فهرس الكتاب

الصفحة 5585 من 5777

التوبة

الرقاق والأخلاق والآداب

التوبة

سعد بن عبد الله العجمة الغامدي

الطائف

سعيد الجندول

1-التوبة رحمة من الله تعالى. 2- الحث على التوبة وبيان فضلها. 3- وقت التوبة. 4- فرح الله تعالى بتوبة عبده. 5- شروط التوبة. 6- توبة القاتل. 7- التحذير من اليأس والقنوط. 8- أسئلة متكررة. 9- مفاهيم خاطئة.

أما بعد: فيقول الله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر: 53] ، وعن ثوبان مولى رسول الله قال: سمعت رسول الله يقول: (( ما أُحبُّ أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية: قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ) ).

إنها الرحمة الواسعة التي تسع كل العصاة والمذنبين مهما عملوا من المعاصي والذنوب والكبائر والآثام، مهما كانت وعظمت حتى ولو كانت شركًا وكفرًا، إنها الدعوة للأوبة والرجوع إلى رحمة الله وإلى طريقه المستقيم. في هذه الآية دعوة للعصاة المسرفين الشاردين في تيه الضلال، تدعوهم إلى الأمل والرجاء والثقة بعفو الله، وأن الله رحيم بعباده يعلم ضعفهم وعجزهم، ويعلم العوامل المسلَّطة عليهم من داخل أنفسهم ومن خارجها، ويعلم أن الشيطان يقعد لهم كلَّ مَرْصَدٍ ويسدُّ عليهم طرقَ الخير ويُصَعِّبُها عليهم ويعظِّمُها في أعينهم ويَجْلِبُ عليهم بخَيْلِهِ ورَجِلِهِ، ويعلم سبحانه وتعالى أن هذا المخلوق الإنساني الضعيف الذي ركَّبَ فيه الميولَ والشهواتِ والوظائفَ الأخرى سَرْعَانَ ما ينحرف عن التوازن فيشطُّ ويخرج عن الطريق هنا أو هناك، يعلم سبحانه ذلك فأمدَّه بالعون ووسَّع له باب الرحمة وفتح له باب التوبة ويقبل التوبة منه ولا يأخذه بمعصيته، بل يبدلها حسنات متى صدق التوبة ورجع إلى الله جل جلاله، قال تعالى: إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان: 70] .

ففي هذه الآية دلالة على أن تلك السيئات الماضية تُبَدَّلُ حسناتٍ بعد التوبة النصوح والخالصة، وبذلك ثبتت السنة وصحَّت بها الآثارُ المَرْوِيَّةُ عن السلف رضي الله عنهم، فعن أبي ذرٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( إني لأعرف آخر أهل النار خروجًا من النار، وآخر أهل الجنة دخولًا إلى الجنة، يؤتى برجل فيقول: نَحُّوا عنه كبارَ ذنوبِه وسََلُوهُ عن صغارها، قال: فيقال له: عملت يوم كذا كذا وكذا؟ وعملت يوم كذا كذا وكذا؟ فيقول: نعم، لا يستطيع أن ينكر من ذلك شيئًا، فيقال له: فإن لك بكل سيئة حسنة، فيقول: يا رب عملت أشياء لا أراها ها هنا ) )، قال: فضحك رسول الله حتى بَدَتْ نَوَاجِذَهُ. وروى البزار والطبراني واللفظ له والبغوي أن رجلًا أتى النبي طويلٌ شَطْبٌ فقال: أرأيت من عمل الذنوب كلها ولم يترك منها شيئًا، وهو في ذلك لم يترك حاجة ولا داجة إلا أتاها، فهل لذلك من توبة؟ قال: (( فهل أسلمت؟ ) )قال: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، قال: (( تفعل الخيرات وتترك السيئات فيجعلهن الله لك خيراتٍ كُلَّهُنَّ ) )، قال: وغَدَرَاتِي وفَجَرَاتِي؟ قال: (( نعم ) )، قال: الله أكبر، فما زال يكبر حتى توارى.

ألا ما أحلم الله وألطفه بعباده! ألا ما أكرمه سبحانه وأرحمه! ألا ما أوسع فضله ورحمته! فتح باب التوبة أمام عباده ليتوبوا، ولم يغلقه سبحانه في وجه أحد، وذلك حتى تطلع الشمس من مغربها وما لم تطلع روح الشخص، فإنه إذا مات أي إنسان فقد قامت قيامته ولا تنفعه توبته ما لم تكن قبل الموت، فإذا كانت حال خروج الروح فإنها لا تقبل، قال تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [النساء: 17، 18] ، وقال رسول الله: (( إن الله يقبل توبة العبد ما لم يُغَرْغِرْ ) )رواه ابن ماجة والترمذي وأحمد والحاكم وقال أحمد شاكر:"إسناده صحيح".

ويجب على المسلم أن يعرف أن له ربًّا توابًا رحيمًا ودودًا عليمًا حكيمًا لطيفًا بعباده لا إله إلا هو العزيز الحكيم، يفرح بتوبة عبده ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، لا إله إلا هو الغني الحليم الحي القيوم ذو الجلال والإكرام، قال رسول الله: (( إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها ) )رواه مسلم والنسائي، وقال رسول الهدى محمد: (( لله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاةٍ فانفلتت منه راحلته وعليها طعامه وشرابه، فَأَيِسَ منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها وقد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح ) )رواه مسلم، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن نبي الله قال: (( كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فَدُلَّ على راهب، فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسًا فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله فكمّل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فَدُلَّ على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ فقال: نعم، من يحول بينك وبين التوبة؟! انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسًا يعبدون الله، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق فأتاه ملك الموت ـ وفي رواية: أتاه الموت ـ، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله تعالى، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم، فقال: قِيسُوا ما بين الأرضين، فإلى أيَّتِهِمَا كان أدْنى فهو لها، فَقَاسُوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة ) )، وفي رواية: (( فكان إلى القرية الصالحة أقرب بشبر، فجعل من أهلها ) )رواه البخاري ومسلم وابن ماجة بنحوه.

فها هي آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول تدعو العباد إلى التوبة والإنابة والرجوع إلى الله سبحانه تعالى، وفيها التصريح بأن الله يغفر الذنوب مهما كانت وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر، وفوق ذلك كلّه لو طال عمر الإنسان في المعاصي ورجع إلى ذي العزة والجبروت ذي الجلال والإكرام لو رجع ذلك العبد الآبق والغارق في المعاصي والآثام قبل الموت لوجد العفو والغفران وإبدال السيئات بحسنات، فما عليه إلا أن يطرق هذا الباب المفتوح على مصراعيه باب التوبة ويدخل معه بدون واسطة ولا رسوم مادية ولا تدخلات بشرية ولا ساعة معينة دون غيرها ولا في مكان مخصص دون غيره، فما عليه إلا أن يدخل من هذا الباب الواسع في أي لحظة ويغتنم ما بقي من حياته ويثق ويوقن بأن الله سوف يقبل توبته ويغفر زلته إن هو صدق، ويعقد العزم بأن يقلع عن المعاصي، ويندم على فعلها، ولا يعود إليها أبدًا حتى تقْبَلَ توبتُه، وليبرأ من حقوق الناس بِرَدِّهَا إليهم إن كانت أموالًا أو نحوها، وليستحِلَّها منهم إن كانت غيبة أو نميمة أو بهتانًا وقدر على ذلك وعلم بأنه لن تحصل بالإخبار مفسدة أعظم، وإلا فَلْيذكُرْ من اغتابه أو قذفه بما يعلم عنه من الخير والصلاح في المجالس التي ذكر أخاه المسلم بغير ذلك مما يكره ويدعو له بالمغفرة والرحمة؛ لعل ذلك يكفر عنه ما وقع فيه من الغيبة والنميمة والبهتان.

هذا في حقوق الآدميين فيما دون قتل المؤمن عمدًا، تلك الكبيرة العظيمة التي ترتعد لها فَرَائِصُ المؤمن من شدة الوعيد الشديد لمن يقدم عليها، والتي يتعلق بمن أقدم عليها ثلاثة حقوق:

1-حق لله تبارك وتعالى فيكون بالتوبة لعموم الأدلة التي سوف ترد إن شاء الله.

2-وحق أولياء المقتول فيسقط بالقصاص أو الدية أو العفو.

3-أما حق المقتول فلا سبيل إلى الخلاص منه في الدنيا؛ لأن المقتول قد فارق الحياة ولا أحد يملك عنه من البشر حق التنازل للقاتل فيما أقدم عليه، وإنما يكون القضاء فيه بين يدي الله عز وجل يوم القيامة يوم الجزاء والحساب حيث يكون أول ما يقضى فيه بين الناس في الدماء كما ورد بذلك الحديث عن رسول الله.

وفي خطب قتل النفس التي حرم الله والقصاص يكون التوضيح والبيان الشافي لهذا الموضوع بإذن الله عز وجل.

فعلى المسلم أن يبرأَ ويتخلَّصَ مما يتعلق بحقوق البشر في هذه الحياة الدنيا؛ لئلا يكون مفلسًا في الآخرة عندما يأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته جزاء ما اقترفه في حقهم وظلمهم بأي نوع من أنواع الظلم، لأن حقوق الآدميين مبنية على المُشَاحَّة، فخير وأولى وأفضل للمؤمن أن يبرأ من حقوق البشر في الدنيا في زمن المهلة لأنه يستطيع التخلص من ذلك، أما في الآخرة فليس هناك إلا الحسنات والسيئات، أما حق الله عز وجل فهو مَبْنِيٌّ على العفو والمغفرة والرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء فهو يغفر الذنوب والمعاصي مهما بلغت في أعين الناس وإن بلغت عنان السماء، فما على العبد إلا أن يقلع عن كل ما يغضب الله جل جلاله ويندم على ذلك ويعقد العزم على عدم العودة، وإن عاد مرارًا وتكرارًا فإن عليه أيضًا أن يقلع ويعاود التوبة ويرجع إلى ربه ولا ييأس من رحمة الله ويطرق هذا الباب الواسع باب التوبة والرحمة والمغفرة ويتوب إلى الله توبة نصوحًا.

قال تعالى: قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر: 53] ، وقال عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التحريم: 8] ، وليتذكر قول الله عز وجل: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [التوبة: 104] ، وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللَّهَ يَجِدْ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: 110] ، إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان70] ، وقال عز وجل: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [الشورى: 25] .

الحمد لله الذي منَّ علينا بشريعة الإسلام، وشرع لنا ما يقرِّب إليه من صالح الأعمال، والحمد لله الذي أنعم علينا بتيسير الصيام والقيام، وجعل ثواب من فعل ذلك تكفير الخطايا والآثام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحد لا شريك له ذو الجلال والإكرام، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أفضل من صلى وزكّى وحج وصام، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلّم تسليمًا.

أما بعد: فتدور أسئلة كثيرة في أذهان كثير من الناس، ومنها: هل يقبل الله توبة إنسان يتسمى بالإسلام ولكنه يشرك بالله تعالى أو يترك الصلوات أو يحافظ على بعضها ويترك بعضها أو لا يصلي إلا يوم الجمعة أو لا يصلي ولا يصوم إلا في رمضان أو لا يؤدي الزكاة أو يصوم بعض أيام رمضان ويفطر بعضها، أو هو مرتكب للزنا أو السرقة أو استعمال المخدرات والخمور بأنواعها أو قاتل أو محارب لله ورسوله أو يأكل الربا أو يتعامل به أو يساعد عليه أو يشهد به، أو هو عاق لوالديه أو أحدهما، أو منان، أو مسبل، أو متكبر ومختال، أو نمام، أو مفسد، أو ظالم إلى آخر ما نعلم من كبائر الذنوب، فإذا كان يرتكب هذه الذنوب والآثام مجتمعة أو بعضها أو واحدة منها، فهل له من توبة؟ وسؤال آخر يتكرر من بعض الناس: هل تقبل توبة إنسان يرتكب الكبائر أو بعضها وقد وصل عمره ستين سنة أو أكثر أو فوق الأربعين، أو يتوب ويرجع إلى المعصية أو عدد من المعاصي هل له من توبة؟ وهذه الأسئلة وأمثالها مما يوسوس بها الشيطان للعصاة الواقعين في الكبائر من الرجال والنساء ليبعدهم عن الطريق المستقيم ويقنطهم من رحمة الله.

هذه الوسوسة من شياطين الإنس والجن جميعهم وخاصة العدو المبين الذي حذرنا الله تعالى منه وأمرنا بأن نتخذه عدوًا، ألا وهو الشيطان الرجيم الذي لا يريد لأحد هداية، بل يسعى بخيله ورجله لغواية البشر ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، وكذلك شياطين الإنس، قال تعالى: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر: 6] ، وقال تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا [النساء: 26-28] .

وأورد آيات تدل على قبول توبة التائبين من كبائر الذنوب والمعاصي بعينها ومن الشرك والكفر والنفاق أيضًا إلا من مات مشركًا أو كافرًا أو منافقًا نفاقًا اعتقاديًا من غير توبة وقبل أن تطلع روحه من جسده.

فعن تاركي الصلاة ومضيِّعيها ومانعي الزكاة وأن الله يغفر لهم وهم إخوان لنا في الدين إذا تابوا، قال الله تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلاَّ سَلامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا [مريم: 59-63] ، وقال عز وجل عن المشركين: فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التوبة: 5] ، إلى أن قال عز وجل بعد خمس آيات أيضًا عنهم في سورة التوبة: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [التوبة: 11] ، وقال عز وجل عن قبول توبة المنافقين نفاقًا اعتقاديًا بعد أن عدَّد أوصافهم وأخلاقهم الذميمة: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا [النساء: 145-147] ، وقال سبحانه عن المحاربين له عز وجل ولرسوله: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: 33، 34] ، وبعدها بآيات عن قبول توبة السارق والسارقة قال عز وجل: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [المائدة: 38-40] .

وعن قبول توبة الكافر والمشرك والمرتدّ عن الإسلام إن لم يموتوا على ذلك وعن التائب عن الزنا والقتل للنفس التي حرم الله، قال الله تبارك وتعالى في عدد من الآيات التي نذكر سياقها القرآني الذي يوضح الصورة كاملة كما جاءت في القرآن الكريم: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الضَّالُّونَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوْ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [آل عمران: 85 - 91] .

وعن قبول توبة الذين يأتون فاحشة الزنا ويعملون السوء بجهالة ويتوبون قبل الغرغرة وحضور الموت أو الموت على الكفر في سياق قرآني مترابط كما فسرته أحاديث رسول الله ، قال تعالى: وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [النساء: 16-18] ، وقال تعالى: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا [الفرقان: 68-71] .

وعن قبول توبة الذي يقذف المحصنات بالفاحشة قال تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور: 4، 5] .

وعن غض البصر والتزام المرأة المسلمة بالحجاب الشرعي وتغطية وجهها وسترها عن الأجانب عنها بعد أن ذكر الله عز وجل من يجوز لها أن تكشف عنه أمامهم وليس هو سفور المرأة وكشفها عن وجهها الذي كثر دعاة الضلالة إليه اليوم في القنوات الفضائية، وبعد ذكر الرجال الذين يجوز للمرأة المسلمة أن تكشف عن وجهها أمامهم قال عز وجل موجهًا الخطاب للرجال والنساء في نهاية الآية: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور: 31] .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: (( يضحك الله سبحانه وتعالى إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة، يقاتل هذا في سبيل الله فيُستشهد، ثم يتوب الله على القاتل فيسلم فيُستشهد ) )رواه البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى، وعن توبة المرأة التي زنت وأُقيم عليها حدُّ الرجم وصلى عليها رسول الله قال رسول الله: (( لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله عز وجل؟َ ) )رواه مسلم رحمه الله.

وبعد أن ذكر تحريم فتنة المؤمنين والمؤمنات وإذا لم يكفَّ الشخص عن ذلك ويتوب إلى الله فالعذاب الأليم أمامه قال تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [سورة الأحزاب: 58] ، وقال عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [البروج: 10] ، وقال عز وجل عن قبول توبة التائبين عمومًا: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [التوبة: 104] ، وقال سبحانه وبحمده: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [الشورى: 25] .

وعن قبول توبة الذين يكتمون العلم وما أنزله الله من البينات والهدى، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة: 159، 160] .

وعن السخرية والاستهزاء واللمز والتنابز بالألقاب واجتناب كثير من الظن والتجسس والغيبة قال تعالى آمرًا باجتنابها وداعيًا إلى التوبة منها وأنه تواب رحيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ [الحجرات: 11، 12] .

أيها المسلمون، كلنا خطّاء، وخير الخطائين التوابون، كما قال رسول الله: (( كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون ) )رواه الترمذي وابن ماجة وأحمد والحاكم، ويشفع رسول الله يوم القيامة للمذنبين الخطائين من المتأخرين من أمته عليه الصلاة والسلام كما هي للمتقدمين منهم، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي قال: (( خُيِّرْتُ بين الشفاعة أو يدخل نصفُ أمتي الجنةَ فاخترت الشفاعة؛ لأنها أعمُّ وأكفى، أما إنها ليست للمؤمنين المتقدمين، ولكنها للمذنبين الخطائين المتلوّثين ) )رواه أحمد والطبراني واللفظ له وإسناده جيد، ورواه ابن ماجة من حديث أبي موسى الأشعري بنحوه.

