فهرس الكتاب

الصفحة 5583 من 5777

القضاء والقدر

الإيمان

القضاء والقدر

سعد بن عبد الله العجمة الغامدي

الطائف

سعيد الجندول

1-معنى الإيمان بالقضاء والقدر. 2- الرضا بقضاء الله وقدره. 3- كل شيء يجري وفق مشيئة الله القدرية. 4- عبارات منكرة شاعت بين الناس.

أما بعد: فما تزال العقيدة الإسلامية منذ إحداثها ذلك الانقلاب العظيم في العالم وهزتها العنيفة لأركانه المتداعية وخلخلتها للكيان البشري المهزوز، منذ أطاح الإسلام بصروح الباطل ودكّ عرش الشر والكفر والفساد ما تزال العقيدة الإسلامية تُستهدف للطعن الشديد، وتتعرض للنقد القاسي المرير من خصومها الألِدَّاء، وأعدائها الأشِدَّاء من يهود ونصارى ومجوس وملحدين على حد سواء، ولم يبرح أولئك الخصوم يشككون في العقيدة الإسلامية ويطعنون حتى زلزلوها في نفوس أكثر المسلمين، وسار على نهجهم الفرق الضالة التي تدّعي الإسلام، ومن ذلك عقيدة القضاء والقدر التي هي ركن من أركان الإيمان وأحد أجزاء العقيدة الإسلامية التي يجب أن يعتقدها كل مسلم ومسلمة. فالقضاء والقدر عِلْمُ الله تعالى الأزَلِيُّ بكل ما أراد إيجاده من العوالم والخلائق والأحداث والأشياء، وتقدير ذلك الخلق وكتابته في الذكر الذي هو اللوح المحفوظ كما هو حين قضى بوجوده في كميته وكيفيته وصفته وزمانه ومكانه وأسبابه ومقدماته ونتائجه بحيث لا يتأخر شيء من ذلك عن وقته وزمانه الذي يوجد فيه الشيء، فلا يتقدم عما حُدِّد له من زمان، ولا يتبدل في كميته بزيادة أو نقصان، ولا يتغير في هيئة ولا صفة بحال من الأحوال إلا أن يشاء الله ذلك التبديل والتغيير، وذلك لسعة علم الله تعالى الذي عَلِمَ ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، وعظيم قدرته عز وجل التي لا يحدها شيء، ولا يحجزها آخر، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولربطه تعالى الوجود كله بقانون السنن الذي يحكم كل أجزاء الكون علويه وسفليه على حد سواء، قال تعالى: يَمْحُو ?للَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ ?لْكِتَـ?بِ [الرعد: 39] . هذان هما القضاء والقدر في تعريفٍ مُقَرَّبٍ للأذهان. ولنستمع إلى كلام الله الخلاق العليم العزيز الحكيم قيوم السماوات والأرض خالق كل شيء وهو على كل شيء قدير وهو يخبر تعالى عن قدرته وحكمته في القضاء والقدر ومشيئته له وقضائه به، قال تعالى: مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى ?لأرْضِ وَلاَ فِى أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِى كِتَـ?بٍ مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ?للَّهِ يَسِيرٌ لّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَى? مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَا ءاتَـ?كُمْ وَ?للَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد: 22، 23] ، وقال سبحانه: وَ?لأرْضَ مَدَدْنَـ?هَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَو?سِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ شَىْء مَّوْزُونٍ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَـ?يِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِر?زِقِينَ وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ [الحجر: 19-21] ، وقال تعالى: إِنَّا كُلَّ شَىْء خَلَقْنَـ?هُ بِقَدَرٍ [القمر: 49] ، وقال جل شأنه: وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِى المُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [الفرقان: 2] ، وقال عز وجل: وَكُلُّ شَىْء عِندَهُ بِمِقْدَارٍ [الرعد: 8] ، وقال سبحانه: وَكَانَ أَمْرُ ?للَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا [الأحزاب: 38] ، وقال عز وجل: سَبِّحِ ?سْمَ رَبّكَ ?لأعْلَى? ?لَّذِى خَلَقَ فَسَوَّى? وَ?لَّذِى قَدَّرَ فَهَدَى? [الأعلى: 1-3] ، وقال تعالى: ثُمَّ جِئْتَ عَلَى? قَدَرٍ ي?مُوسَى? [طه: 40] ، وقال تعالى: عَـ?لِمِ ?لْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِى ?لسَّمَـ?و?تِ وَلاَ فِى ?لأرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِى كِتَـ?بٍ مُّبِينٍ [سبأ: 3] ، وقال تعالى: لّتَعْلَمُواْ أَنَّ ?للَّهَ عَلَى? كُلّ شَىْء قَدِيرٌ وَأَنَّ ?للَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلّ شَىْء عِلْمَا [الطلاق: 12] ؛ لذلك ينبغي أنْ نعرف أنَّ القَدَرَ حسب إيمان المسلمين والمؤمنين به قَدَرَانِ، قَدَرٌ مُسَلَّمٌ به وآمن به كل المؤمنين بالله تعالى، ولم ينكره أحد ولم يجادل فيه مجادل من المشركين عدا الشيوعيين الملحدين الذين ينكرون وجود الله أساسًا. وهذا النوع من القدر مثل خلق العالم وما فيه من سنن، وما يجري فيه من حياة وموت وقحط وجدب، وما ينزل بالإنسان من مصائب لم يتسبب هو فيها ولم يكن له قدرة بحال على دفعها، وذلك كَكَوْنِهِ يُولَدُ جميلًا أو دميمًا، طويلًا أو قصيرًا، ذكرًا أو أنثى، حُرًّا أو عبدًا وفي زمن كذا دون غيره من الأزمنة، وفي بلد كذا دون غيره من البلاد مثلًا، وككون القضاء مضى بسعادة المرء أو شقائه، كما مضى بتحديد رزقه وأجله، فهذا النوع من القدر هو من مراد قوله تعالى: مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى ?لأرْضِ وَلاَ فِى أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِى كِتَـ?بٍ مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ?للَّهِ يَسِيرٌ [الحديد: 22] . وقول الرسول لابن عباس رضي الله عنهما: (( واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف ) ).

وهذا النوع من القدر كما يجب الإيمان به، يجب الرضا به، والتسليم لله تعالى فيه، فإنه على وفق رضا الله تعالى، وبناء على مشيئته وحكمته، وواقع على أساس تدبيره لملكه وخلقه، وإنه ما من حادثة تحدث في الكون إلا ولله تعالى فيها حكمة عالية مقصودة، ومن هنا قَبُحَ بالمرء أن يَتبَرَّمَ من هذه الأحداث المقدرة له من خير وشر، كما جَمُلَ به أن يقابلها بكامل الرضا ومطلق التسليم ويتذكر قول الله عز وجل: قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ ?للَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَـ?نَا وَعَلَى ?للَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ?لْمُؤْمِنُونَ [التوبة: 51] . والحديث المروي عن رسول الله ومنه: (( لو أنفقت مثل أحد ذهبًا ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك ) )رواه أحمد وابن ماجة وأبو داود.

وللرضا بهذا القضاء نتائج سارة، وثمرات طيبة متى التزم المؤمن ذلك، وخاصة عندما تنزل به مصيبة أو يصرفها الله عنه، فمن تلك الثمرات الطيبة والنتائج السارة للرضا بالقضاء أنه يكسب صاحبه قوَّةَ الشَّكِيمَةِ ومَضَاءَ العزيمة، فمن اطمأنت نفسه إلى أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه خلت جميع أعماله من الحيرة والتردد، وانتفى من حياته القلق والاضطراب، لأنه بمجرد ما يترجح لديه الإقدام على أمر ما أقدم عليه من غير خوف ولا هيبة ولا تردد، ومن هنا فإنه لا يحزن على ماضٍٍ، ولا يغتمَّ لحاضر ولا يؤلمه هَمُّ المستقبل، وبذلك يكون أسعدَ الناس حالًا، وأطيبَهم نفسًا، وأصلحَهم بالًا، وأهدأَهم خاطرًا، ويكون أيضًا من أشجع الناس عقلًا وقلبًا، وأكرمهم قولًا ونفسًا، والمثال الحي في واقعنا المعاصر هو ما نشاهده ونسمعه عن واقع المؤمنين بالله وواقع الكفار من يهود ونصارى وغيرهم من الكفار في جميع بقاع الأرض، فعندما تنزل نازلة بأحد الكفار عندها تضيق الحياة في وجهه ويتبرَّم منها وتضيق به الأرضُ بما رَحُبَتْ ويسارع إلى التخلص من حياته بالانتحار في أي صورة من صُوَرِهِ ليتخلص من هذه الحياة وهذه النازلة والضائقة التي نزلت به، بينما نجد على العكس من ذلك في المؤمن بالله تعالى حينما ينزل به شيء من ذلك يتلقاه بالرضا والقبول والطمأنينة ويعلم أن ذلك من قضاء الله وقدره، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن الله قد كتب عليه ذلك فلا بُدَّ أن يَنْفُذَ ذلك القدر، فما على المؤمن بعد ذلك إلا الصبر والاحتساب والرضا بقضاء الله وقدره، فهو مع ذلك مرتاح البال والضمير، ويعلم تمام الآيتين التي ذكر الله بأنه يجب على المؤمن ألا يحزن على ما فاته وألا يفرح بما آتاه الله، قال تعالى: مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى ?لأرْضِ وَلاَ فِى أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِى كِتَـ?بٍ مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ?للَّهِ يَسِيرٌ لّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَى? مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَا ءاتَـ?كُمْ وَ?للَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد: 22، 23] ، وحال أعداء الإسلام بدأ يفشو في واقع المسلمين اليوم حينما بعدوا عن تدبر كتاب الله تعالى وسنة نبيه محمد وعن العمل بهما، لذلك قَلَّ من يرضى ويسلم بالقضاء والقدر ويطبقهما في واقعه، وقَلَّ من يفهمهما الفهم الحقيقي، كما ضل بسببهما أقوام في القديم والحديث، فيجب علينا أن نفهم معناهما فهمًا صحيحًا ونطبقهما في واقعنا لنحيا حياة سعيدة هانئة ولأنهما من صميم عقيدتنا وأركان إيماننا وإسلامنا. وقد سبق الكلام بأن القدر قدران: القدر العام الذي يشمل الكون كله وما يجري فيه من أحداث لا حِيلة للإنسان فيها ولا قدرة له على دفعها أو تغييرها إِذْ هي جارية على نظام السنن التي يقول الله تعالى فيها: فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [فاطر: 43] ، وقال سبحانه وبحمده: سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [الأحزاب: 62] ، وهذا القدر العام لم يوجد بين المسلمين من ينكره ويجادل فيه، بل هم مؤمنون به، ولكن الخطورة في القدر الخاص المتعلق بأفعال العباد حسنها وسيئها، صالحها وفاسدها. لذلك يجب على المسلم أن يعتقد أن الله جل جلاله خالق للإنسان خالق لأفعاله، وأن الإنسان فاعل لأفعاله وليس خالقًا لها، وأن له إرادة ومشيئة وفق إرادة الله ومشيئته وعلمه وقدرته وإحاطته بكل شيء، فعلى المسلم أن يعتقد بأن العبد له قدرة على عمله وله مشيئة، والله تعالى هو الذي خلقه وخلق قدرته ومشيئته وإرادته وأعماله وأقواله، وهو عز وجل الذي منح العبد إياها وأقدره عليها وجعلها قائمة بالعبد مضافةً إليه حقيقة، وبحسبها تم تكليف العبد، وعليها يثاب ويعاقب، ولم يحمِّلِ اللهُ العبدَ فوق طاقته ولم يكلفه إلا وُسْعَهُ، فالعبد لا يقدر إلا على ما أقدره الله تعالى عليه، ولا يشاء إلا أن يشاء الله، وعلى المسلم أن يعتقد بأن ذلك القضاء والقدر الذي حصل له أو عمله أو فعله بفعله الاختياري هو مقدّر عليه ومكتوب في اللوح المحفوظ ولن يخرج عما هو ميسّرٌ له ومقدَّر ومقضيٌّ عليه، ولنْ يَحِيدَ عن الخط المرسوم له سواء في الأفعال الاختيارية والتي له فيها إرادة ومشيئة أو في الأمور المقدرة عليه ولا اختيارَ له فيها ولا مشيئةَ ولا إرادةَ، فمشيئته وإرادته في أفعاله تلك لا تخرج عن إرادة الله ومشيئته وقضائه وقدره وعلمه وإحاطته بكل شيء.

فعلى المسلم أن يفرق بين المصائب وغيرها من الأمور المقدرة عليه والتي لا اختيار له فيها ولا مشيئة مثل: زمنه ومكانه الذي يولد فيه ورزقه وأجله وعمره وطوله أو قصره ودمامته أو جماله وضخامته أو نحافته وفقد بصره أو إبصاره، وطلاقة لسانه أو عدمه، وعلمه أو جهله، وذكائه أو ضعفه، ومرضه أو صحته، وزواجه ممن يريد أو لا، وعقمه أو تقدير ما يشاء من الأولاد بنين أو بنات. وما يصيبه من حوادث سيارات أو هدم أو غرق أموال في البحار أو الأنهار أو الآبار، أو ما يصيبه في نفسه وماله وأهله وأولاده إلى غير ذلك من المصائب التي لا إرادة له فيها ولا مشيئة ولا اختيار يفرق بين ذلك وأشباهه وبين الأمور الاختيارية في أمور الطاعات والمعاصي وغيرها من أمور الحياة من أكل وشرب أو عدمهما، ونوم ويقظة أو عكسهما، وقيام وقعود أو عكسهما، وكلام أو عدمه، والإقدام على فعل طاعة وعبادة من العبادات أو عدم القيام بها، والإقدام على معصية من المعاصي أو الابتعاد عنها، كل ذلك لا يخرج عن مشيئة الله تعالى وقدرته وإرادته وهدايته سبحانه، قال تعالى: إِنَّا هَدَيْنَـ?هُ ?لسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [الإنسان: 3] ، وَهَدَيْنَـ?هُ ?لنَّجْدَينِ [البلد: 10] ، وكما قال تعالى: لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء ?للَّهُ رَبُّ ?لْعَـ?لَمِينَ [التكوير: 28-29] ، وقوله عز وجل: إِنَّ هَـ?ذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء ?تَّخَذَ إِلَى? رَبّهِ سَبِيلًا [المزمل: 19] ، وكما قال عز وجل: إِنَّ هَـ?ذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء ?تَّخَذَ إِلَى? رَبّهِ سَبِيلًا وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء ?للَّهُ إِنَّ ?للَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا يُدْخِلُ مَن يَشَاء فِى رَحْمَتِهِ وَ?لظَّـ?لِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [الإنسان: 29-31] ، وقوله عز وجل: لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر [المدثر: 27] ، وقال تعالى: وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج: 25] ، وقال عز وجل: وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ?لدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ?لآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا [آل عمران: 145] ، وقال تعالى: مَّن كَانَ يُرِيدُ ?لْعَـ?جِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ [الإسراء: 18] ، وقال تعالى: مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ?لآخِرَةَ [آل عمران: 152] ، وقال عز وجل: تُرِيدُونَ عَرَضَ ?لدُّنْيَا وَ?للَّهُ يُرِيدُ ?لآخِرَةَ [الأنفال: 67] ، وقال تعالى: مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ?لآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ?لدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِى ?لآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ [الشورى: 20] ، وقال تعالى: وَ?للَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ ?لَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ?لشَّهَو?تِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا يُرِيدُ ?للَّهُ أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ ?لإِنسَـ?نُ ضَعِيفًا [النساء: 27، 28] ، وقال تعالى: يُرِيدُ ?للَّهُ بِكُمُ ?لْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ?لْعُسْرَ [البقرة: 185] ، وقال تعالى: وَقُلِ ?لْحَقُّ مِن رَّبّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ [الكهف: 29] .

والآيات التي تثبت مشيئة العبد وإرادته التي لا تخرج عن مشيئة الله وإرادته كثيرة، ولم أورد منها إلا الشيء اليسير؛ لذلك يجب على المسلم أن يفقه هذه المسائل المهمة في دينه لأنها من أركان عقيدته التي لا تقبل التجزئة والإيمان ببعض والكفر ببعض كما هو حال أهل الكتاب، قال تعالى: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ?لْكِتَـ?بِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذ?لِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْىٌ فِي ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا وَيَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ يُرَدُّونَ إِلَى? أَشَدّ ?لّعَذَابِ وَمَا ?للَّهُ بِغَـ?فِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة: 85] .

الحمد لله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، أحمده سبحانه وبحمده وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمدًا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: فإن مما يؤسف له ونسمع عنه بين الحين والآخر وفي مجتمع المسلمين اليوم ومع انتشار العلم هو تخلخل العقيدة والتلفظ بألفاظ تقدح في عقيدة قائلها وتنافي التوحيد الواجب أو كماله، وما ذلك إلا لقلة التأمل وابتعادنا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتناصح فيما بيننا وعدم القبول ممن هو واقِعٌ منه ذلك. وإن صدرت بقصد أو بغيره فالواجب التخلي عما ينافي التوحيد قولًا أو فعلًا أو اعتقادًا، أقول بأنَّ ألفاظًا تَرِدُ على ألسنة المسلمين اليوم، طالب العلم والجاهل والصغير والكبير والرجل والمرأة والأولاد من بنين وبنات على حد سواء قلّ من يتنبه لها أو ينكرها، ومنها قولهم: الصُّدْفَةُ: صُدْفَةً لقيتُ فلانًا، بالصدفة التقيت مع فلان، صدفة قلت كذا، صدفة عملت كذا ولم أعمل كذا، بالصدفة نَجَّاني الله من أمر كذا، الصدفة وحدها أنقذت فلانًا من حادث مُرَوِّعٍ، الصدفة وحدها لعبت دورها في إنقاذ فلان من حادث كذا، بمحض الصدفة تَمَّتْ نجاةُ فلان من حادث كذا، إلى غير ذلك من الألفاظ التي نسمعها في باب الصدفة، مع تفصيلٍ في ذلك حول الكلمة نفسها، وأسوأ ما قرأت في الصحافة وبأقلام الصحفيين عبارات وكلمات من هذا القبيل يندى لها الجبين عندما تصدر من أبناء هذه البلاد ويقرؤها الملايين من المسلمين أو تنتشر بينهم بناءً على أنها صادرة من بلد التوحيد ولا مُنْكِرَ عليهم، عبارات لا يصدقها مسلم أنها تصدر من متعلم درس التوحيد في هذا البلد ولكنها تَرِدُ يوميًا عبر الصحف بأقلام أغبياء الصحفيين المرتزقة الذين يتشدقون بعبارات وجمل يشطحون بها ويقلدهم غيرهم ممن يظنون أن من يكتب في الصحف السيارة قد بلغ من العلم مبلغًا، ولو علموا عن حال أكثرهم عن قرب وعن أهدافهم لبطل العجب والاستغراب، ومنها تعبير أحدهم ووصفه لحادثٍ ما كما ذكرنا عن الصدفة: لعبت الصدفة دورها في النجاة من الحادث الفلاني، تدخلت العناية الإلهية، تدخلت يد القدر أو المشيئة، وأخيرًا تدخلت المشيئة الإلهية، شاءت العناية الإلهية في إنقاذ فلان أو شاءت عناية الله، شاءت إرادة الله، أو أخيرًا تدخلت العناية الإلهية، الإنسان مسيّر غير مخيّر، وقولهم: شاءت الأقدار وسار كذا، شاءت الظروف وأصبح لي كذا، أو لفلان، حكمت الأقدار عليَّ أو على فلان من الناس بكذا، حكمت الظروف بكذا، أقول هذه الألفاظ وما شابهها في بابها مما نسمعه يجب على كل مسلم ومؤمن يؤمن بقضاء الله وقدره يجب ألا ترد على لسانه هذه الألفاظ وأن يطهر لسانه منها سواء قالها بقصد أو بغيره ويستغفر الله تعالى منها، وعلى كل مسلم أن ينصح من يسمعه يتلفظ بذلك لأن انتشارها أصبح فظيعًا ومخيفًا حتى بين طلبة العلم الذين يجب أن يكونوا هم القدوة الحسنة لغيرهم قال تعالى: إِنَّا كُلَّ شَىْء خَلَقْنَـ?هُ بِقَدَرٍ وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ و?حِدَةٌ كَلَمْحٍ بِ?لْبَصَرِ [القمر: 49، 50] ؛ لذلك يجب أن نعلم أنه لا يقع شيء في الكون مهما كان بالصدفة وإنما هو بقضاء الله وقدره على تفصيل في ذلك كما أسلفنا، وإنْ كان لابدَّ فلْيَقُلْ حَصَلَ كذا مُوَافَقَةً أو اتَّفَقَ أنْ لَقِيتُ فلانًا أو قُدِّر أن لقيت فلانًا وحصل كذا، ونعلم كذلك أنَّ الإنسانَ مُسَيَّرٌ ومُخَيَّرٌ لا أنْ تقول مُسَيرًا وليس بِمُخَيَّرٍٍ، فالإنسان مُسَيَّرٌ فيما لا إرادة له فيه ولا مشيئة وما يصيبه من مصائب أو حوادث وغير ذلك مما سبق إيضاح بعضه، وفي الوقت نفسه هو مُخَيَّرٌ في أفعاله من أكل وشرب وكلام وابتداء نوم واستمرار بعض اليقظة وعبادة واختيار طريق الخير بفعل الطاعات أو اختيار طريق الشر بارتكاب المعاصي والآثام، وقد سبق توضيح بعضه وهو لا يخرج عن مشيئة الله وإرادته وقضائه وقدره المكتوب في اللوح المحفوظ.

كذلك الأمر بالنسبة لشاءت الظروف، أو شاءت الأقدار أو حكمت الظروف أو حكمت الأقدار، على المسلم أن يُرجع ذلك إلى الله عز وجل ويقول: شاءَ الله، أو قَدَّرَ الله كذا وما شابههما مما لا يقدح في التوحيد أو كماله، ونسمع ألفاظًا من هذا القبيل خاصة عندما يصيب الإنسانَ حادثُ سيارة سواء كان صغيرًا أو كبيرًا أو حريقٌ أو غرقٌ أو غيرُ ذلك من الحوادث أو أي مصيبة أو أي أمر من الأمور التي تمر على صاحبها في حينها ويردد هذه الألفاظ. ومنها قولهم: لو ما فعلتُ كذا لانقلبت السيارة، أو لوما عملتُ كذا وتداركتُ الموقفَ لحصل كذا، أو لو لم أربط حزام الأمان لحصل كذا وكذا كما هو معبر به عبر الصحف في هذه الأيام، أو لو لم يفعل فلان كذا لما حصل كذا، إلى غير ذلك مما هو وارد من هذا القبيل وفيه إِخْبَارٌ عن الماضي وليس عن المستقبل الذي لا اعتراض فيه على قدر، فعلى المسلم أن يقول: قدَّر الله وما شاء فعل، أو لو لا الله لما نَجَا فلان أو لحصل كذا وغير ذلك من الألفاظ الصحيحة والتي تُفَرِّقُ بين الماضي والمستقبل في أي أمر من الأمور. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدَّر الله وما شاء فعل، فإنَّ لَوْ تفتح عمل الشيطان ) )رواه مسلم.

ومن العبارات الخاطئة عندما يدعو الشخص بقول: اللهم إني لا أسألك رَدَّ القضاء ولكن أسألك اللطف فيه، وهذا خطأٌ واضحٌ منافٍ للأحاديث الواردة في ذلك، ومنها: قول رسول الله: (( لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا الْبِرُّ، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يذنبه ) )رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم واللفظ له وقال:"صحيح الإسناد"، وقال: (( لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر ) )رواه الترمذي وقال:"حديث حسن غريب"، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله: (( لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة ) )رواه البزار والطبراني والحاكم وقال:"صحيح الإسناد"، يعتلجان أي: يتصارعان ويتدافعان، وفي رواية أخرى للحاكم والترمذي: (( إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء ) )، وقول الله تعالى: يَمْحُو ?للَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ ?لْكِتَـ?بِ [لرعد: 39] .

والخوض في أمر القدر دون علم ودراية وأ َ خْذٍ له من أهل العلم يوصل العبد إلى متاهات ومفازات قد لا يخرج منها إلا أن يشاء الله له الهداية والسلامة والعودة إلى الطريق الصحيح، وقد كان الخوض في ذلك في الأزمنة الماضية ولم يزل وقد ضل خلق كثير بسبب عدم الإلمام بعلم الشريعة ممن كان قائدًا لهم إلى طريق الغواية، فعلى المسلم أن لا يدخل في ذلك إلا بعلم، والعلم يكون عن طريق العلماء الموحدين الذين يسلكون طريق السلف الصالح في فهم الشريعة على ما جاء في كتاب الله وصحيح سنة رسول الله ، قال تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ ?لرُّوحِ قُلِ ?لرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّى وَمَا أُوتِيتُم مّن ?لْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا [الإسراء: 85] ، وقال تعالى: عَـ?لِمِ ?لْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِى ?لسَّمَـ?و?تِ وَلاَ فِى ?لأرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِى كِتَـ?بٍ مُّبِينٍ [سبأ: 3] ، وقال تعالى: لّتَعْلَمُواْ أَنَّ ?للَّهَ عَلَى? كُلّ شَىْء قَدِيرٌ وَأَنَّ ?للَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلّ شَىْء عِلْمَا [الطلاق: 12] .

وما ذُكِرَ سابقًا إنما هو مساهمة في هذا الأمر المهم وتقريب لمعناه إلى أذهان عامة الناس وتبسيط لمضمون القضاء والقدر والمشيئة والإرادة وغيرها مما تم التعرض له دون الدخول في بعض التفاصيل، وواجب المسلم الإيمان بقضاء الله وقدره والرضا والتسليم واحتساب الأجر والثواب على أقدار الله المؤلمة، قال الله جل جلاله وتعالى سلطانه: وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء: 115، 116] .

اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمد وآله...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت