إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا [القصص:25] . وذهب موسى عليه السلام إلى أبيهما الشيخ الجليل وقص عليه القصص فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين [القصص:25] . إذن عرف ذلك الشيخ الجليل حقيقة موسى وأخباره كلها عرف نبله وقدره وأمانته وعرف مكانته وقوته فأحبه ورغب أن يعمل عنده أجيرا لكنه حينئذ سيخالطهم سيعيش معهم وذلك الشيخ عنده بنات ونساء ولم يفت ذلك الشيخ أن إحدى ابنتيه انتبهت إلى شهامة ذلك الشاب الجليل الشأن موسى عليه السلام وانتبهت إلى أمانته وقوته فزوجه إياها هكذا بيسر وسهولة وبدون تكلف ولا تعقيد كتعقيد أهل المدنية المترفة زوجه إياها وجعل مهرها أن يعمل عنده أجيرا ثماني حجج ثماني سنين وإن أتمها عشرا فذلك تطوع منه وبذلك صان الشيخ عرضه وأحصن ابنته وكسب ذلك الشاب الجليل الشأن وساعده على الإحصان هذا مثال للنقاء والطهر وللحرص حرص أهل النقاء والطهر والعفاف والتقى على صيانة الأعراض والأخلاق هذا هو المراد وليس المراد أن تزويج الأجير دائما هو الحل فمن يجد مثل موسى عليه السلام وإنما المراد أن هذا مثال لما يجب على العاقل وعلى المؤمن على وجه الخصوص من الحرص على صيانة الأخلاق والأعراض من الحرص على أن يستبرئ لدينه وعرضه وعلى أن يبتعد عن الشبهات فإذا كنت أيها المسلم ألجأتك ضرورة هذه الحياة المرفهة إلى مسألة الخدم فلا تتخذ إلا خادما تثق بأمانته وديانته وعفافه ولا يحل لك أن تدخل في بيتك خبثا وفسادا عريضا وإذا اضطررت إلى اتخاذ خادمة فلا تدخل في بيتك فتنة أو محل فتنة وإغراء فتعرض نفسك وأولادك وشبابك إلى الفساد العريض خذ بواجب الاحتياط لدينك ولعرضك وابتعد عن الشبهات قدر إمكانك فاتقوا الله أيها المسلمون اتقوا الله أيها المسلمون وحافظوا على دينكم وعلى أعراضكم وعلى أعراض أهليكم وأولادكم.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[1] البخاري: كتاب الإيمان (52) .
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
لما خرج سيدنا رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى تبوك غازيا مجاهدا في سبيل الله قال لأصحابه المجاهدين الذين خرجوا معه: (( إن بالمدينة أقواما ما قطعتم واديا ولا سرتم مسيرا إلا هم معكم، قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: نعم حبسهم العذر ) ) [1] ، فدل هذا الحديث الشريف على أن من وطن نفسه وعزيمته على الجهاد في سبيل الله وسعى إلى تحقيق ذلك ثم لم يتمكن بسبب العذر فإنه يشارك المجاهد في الأجر فما بالك به إذا شارك معه وسانده ولو لم يخرج معه بنفسه ونحن في هذه الأيام نمر في محنة عظيمة وفتنة عمياء هجم علينا هذا العدو الغادر وهذا الظالم الغاشم هذا البعثي العلماني الملحد هجم علينا وتسبب في كل هذه الفتنة والكارثة العظيمة وكان لابد من أن ندفع عنا شره وشر من وراءه ولقد رد الله كيده في نحره وألب عليه الأمم وجمع عليه الجيوش هذا من لطفه سبحانه وتعالى بجيران هذين الحرمين الشريفين والمسجدين المقدسين وها هم جنودنا من أبناء هذه الأمة يدافعون عنا عن حرماتنا وأعراضنا وأموالنا وديارنا ويدافعون عن حمى هذين الحرمين الشريفين والمسجدين المقدسين قد بذلوا أرواحهم وقدموا أنفسهم في سبيل ذلك فواجب على كل واحد منا مسانداتهم ومعاضاتهم فمن لم يلزمه الخروج معهم للقتال فالواجب عليه أن يكون سندا وعونا لهم لا يكون مصدر فتنة وتشويش عليهم أن يخلفهم بخير وأن يكون سندا وعونا كل بما يستطيع فصاحب اللسان والقلم واجبه أن يدفع عنا بلسانه وقلمه يبين لهم الحقائق يبين للمسلمين حقائق ذلك الصراع فإنها فتنة عمياء اختلط فيها الحق بالباطل على كثير من الناس يبين للمسلمين الحقائق وينشر الوعي بين الناس ويبين لهم واجبهم ويذكرهم بالله عز وجل وينصحهم بالإقلاع عن الذنوب والمسارعة إلى التوبة ومن كان لا يقدر على ذلك يقدم ما يستطيع من إمكانه وقدرته يقدم دمه يتبرع بدمه فهذا من أثمن الأشياء التي يمكن أن تقدمها للمقاتلين هذه من أثمن الأشياء التي تسهم بها في القتال أما من قعد آمنا في بيته معافى في سربه محميا بحماية الله تعالى الذي سخر لنا جميعا من يدافع عنا ويدفع عنا عدوان المعتدين ثم مع ذلك لا يشارك بشيء أبدا لا بمشاعره ولا بلسانه ولا بدمه ولا حتى بدعائه بل ربما لا يكف لسانه عن التشويش والفتنة هذا والعياذ بالله لا أظنه مسلما فإن من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم فاتقوا الله أيها المسلمون وعودوا إلى الله بادروا بالتوبة إليه وأقلعوا عن الذنوب فإن هذا كله من شؤم الذنوب هذا من عواقب المعصية من عواقب المعاصي والذنوب فأقلعوا عن الذنوب وتوبوا إلى الله تعالى قبل أن يعم شؤم هذه الذنوب والمعاصي بادروا إلى التوبة وألحوا بالدعاء على الله تعالى لا تملوا من ذلك فهذا وقت الدعاء في وقت الكرب وقت الضرورة والله رحيم غفور كريم يجيب دعاء المضطرين نسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يكفينا ويكفي المسلمين جميعا شر هذه الفتنة العمياء وأن كل من أراد بالإسلام والمسلمين شرا أن يرد كيده في نحره ويكفينا شره إنه قوي عزيز على كل شيء قدير.
أما بعد فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار واعلموا أن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة وبمنهج الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.
يا ابن آدم أحبب من شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تدان ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال جل من قائل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما [الأحزاب:56] . وقال صلى الله عليه وسلم: (( من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشرا ) ) [2] ، اللهم صل وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة أبى بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبي السبطين علي وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعيين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.
[1] البخاري: كتاب المغازي (4161) .
[2] صحيح مسلم (408) .