وعلينا مع ذلك أن لا نأمن عقاب الله إذا لم نقلع عن الذنوب والمعاصي، وقد تُعَجَّلُ لنا العقوبةُ في الدنيا وهذا خير لنا إن عجلت العقوبة، وعلينا أن نسارع إلى التوبة في أي ساعة من ليل أو نهار ونطرق باب التوبة الواسع حتى يغفر الله لنا، قال تعالى: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ [الحجر: 49، 50] ، وقال عز وجل: غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ [غافر: 3] ، وقال: (( والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله، فيغفر لهم ) )رواه الإمام مسلم وغيره رحمهم الله.

ويجب على المذنب أن يستتر بستر الله إذا اقترف ذنبًا ولا يجاهر به ولا يصر على اقتراف الذنوب والمعاصي حتى ولو عاد إلى الذنب نفسه مرة أخرى، فإن ذلك هو ظاهر الآيات والأحاديث، وليس كما يفهمه بعض المسلمين خاصة المرجئة، وقد سلك طريقهم مَنْ ليس منهم خاصة في هذا الأمر وإنْ لم يكونوا على علم بمنهجهم، ففي هذه المسألة كان الفهم الخاطئ للآية وللحديث الوارد في سبب نزولها، وكذلك الحديث التالي وأحاديث أخرى حيث يرتكبون كبائر الذنوب ويُصِرُّون على الاستمرار فيها وقد يموت أحدهم وهو مرتكب لتلك الكبائر محتجًا بهذه الأحاديث وفهمه الخاطئ لها وللآية التالي ذكرها بعد هذين الحديثين: عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله يقول: (( إن عبدًا أصاب ذنبًا، فقال: يا رب إني أذنبت ذنبًا فاغفره، فقال له ربه: علم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به، فغفر له، ثم مكث ما شاء الله، ثم أصاب ذنبًا آخر ـ وربما قال: ثم أذنب نبًا آخر ـ فقال: يا رب إني أذنبت ذنبًا آخر فاغفره لي، قال ربه: علم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به، فغفر له ) )، إلى أن قال: (( فقال ربه: غفرت لعبدي فليعمل ما شاء ) )رواه البخاري ومسلم. فمعنى الحديث والله أعلم وكما هو واضح من الحديث أنه أصاب ذنبًا ثم تاب منه، ثم أصاب ذنبًا آخر وليس الأول، فالذي يفعل هذا ليس كمن يعاود الذنب نفسه، فهذه توبة الكذابين وقد قيل:"لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار"، قال رسول الله: (( كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل العبد عملًا بالليل يبيت يستره الله، فيصبح يكشف ستر الله عليه، يقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا ) ).

قال تعالى: وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود: 114] ، وقال عز وجل: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اتَّقَى [النجم: 31، 32] ، وقال عز جل: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران: 132-136] ، وقال تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا [النساء: 31] .

وعليه نقول ونكرر بأن باب التوبة مفتوح لمن ارتكب بعض هذه الذنوب أو كلها مهما بلغت أو كان كبيرًا في السن أو شابًا ذكرًا كان أو أنثى، فإن الله يقبل توبته ما لم تطلع روحه ويدْنُ أجلُه ويُغَرْغِرْ وما دام في فسحة من أجله وأمره، وما لم يكن ممن تقوم عليهم الساعة وتطلع الشمس من مغربها، وفوق ذلك كله فضل عظيم لا يتوقعه إنسان ولا يتصوره، ألا وهو إبدال السيئات الماضية مهما كانت بحسنات فوق التوبة التي قبلها الله منه، وإن زنا وإن سرق وشرب الخمور أو ارتكب جميع الموبقات فإن الله ذا الجلال والإكرام يقبل التوبة منه ويكفر السيئات ويبدله عن تلك السيئات حسنات، وقد أوردت سابقًا من الآيات والأحاديث ما فيه الكفاية، فالمبادرةَ المبادرةَ بالتوبة والإنابة والرجوع إلى الرب الكريم التواب الحليم الغفور الرحيم لا إله إلا هو العزيز الحكيم.

فاللهم اغفر لنا ما قدّمنا وما أخّرنا، وما أسررنا وما أعلنّا، وما أنت أعلم به منّا، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا ورسولنا محمد وآله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت