فهرس الكتاب

الصفحة 608 من 5777

دروس من سورة يوسف

العلم والدعوة والجهاد, موضوعات عامة

الرؤى والمنامات, القرآن والتفسير

عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري

المدينة المنورة

قباء

رؤيا الملِك - الفرق بين الرؤيا والأحلام - خطر حاشية السوء - بركة رأي العلماء الهدي النبوي في النوم

أما بعد: فقال الله تعالى: وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين [يوسف:46] .

تتحدث هاتان الآيتان من سورة يوسف عن رؤيا مناميه رآها الملك الذي كان يحكم مصر في عهد يوسف الصديق عليه السلام وقد جعل الله تعالى تلك الرؤيا سببًا لكشف الغمة وإزالة الكربة عن يوسف وسببًا لإخراجه من السجن, فإن ذلك الملك ويبدو من سياق الآيات أنه كان عاقلًا حكيمًا محبًا للعدل فأهمته تلك الرؤيا التي تكررت عليه بهيئتين مختلفين, فسأل حاشيته وطلب منهم تفسيرها ولكنهم لم يرووا غليل الملك وتخبطوا في الجواب وهنا دروس ولفتات ننبه السامعين إلى بعضها:

أولًا: من الأدب للإنسان أن يلجأ إلى من يأنس فيه العقل والعلم ليستفتيه, لا يجوز له أن يستفتي كل من هب ودب فإن العلم لا يؤخذ إلا من مصادره, ومن طلب العلم من غير مصادره هلك, وذلك الملك لم يسأل أي أحد إنما سأل علية القوم وصفوة مجتمعه, سأل حاشيته وحاشيته كانوا علية القوم بدليل أنه وصفهم بالملأ والملأ في لغة القرآن هم علية القوم وصفوتهم بل أكثر من ذلك يبدو أن حاشيته كانوا من العلماء والفقهاء من أهل ملته بدليل أنه طلب منهم الفتوى أفتوني والفتوى معناها بيان العلم وليس بيان كل أحد يسمى فتوى بل بيان الفقيه وحده هو الذي يسمى فتوى, وقد أرشدنا القرآن إلي هذا الأدب الرفيع فأمرنا أن نطلب العلم والفتوى من أهلهما فقال سبحانه وتعالى: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون [الأنبياء:7] . وأهل الذكر هم العلماء وأولو الأمر في القرآن الكريم هم العلماء, ما أشد حاجة الناس إليهم فحاجة الناس إلى العلماء أشد من حاجتهم إلى الشمس والهواء والطعام والماء فهم من ضروريات الحياة لا يستغني عنهم أحد كائن من كان لا الرعاة ولا الرعية ولا الخواص ولا العوام, ومن ظن في نفسه أن يستغني عن العلماء فقد هلك لأن إرث الأنبياء الذي به قوام الحياة هو عند العلماء فهم ورثة الأنبياء.

ثانيًا: فإن حاشية هذا الملك مع كونهم صفوة ذلك المجتمع ومع كونهم من علماء تلك الملة إلا أنهم لأمر ما ولسر لم تبينه الآيات لم يقدموا جوابًا شافيًا للملك بل تخبطوا في الفتوى وتسرعوا في الجواب فحكموا أولًا بأن تلك الرؤيا التي رآها هي من قبيل أضغاث الأحلام أي أباطيلها وتخاليطها وأضغاث الأحلام عادة تكون من حديث النفس أو من وسوسة الشيطان بخلاف الرؤيا الصادقة فهي حق وهي جزء من بضع وستين أو بضع وسبعين جزءًا من النبوة, ولكن أولئك الحاشية بعد أن جزموا أولًا ببطلان تلك الرؤيا عادوا فاحترزوا لأنفسهم خوفًا من عواقب الأمور فبينوا جهلهم بتفسير الأحلام وتعبير الرؤى وهكذا تتحكم مختلف الدواعي الشريرة والنوايا السيئة ويتحكم تغليب الأهواء والمصالح الذاتية على الحاشية حتى ولو كانوا من العلماء فبدلًا من أن يحاولوا الإصلاح ويبدوا النصح ويبينوا الحقائق بدلًا من ذلك يحجبون الحقائق عن الحاكم ويحرمونه من النصح ولا يحاولون الإصلاح بل أكثر من ذلك قد يقفون عقبة في وجه أهل الإصلاح ويزيفون الأمور للحاكم ويقلبون له الحق باطلًا والباطل حقًا, يزينون له كل شيء يوهمونه أن كل شيء على ما يرام وأن الناس في خير حال لا يشتكون من أية مشكلة ولا ينقصهم أي شيء حتى لو كانوا لا يجدون الماء الذي يشربون ولا الطعام الذي يأكلون ولا يجد الشباب منهم ما يتزوجون ولا يجدون ما يتوظفون ومع ذلك يحجبون عنهم كل هذه الحقائق, جوقة النفاق وحاشية السوء, انهم غشاوة علي بصر الحاكم وبصيرته وهم والله من أشد المصائب العامة التي تحل بالمجتمع ضررًا وفسادًا وإفسادًا ولذلك فجهود أهل الإصلاح مع أهل الحكم تصبح كمن ينفخ في قربة مقطوعة ما لم يتخلص المجتمع من مثل هذه الحواشي السيئة من جوقات النفاق ويطهر المجتمع من رجسهم ومن خبثهم ونفاقهم, لو أن الحاشية سلمت من النوازع الشريرة ومن النوايا السيئة ومن عبادة الأهواء والمصالح الذاتية, لو أن الحاشية حاولوا الإرشاد والنصح إذًا لوجدوا فرصًا عظيمة لذلك يقدمون فيها المشورة السديدة التي تعود على الناس وعلى المجتمع بالنفع والخير العميم كما حدث هنا في هذه القصة القرآنية العظيمة, فتلك الرؤيا التي رآها ذلك الملك كانت صادقة علي الرغم من زعم حاشية السوء أنها رؤيا باطلة بل كانت رؤيا حق, كانت إشارة ربانية وتحذير رباني لذلك المجتمع بعواقب مريرة ومحن اقتصادية ستحل بهم قريبًا.

واهتبل يوسف الصديق عليه السلام هذه الفرصة فلم يكتف فقط بتفسير الرؤيا وتعبيرها لهم بل انتهز الفرصة وأسدى لهم النصح وحاول الإصلاح وقدم المشورة السديدة بل اقترح عليهم برنامجًا اقتصاديًا متكاملًا يتلافون ببركته شر تلك المحن المقبلة عليهم, بينما تلك الحاشية الفاشلة وقفت عاجزة عن الإصلاح, وقفت تمثل الفشل الذريع والعجز عن الإصلاح وهكذا فلله في خلقه شؤون يهدي من يشاء ويضل من يشاء.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد: ففي الصحيحين عن البراء بن عازب رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا أوى أحدكم إلى مضجعه فليتوضأ وضوءه للصلاة وليضطجع على شقه الأيمن ثم ليقل: اللهم أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت ) )ثم قال صلى الله عليه وسلم: (( ولتجعلهن آخر كلامك فإنك لو مت من ليلتك مت علي الفطرة ) ) [1] . صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا هدى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نبينه بمناسبة الكلام عن الأحلام والرؤى فإنها تتعلق بحالة المنام وهذا هو الهدي النبوي في هذه الحالة:

أولًا: أن يقدم المسلم على النوم وهو متطهر متوضئ وضوءه للصلاة.

ثانيًا: أن يضطجع على شقه الأيمن فهذه أفضل هيآت النوم فهناك هيآت أخرى نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنها فقد رأى النبي رجلًا منبطحا على وجهه فقال: إن هذه ضجعة لا يحبها الله.

ثم بعد ذلك فلنعلم جميعًا أن النوم أخو الموت بل هو أحد نوعي الوفاة فالله يتوفى الأنفس حين موتها ولذلك شرع للإنسان أن يذكر الله تعالى في هذه الحالة وأن يقدم على هذا الموت الأصغر بهذا الدعاء الذي جمع بين الإسلام والإيمان, فالإسلام في قوله: (( أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك ) )هذا هو الإسلام فان الإسلام معناه الاستسلام الكامل لله تعالى في جميع الأحوال والإنسان في جميع أحواله لا يخلو من حالين من حال الرغبة أو حال الرهبة, إما هو يسعى لجلب المصالح لنفسه وهذه هي الرغبة وإما هو يسعى لدفع المضار عن نفسه وهذه هي حال الرهبة, رغبة ورهبة إليك ,فالإسلام هو الاستسلام الكامل لله تعالى في كل أحوالك وأن تعلم أنه لا نجاة من الله إلا إليه ولا ملجأ من الله إلا إليه.

وأما الإيمان ففي قوله: (( آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت ) )وهذان يتضمنان الإيمان بكل الأركان الستة فمن آمن بما أنزل الله آمن بكل ما جاء فيما أنزل الله ومن آمن بمن أرسله الله صلى الله عليه وسلم فلقد آمن بكل ما أخبر به وأمر به وزجر عنه فهذا هو الإيمان بالأركان الستة.

فإذا مات الإنسان وهو نائم علي هذا الدعاء فقد مات على الفطرة أي مات على ملة الإسلام, ملة التوحيد فالرجاء عظيم في نجاته يوم لا ينفع مال ولا بنون, قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين [الأنفال:162] . فالنبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا أن يتمثل المسلم الإسلام في سائر أحواله ويحقق التوحيد في سائر أحواله في تقلباته في نومه وفي يقظته.

أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هديه صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار واعلموا أن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة وبمنهج الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

يا ابن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تدان ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال عز من قائل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما [الأحزاب:56] . وقال صلى الله عليه وسلم: (( من صلى علي واحدة صلى الله بها عليه عشرا ) ) [2] ، اللهم صل وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبى بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبى السبطين علي وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

[1] البخاري كتاب الوضوء (244) .

[2] صحيح مسلم (408) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت